سوتشي حيث باتت الأزمة وراء سوريا والأسد

ربما من أكثر العقد التي لم تفككها سوتشي هي إدلب والكرد. وإذا كان لقاء الرئيسين الأسد وبوتين قد وضع جدول نقاش القمة الثلاثية التركية ــ الإيرانية ــ الروسية في سوتشي، إلا أن الباب بقي مفتوحاً على أسئلة تنتظر أجوبة تركية.

الباب بقي مفتوحاً على أسئلة تنتظر أجوبة تركية.

المباحثات في عنوانها العريض كانت حول العملية السياسية بعد تراجع الإرهاب بشكل كبير في سوريا مع استعادة البوكمال آخر معاقل "داعش" الأساسية. لكنها في مكان آخر وكما سربت مصادر مقربة، كان البحث في إمكانية  تسليم إدلب للجيش السوري والحلفاء من دون قتال خلال فترة زمنية سيتم الاتفاق عليها إذا لم تلتزم المجموعات المسلحة باتفاق خفض التصعيد لجهة وقف القتال، والسماح بإدخال المساعدات وفتح المعابر والممرات وكذلك نشر نقاط مراقبة تركية ــ روسية تم تحديدها بموجب اتفاق أستانة. لكن ربما تفجر هذه المجموعات الرهان عبر صراع طويل في ما بينها إذا ذهبت إلى النهاية  في التزامها، أو تنجح العملية السياسية إذا رأت أنها تحقق لها بعض المكاسب السياسية لكي تحسم أمرها أو أن يحسم من يمولها أمرها. في هذا الصدد سرب مصدر تركي أن اتفاقا سوريا ــ تركيا من المتوقع أن يكون قريبا بشأن إدلب كملحق لاتفاق أضنة في إطار جديد وتفاصيل أكثر دقة من شأنه أن يبعد الهواجس التركية بخصوص موقع الكرد في خاصرة الأناضول الجنوبية، كما يضمن للدولة السورية ألا تكون إدلب بؤرة توتر مستمرة يمكن أم تهدد العملية السياسية وتنزعها في الوقت نفسه كورقة ابتزاز تركية على طاولتها وفق اشتراط أنقرة في إشراك المكون التركماني والمعارضة السياسية والعسكرية المدعومة منها في السلطة.

وفي التسريبات أيضا تم الحديث عن نية أنقرة نقل مجموعات من النازحين السوريين عن أراضيها من مكونات عربية وتركمانية إلى مناطق خطوط التماس مع مناطق سيطرة الكرد لتكون حاجزاً بشرياً أمام تمدد الكرد وتوسع مشروعهم الفدرالي. وهو هاجس تركيا الأول بعد عدم التزام واشنطن بتعهداتها لإيقاف الدعم عنهم واستمرار تدفق السلاح الذي وصفه إردوغان "بالعمل العدواني السافر".

 

 هذه المساعي التركية لا تتجاوب معها سوريا. فدمشق لا تزال ترى الوجود العسكري التركي في الشمال بما يتعدى اتفاق أستانة، هو احتلال تطالب بإنهائه. دمشق رحبت بقرارات سوتشي الثلاثية التي تستكمل قمة الأسد ــ بوتين لمواصلة مكافحة الإرهاب وعقد مؤتمر للحوار الوطني وتشكيل لجنة لمناقشة مواد الدستور الحالي وإجراء انتخابات برلمانية لاحقاً.

أما العملية السياسية التي رسمت سوتشي ملامحها طالب بوتين لأجلها تنازلات من كل الأطراف بما فيها الحكومة السورية التي انقلبت كل موازين القوى على الأرض لصالحها، إلا أنه يسعى لتحصينها. فالمفاوضات بين كل المكونات والأطراف السورية فقط حول شكل النظام السياسي ودور المعارضة والدستور وحدهم برعاية الأمم المتحدة من دون أن تجاوز ميثاقها كما اشترطت دمشق.

الأحداث وإنجازات الميدان تجاوزت مؤتمر الرياض ونتائجه. لكن الرياض تبدو كأنها تستنسخ مرة أخرى هيئة للمعارضة السورية بعد انسحاب منصة القاهرة وامتناع موسكو عن الحضور. وفي سياق هذا المأزق تعود النبرة السعودية في بيان المؤتمر الختامي للمطالبة برحيل الأسد في بداية عملية الانتقال السياسي ورفض ما أسمته الدور الإيراني في زعزعة استقرار المنطقة، أملاً بتفخيخ المسار الذي أطلقته سوتشي. فالاتفاق بين الدول الثلاثة لم ينتظر انخراطا أمريكيا ولا دعما عربياً وهو يتجه إلى وضع خريطة طريق للحل السياسي في سوريا بحسب تصريحات بوتين "بأننا أمام إطلاق عملية سياسية حقيقية نحو اتفاق سلام" ولعل حجر الأساس لاتفاق السلام سيكون عبر مؤتمر وطني سوري يضم ممثلين عن دمشق والمعارضة في سوتشي حيث يمكن أن يشكل حافزا لعملية السلام في جنيف نهاية الشهر. فجنيف  لن تنعقد على الأرجح من دون وفد معارض موحد تقول هيئة  الرياض (السعودية)  بأنها ستسعى لتشكيله بعد استبعاد كل الشخصيات المقربة من قطر بذريعة أنها متشددة.

أما الكرد الذين ترفض أنقرة مشاركتهم في العملية السياسية وتعتبرهم تنظيما إرهابيا يهدد أمنها القومي، اختاروا التحالف مع واشنطن التي تحتل بفضلهم جزءاً من سوريا. وقد بنت عشر  قواعد عسكرية بينها مطارات للشحن العسكري. وهذا يعني أن القوات الكردية أصبحت جزءا من الخريطة العسكرية الأميركية المستمرة في المنطقة. وقد تكون مرهونة بنظرة دمشق وحلفائها إلى حل عوائق الاحتلال الأمريكي والكرد في التسوية المقبلة. 


التعليقات