تحليل

أكثر ما يُبرّر القلق التركي من عفرين هي بيانات صدرت عام 2016. دعونا نعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً ولنتذكّر بيانات صدرت عام 2016 أثناء تقدّم التركي إلى جرابلس. حاولت تركيا أن تدخل إلى تل رفعت، حيناً نقل الإعلام الحربي بيانات كانت تُختَم بإسم المقاومة السورية في الشمال لمواجهة الاحتلال التركي.

احتفلت الحضارات البشرية المتعددة بمواسم الحصاد السنوية وتشابهت طقوسها عبر التاريخ إيذاناً بتجدد دورة الحياة. احتفالات مشابهة في القارة الشمالية من أميركا تجري وفق أجندة سياسية ترتبط بسردية متشابهة ومتباعدة زمنياً، بين أميركا وكندا، تخص ظروف الاستيلاء على أرض الغير وإبادة الأصل، وفرض هوية الغزاة الجدد، فالتاريخ يكتبه الطرف المنتصر.

ربما من أكثر العقد التي لم تفككها سوتشي هي إدلب والكرد. وإذا كان لقاء الرئيسين الأسد وبوتين قد وضع جدول نقاش القمة الثلاثية التركية ــ الإيرانية ــ الروسية في سوتشي، إلا أن الباب بقي مفتوحاً على أسئلة تنتظر أجوبة تركية.

في أوج التصعيد السعودي لإدراج تهمة الإرهاب على حزب الله في الجامعة العربية، ينبري السيد حسن نصرالله إلى الوقوف شامخاً على صدارة الأمجاد العربية التي تتسم بأبعاد إنسانية عادلة. مستخفاً في تزييف شبه العروبة البدائية بالظلم والانحطاط وراء ترامب ونتانياهو. لكنه يشير إلى السعودية بوقف إبادة أطفال العرب من باب أخوي أو ديني أو إنساني قبل أن تصيب حكامها رصاصة الرحمة.

إعلان تحرير مدينة البوكمال شرق سوريا قبل عشرة أيام تقريباً، شكّل نقطة تحول من مفاصل الحرب السورية، لكن "داعش" سرعان ما أعلن عن هجوم معاكس أدى إلى سقوطها مجدداً. استعادة داعش للبوكمال أثارت موجة من التساؤلات عن حجم هذه المعركة وعن ظروف عودة داعش إليها. المرصد السوري المعارض يعلن من جهته إستعاة السيطرة لداعش على البوكمال، وشاركت في هذا الخبر وسائل الإعلام المعارضة للجيش السوري و حلفائه. و لكن أين هي الحقيقة؟ وكيف استعاد داعش البوكمال في ساعات قليلة؟ وهل استعادها فعلاً؟ وهل تحررت فعلاً؟.

بات من شبه اليقين أن التصعيد السعودي في قرع طبول الحرب على لبنان والمقاومة وإيران، كان مراهنة على تمهيد الطريق أمام عدوان إسرائيلي كبير بدعم من الرئيس الأميركي، لكن ظروفاً وأطرافاً كثيرة حالت دون أن تتمكن السعودية وإسرائيل في الذهاب إلى الحرب، أبرزها الدور الحاسم للمقاومة في خطابها السياسي وفي قدرتها الميدانية على رد الصاع صاعين.

توصيف ما جرى بأنه "انقلاب" في رأس السلطة وبنيتها التقليدية أضحى مسلماَ به، لا سيما وأن المتضررين هم كبار الأمراء والأثرياء والإعلاميين والأجهزة العسكرية والأمنية، أعمدة النفوذ السعودي لحين ليلة السكاكين. فابن سلمان ركز مفاصل القوة العسكرية بين يديه وتهميش البنى الأخرى من "حرس وطني" ووزارة الداخلية والاستخبارات. من الطبيعي أن يلجأ الطرف المتضرر لاستعادة هيبته مما يمهد الأرضية الموضوعية لاصطفافات جديدة يجمعها العداء لإبن سلمان والقضاء عليه.

يمشي الرئيس السيسي عند الحد الفاصل بين الرضا والغضب السعودي، فهو يُعدّ جزءً من تحالف الرياض في مواجهة قطر، لكنه أبقى على مواقف مستقلة في ما يخص الحرب في سوريا، وهو يعيد الكرّة اليوم في لبنان بإعلانه إن مصر "لا تفكر في إتخاذ اجراءات ضد حزب الله".

التهديد السعودي على حافة إعلان الحرب، ضد لبنان واللبنانيين والمقاومة وضد اليمن وإيران، ربما يحلّق بعد برهة في الغيم بإعلان الحرب على روسيا والصين أيضاً. لكن ولي العهد السعودي الذي يتراءى له أنه يضرب بسيف ترامب ونتانياهو قد يجد أن الهروب السعودي إلى الأمام في توسيع التحريض المذهبي وفي زيادة العبث باستقرارالمنطقة، لا يضيف إلى تحالف واشنطن أكثر من مثقال ذرّة في معادلات موازين القوى.

عند كل منعطف يهز هيبة أميركا ونفوذها الكوني تتجدد الدعوات الداخلية لإعادة الروح لاستصدار قرار جديد من الكونغرس، أو تعديل القانون الراهن، يضفي شرعية على صلاحيات السلطة التنفيذية بشن حروب خارج حدود الولايات المتحدة، أينما ومتى شاءت، دون الحاجة للتوجه إلى الكونغرس أو طلب مخصصات مالية إضافية لتنفيذ المهام المطلوبة؛ فتلك متضمنة في القرار الراهن الصادر عام 2001.

بعد ألف بلفور وبلفور

المسعى البريطاني لاستيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين وتشريد الفلسطينيين من أرضهم، هو في سياق وراثة "الرجل المريض" وتقاسم بلدان المنطقة بين الإمبراطوريتين القديمتين الفرنسية والبريطانية. لكن الإمبراطورية الأميركية وريثة "القارة العجوز" تسعى إلى عصرنة ما تقادم من صياغات أجدادها.

تقييم التواجد العسكري الأميركي ليس عسيراً، بل يتضح من خلال الوثائق الأميركية عينها أن "التواجد المباشر ساهم في تأجيج السكان المحليين وأصبح حافزاً لتجنيد المقاتلين" للانطلاق والعمل في الرقعة الواسعة من الغرب الإفريقي.

لا تحتمل رؤية محمد بن سلمان أي أوزار إيديولوجية أو قومية. خطة "2030" التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي تمرّ عبر وصفات صُنعت خارج المملكة. الرؤية التي أُغدقت عليها مليارات الدولات تتخفَف لزاماً من حمل الدين والعداء لإسرائيل. لا بدّ إذاً من تنحية الوهابية والتأسيس لبنية تحتية تتسع لإسرائيل. هنا يتداخل الاقتصاد مع السياسة ويتجلى في مشروع "نيوم".

ازدحام في أجندة الحراك السياسي في سوريا والذي يستعجل حسم المعارك على كثير من الجبهات السورية.. فالسعودية تستعجل الذهاب إلى تجديد هيكلية الهيئة العليا للتفاوض للحد من الخسارات، وروسيا أيضاً تستعجل في استكمال المصالحات بين مختلف المكونات في حميميم.

الصورة المستقبلية التقريبية لخريطة سوريا والمنطقة، ترتسم ملامحها الأولية بمقدار اقتراب نهاية "داعش" في سوريا والعراق. فبين روسيا والإدارة الأميركية في هذا الشأن تصورات متباينة الرؤى والطموحات لكنها متقاطعة في بعض الجوانب. فأين تتباين وأين تتقاطع؟