تحليل

السؤال المحوري هو هل يعقل أن يملك أي فرد، مهما علا شأنه، ذاك القدر من النفوذ والتأثير على سياسة دولة مؤسسات عظمى بحجم الولايات المتحدة؟ وهل كُلّف جون بولتون، وما يمثله من امتدادات، جر الرئيس ترامب لتلك النهاية المفزعة للسياسة الأميركية. بالطبع بولتون يتصرف بوحي تام من مؤسسة كاملة من الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخباراتية وكذلك من مسؤولين لم يبرحوا عقلية "الحرب الباردة" ولا يتوانون عن استعراض العضلات طمعاً في طلب تأييد الجمهور الأميركي وسردية فرادة بلاده و"تزعمها" للعالم.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يربط كلامه عن "انسحاب القوات الأجنبية من سوريا" بالقضاء على الإرهاب في منطقتين هما إدلب وشرق الفرات، ما يقود إلى التفكير بالقوات التركية في إدلب، والأميركية في شرق الفرات. فكيف فسره نتنياهو على أنه ضد إيران؟

فشل المراهنة الاميركية على الانقلاب العسكري في فنزويلا، يجرّ في أذياله فشل المراهنة على الغزو عبر كولومبيا والبرازيل بذريعة إدخال "المساعدات الإنسانية". لكن انسداد الطرق الملتوية للسيطرة الأميركية على ثروات فنزويلا، قد يدفع ترامب إلى مغامرة عسكرية عارية تؤدي إلى توحيد شعوب القارة اللاتينية ضد عودة اليانكي الأبيض. كيف ولماذا؟

واشنطن لم تفوت أي فرصة للنيل من موسكو وتحشيد الرأي العام الداخلي والعالمي ضدها، أحدثها كان سلسلة خطابات لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، منتصف شباط/فبراير الجاري، في جولته الاوروبية ".. محذراً من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشكل تهديداً للديموقراطيات في انحاء العالم".

التهديد الأميركي بالتخلي عن التنظيمات الكردية في سوريا، يضع هذه التنظيمات أمام ضرورة إعادة تقويم مراهناتها على دعم واشنطن والدول الغربية في انشاء الفدرالية في سوريا. لكنه يضعها أمام إعادة تقويم عمق الأزمة الفكرية والسياسية، في المراهنة على مقولات الديمقراطية الليبرالية الجديدة الداعية إلى تفتيت الدولة في إنشاء كيانات عرقية واثنية وطائفية.

الأهداف الأميركية المتوخاة من انعقاد "مؤتمر وارسو"، تتراجع عن مساعي بناء حلف دولي ضد إيران إلى مجرد لقاء بين حلفاء واشنطن تظهر فيه جبهة التحالف الإسرائيلي ــ الخليجي من السرّ إلى العلن. لكن نتائج لقاء وارسو تكشف تقهقر القدرة الأميركية في بناء الأحلاف وعجز حلفائها عن إعاقة القوة الصاعدة لمحور المقاومة.

اللافت أن تبجح الرئيس ترامب بتحقيق "انجازات" في مجال السياسة الخارجية لا يتسق مع شرائح واسعة من قيادات حزبه الجمهوري، وبخلاف لهجته التوفيقية مع الحزب الديموقراطي؛ إلا انه أسهم بالاضاءة على مدى الانقسامات السائدة في البلاد ومنذ تسلمه مهامه الرئاسية.

ثورات حركات التحرر التي أفلت قبل 40 عاماً ضاع تراثها الثوري في مهب الانتقال من المشاريع الكبرى والطموح لتغيير أسباب الظلم والعبودية، إلى الغرق في البحث عن إدارة الأزمات أملاً بتخفيف مصائبها وليس حلّها. لكن الثورة الإيرانية التي نهضت عكس تيار الأفول، تدحض في عيدها الـ 40 الاعتقاد الشائع بأن الثورة تأكل أبناءها.

خلال ولاية الرئيس اوباما الثانية، سعت واشنطن طمأنة دول أميركا اللاتينية والمنضوية تحت إطار "منظمة الدول الأميركية"، بفتح صفحة جديدة تجسدت في "الانفتاح" المرحلي نحو كوبا. وأكد وزير الخارجية الأسبق، جون كيري، توجهات بلاده مخاطباً مندوبي تلك المنظمة، تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، بالقول "لقد ولّى عصر مبدأ مونرو".

ما يرشح عن رغبة ترامب وصقور إدارته بأن تكون فنزويلا مقدمة للسيطرة على أميركا اللاتينية، لا تعوزه تصريحات ترامب وتسريبات بعض المسؤولين الأميركيين، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال". لكن مراهنة ترامب على حلفائه لتحقيق طموحاته بسبب تهدور القوّة الأميركية، تتجاوز قدرتهم على تغيير المعادلات اللاتينية والدولية لمصلحة واشنطن ولا يتطوّعون لحرب طاحنة من أجلها.

المخططات الأميركية "لغزو" فنزويلا تعود إلى عام 1998 بعد فوز الرئيس الراحل هوغو شافيز، وتتالت فيما بعد. أما الاعداد لمحاولة الانقلاب الراهنة فتؤكده يومية وول ستريت جورنال بأنه جرى على قدم وساق منذ شهرين، ترأسه نائب الرئيس مايك بينس.

مساعي بولتون وبومبيو للانقلاب على الرئيس نيكولاس مادورو وتنصيب خوان غويدو رئيساً، تراهن على أن تقوم "منظمة الدول الأميركية" كما قامت دول الجامعة العربية في تحمّل أعباء التدخل العسكري للغزو الخارجي وتفجير البلاد. لكن صمود الجيش الفنزويلي في دفاعه عن الرئيس وسيادة الدستور أفشل بموازاة انقسام منظمة الدول الأميركية مغامرة أميركا في مهدها، ما يؤدي إلى انعكاسات سلبية محتملة على إدارة ترامب التي تتخلّص من فشل في الشرق الأوسط لتقع بمثله في أميركا اللاتينية.

في العدوان على بعض نقاط الدفاع الجوّي في سوريا، تحاول "إسرائيل" تثبيت ما تسميه "حرية العمل" بذريعة مواجهة التهديد الإيراني في العودة إلى ما قبل إسقاط الطائرة الروسية. لكن المحاولات الإسرائيلية تستهدف فرض أمر واقع على ترامب، بأنها القوة الضاربة "لحلف وارسو" في حرب مزعومة ضد إيران. وهو ما يتجاوز قدرات ترامب والحلف مقابل قدرات موسكو وطهران في التفاهم الاستراتيجي على إجهاضه.

استراتيجيو واشنطن لا يعولون كثيراً على تداعيات ذاك التقرير أو صلاحية ما ورد فيه في ظروف العام الماضي، بل تتهيأ الصناعات الحربية الأميركية لزيادة مبيعاتها للاوروبيين وآخرين بتشجيع ورعاية تامة من الادارة الأميركية، مما ينفي حقيقة التهديدات بالانسحاب.

العشائر أيضاً كانت بضاعة أنقرة لمواجهة الكرد، عملت أنقرة على استفزاز الهويات القبلية  لدى العشائر في الشمال ، لاستدعاء التدخّل التركي وتحرير مناطقهم من سيطرة القوات الكردية.

المزيد