ترامب باقٍ والعزل يسقط بالتصويت ضده في مجلس الشيوخ

من الثابت أن الرئيس ترامب وأعوانه المؤيدين سيعكفون على قراءة التقرير بالتفصيل واستغلال "ما لم يصرّح به" مُعدّه هورويتز لاستهداف خصومه الديمقراطيين، ورئيسة مجلس النواب تدرك ذلك مليّاً.

  • ترامب باقٍ والعزل يسقط بالتصويت ضده في مجلس الشيوخ

 

 

​الراصد للمشادات والاصطفافات السياسية في واشنطن، في الآونة الأخيرة، يذهب إلى نتيجة مفادها تشبث الحزبين بموقفهما واستمرار التصادم بينهما، وتسديد أكبر قدر ممكن من الإهانة وتسجيل النقاط ضد الخصم. بيد أن القراءة الفاحصة والعملية لطبيعة عمل المؤسسة الحاكمة، بامتداداتها الثنائية الحزبية، تشير إلى قدر أعلى من الاتفاق بينهما، على قاعدة صون النظام السياسي وتقاسم السلطة بالتفاهم.

في أوج الجدل الصاخب والانقسامات الحادة التي واكبت جلسات الإعداد لتقديم لائحة اتهام ضد الرئيس ترامب، في الأيام القليلة الماضية، واصل قادة الحزبين العمل على تنفيذ المهام المطلوبة، ولا سيما مشاريع القوانين المتعددة المطلوبة، وفي السياق عينه الاستمرار في البحث عن مخارج وحلول لما قد يترتب على إجراءات محاكمة الرئيس في مجلس الشيوخ.

واتفق الطرفان في مجلس النواب على "المصادقة "على مشروع موازنة الدفاع للعام المقبل من دون ضجيج، مطلع الأسبوع الحالي، قيمتها 738 مليار دولار، شملت بنداً صريحاً بحق الرئيس تحويل مبالغ يراها ضرورية لتمويل جداره العازل مع المكسيك، إضافة إلى "ميزانية طوارئ" بلغت 5 مليارات. نتيجة التصويت كانت 377 صوتاً مقابل 48، توزعت 188 للديمقراطيين و 189 للجمهوريين.

تلك السردية نراها ضرورية لسبر أغوار تفاهم أشد وطأة وخطورة توصل إليه قادة الحزبين يتعلق بمخرج مناسب لإجراءات المحاكمة، استثنت الرئيس ترامب على الأرجح، كما يتردد في الغرف المغلقة.

الاتفاق يستند إلى خيارين يؤديان إلى نتيجة واحدة: عدم المس بالرئيس ترامب أو المنصب الرئاسي. 

الخيار الأول والذي حظي بترحيب صريح من الحزبين كان باتجاه تقديم مجلس النواب توصية إلى نظيره مجلس الشيوخ بإصدار توبيخ رسمي للرئيس ترامب استناداً إلى لائحة الاتهام المقدمة، لا ينطوي على عقوبة محددة، من شأنه تفادي إحراج وانقسام جديد في صفوف الحزبين، على قاعدة كيفية مواجهة نبض القواعد الشعبية في الدوائر الانتخابية المعنية.

الخيار الثاني والأكثر حظاً تم تداوله بين رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، ورئيس مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل وزعيم الأغلبية الجمهورية النافذ السيناتور ليندسي غراهام، مفاده تقديم مجلس النواب لائحة اتهام لإجراء المحاكمة رسمياً لمجلس الشيوخ، يبادر الأخير للتصويت على بند يقتصر على التصويت على قبول تنفيذ اجراء المحاكمة من عدمه. وبما أن الأغلبية البسيطة هي لصالح الحزب الجمهوري، سيسقط التصويت على هذه الجزئية وينتهي الأمر، ويعود كل إلى موقعه.

ما عزّز الخيار السابق هو لجوء رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، جيري نادلر، في اللحظات الأخيرة من يوم الخميس 12 من كانون الأول/ديسمبر، إلى تأجيل التصويت على بند لائحة الاتهام لليوم التالي، وكان باستطاعته فعل ذلك كما وعد في بداية الجلسة.

أيضاً تصريح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في مسافة زمنية متقاربة مع نادلر بأنه لا يحبذ تعريض البلاد لجلسات محاكمة إضافية "ما أريده هو نهاية هذا الأمر".

المساعد الأيمن لرئيس مجلس الشيوخ، الجمهوري جون ثون، أبلغ يومية واشنطن بوست، في 11 من كانون الأول/ديسمبر، عن عدم استساغة قادة الحزب المضي في إجراءات "محاكمة مطوّلة" تعرّض البلاد لشأن لا طائل لها به.

 لك الترتيبات جاءت بالتزامن مع صدور تقرير في غاية الأهمية قام به المحقق العام لمكتب التحقيقات الفيدرالي – اف بي آي، مايكل هورويتز، حول تحقيقات الأف بي آي في الحملة الانتخابية للرئيس ترامب وآلية التنفيذ وملاحقة  مسؤولي الحملة، وهي المسألة التي ما فتئ ترامب يشير إليها بأنها تمت بصورة غير قانونية.

ومما جاء في التقرير أن مكتب التحقيقات "ارتكب أخطاء منهجية كبيرة وقام بإخفاء معلومات مهمة... ومضى في توسيع صلاحياته وتمديد قوسها باتجاه تحقيق غير مسبوق لمرشح رئاسي" والأهم ربما استنتاجه بأن مسؤولي مكتب التحقيقات قدموا بيانات خاطئة "في تسع مناسبات" لاستصدار قرار قضائي يخوّلهم الاستمرار في التحقيق، وكذبوا عمداً أمام القاضي الخاص بذلك.

تورط وكالة الاستخبارات المركزية، ومديرها السابق جون برينان، بالتجسس على حملة الرئيس ترامب الانتخابية ثبته الرئيس ترامب خلال تصريحات متعددة متباعدة. تقرير هورويتز لا يشمل التحقيق بالوكالة، لكنه يدل على ممارسة برينان ضغوطاً شديدة على مكتب التحقيقات الفيدرالي (إبّان رئاسة جيمس كومي) لوضع حملة ترامب تحت المراقبة، وعلى أن برينان "كذب سبع مرات" على الجهاز القضائي لإبقاء حملة التجسس فاعلة ضد حملة ترامب.

من الثابت أن الرئيس ترامب وأعوانه المؤيدين سيعكفون على قراءة التقرير بالتفصيل واستغلال "ما لم يصرّح به" مُعدّه هورويتز لاستهداف خصومه الديمقراطيين، ورئيسة مجلس النواب تدرك ذلك مليّاً.

تقلّص مطالب الديمقراطيين:

اختار الحزب الديمقراطي مساراً تصادمياً مع الرئيس ترامب منذ البداية وتحريض قواعده الانتخابية لدعم توجهه في المحكمة وإقصاء الرئيس.

اعتقد الحزب أن ما في جعبته من قضايا يكفي لاتهام الرئيس، بدءاً بتجديد إثارة المخاوف من روسيا وإلصاق التهم بتواطؤ ترامب مع موسكو بالتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية، متكئاً أيضاً على تقرير التحقيق المطوّل السابق للمحقق الخاص، روبرت موللر، وفريقه بهذا الشأن، ومن ثم إضافة مسألة عرضه للمنفعة المتبادلة مع نظيره الرئيس الأوكراني الجديد، فلاديمير زالينسكي.

وسارت جلسات التحقيق الأخيرة وفق تلك القواعد الثابتة باعتقاد الحزب، وفجأة غابت مسألة التورط مع روسيا تماماً عن المشهد، وبقيت أوكرانيا في اللائحة، أُضيف إليها في اللحظات الأخيرة اتهام ترامب بإعاقة عمل الكونغرس نتيجة رفضه الاستجابة لطلبات اللجان المتعددة وطلبها تقديم وثائق وشهادات لمسؤولين في البيت الأبيض.

عدد محدود من قادة الحزب الديمقراطي، على رأسهم نانسي بيلوسي، أدرك ما ينتظره من متاعب وأزمات في حال المضي إلى نهاية المسار، ولا سيما تعريض أبرز قادته ومسؤوليه للامتثال للمسائلة أمام مجلس الشيوخ. وأدلى الرئيس ترامب بدلوه منذ البداية بأنه كطرف له الحق في طلب مثول كل من المرشح الرئاسي جو بايدن ونجله، وربما الرئيس أوباما، والمدير السابق للاستخبارات المركزية جون برينان، وآخرون.

في ظل تلك الفرضية، استكمال إجراءات المحاكمة في مجلس الشيوخ، ولن يكون بوسع المجلس توجيه تهمة بعزل الرئيس لكون الأمر يتطلب 67 صوتاً من مجموع مئة عضو. وبحسبة بسيطة، سيربح الرئيس ترامب الجولة.

بل الأخطر تسليم الحزب الديمقراطي خصمه الجمهوري سلاحاً مميتاً باستجواب بايدن وآخرين، والمغامرة بالكشف عن تورط أعضاء ورسميين آخرين في مسألة أوكرانيا، وما ستتركه من انعكاسات على سير الانتخابات المقبلة. والرابح الوحيد هو الرئيس ترامب.

لتلك الأسباب مجتمعة، محاكمة الرئيس ترامب لن تمضي قدماً بسلاسة ونتائجها غير مضمونة، فضلاً عن الضرر الذي سيلحق بهيبة واشنطن على الصعيد العالمي في ظل اتفاق الحزبين بصورة مطلقة على ضرورة "توجيه بوصلة واشنطن لمواجهة روسيا والصين،" وتخصيص الموارد اللازمة لتلك الاستراتيجية طمعاً في ثني أي طرف دولي آخر عن مشاركة الولايات المتحدة هيمنتها الأحادية.