هل يفجّر قرار ترامب أزمات انهيار أوروبا وأميركا؟

انسحاب ترامب من الاتفاق النووي يراهن على محاصرة إيران وإضعافها، تعويلاً على ولادة نقمة داخلية واضطرابات أمنية واسعة تؤدي للعودة إلى نظام الشاه. لكن هذه المراهنة التي تصيب الكثير من الدول بخسائر اقتصادية، من شأنها أن تفجّر أزمات وجودية في أوروبا؛ القارة العجوز، وتؤدي إلى إعادة أميركا للتقوقع على نفسها كما عاشت قبل الحرب العالمية الأولى.

انتقاد ترامب في الدول الأوروبية وبلدان العالم يلقى إجماعاً على وصفه بالرعونة والتهوّر (أ ف ب)

لا يؤيد ترامب في انسحابه من الاتفاق النووي سوى إسرائيل والسعودية والإمارات. فانتقاد ترامب في الدول الأوروبية وبلدان العالم يلقى إجماعاً على وصفه بالرعونة والتهوّر، ما حدا ببعض صقور المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ككونداليزا رايس إلى تنصيبه على رأس الحمقى الأميركيين والعالم.

معظم النقد في التصريحات والتحليلات والتعليقات الأوروبية، ركّز على أن الاتفاق يضمن مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية ويفسح المجال في التفاوض مع إيران بشأن الصواريخ الباليستية والنفوذ وما يسمى بزعزعة الاستقرار في المنطقة، فضلاً عن التفاوض بشأن التخصيب بعد العام 2025. ووراء التمسّك الأوروبي بنص الاتفاق من دون التخلّي عن أحلام ما يسمى "سدّ الثغرات"، محاولة أوروبية لتوسّع مصالح شركاتها مع إيران التي يقضي عليها انسحاب ترامب. وفق تهديد الشركات الأوروبية بالانسحاب من إيران خلال فترة تتراوح بين 90 و180 يوماً، كما أعلن وزير الخزانة الأميركية وكما يحذّر السفير الأميركي في ألمانيا ريتشارد غرينيل.

لكن ترامب لا يسعى إلى تهديد الشركات الأوروبية المتضررة من الانسحاب فحسب، بل يهدد وجود أوروبا كفضاء سياسي على الرغم من عدم خروجه عن الطاعة الأميركية، لكن ميزة وجوده هي المقاربة الخاصة بأوروبا التي تغطي المصالح التجارية الخاصة بمطوّلات إنسانية وأخلاقية لا بدّ منها للنكهة الأوروبية المميّزة. فترامب لم يكلف نفسه التشاور والبحث مع ماكرون الذي استعطفه، ولا مع صديقته تيريزا ماي أو أنجيلا ميركيل. إنما قرر بمعزل "عن حلفائه" بحسب الوصف الأوروبي، وفرض قراره المصاحب للعقوبات على الشركات والدول الأوروبية في حال عدم الانصياع للأمر والنهي.

ترامب لا يقيم أي اعتبار للوجود الأوروبي، كما ألغى اتفاقية المناخ واتفاقية التجارة الحرّة مع أوروبا وكندا، لكنه ربما يتطلّع أبعد من ذلك، كما تفوح عقليته في استذكار دور أميركا الذي أنقذ أوروبا في الحرب العالمية الثانية. ففي أثناء توبيخ الأوروبيين الذين اتهمهم بالمسؤولية عن عجز الميزان التجاري بين الطرفين، ألمح ترامب إلى تضحيات أميركا في مشروع ماريشال في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب الثانية. وكاد أن يصرّح بما يُضمر في أن أوروبا لا تعيش أسبوعاً واحداً من دون الحماية الأميركية، بحسب قوله لدول الخليج.

ولا يبدو أن ترامب يتحامل على أوروبا بأكثر مما يتحامل عليها زعماؤها الذين قضوا على الإرث الأوروبي التاريخي في تبنّي النموذج الأميركي والثقافة الأميركية ومجمل السياسات الأميركية بحذافيرها. فهم ينهمكون الآن في فرنسا، على سبيل المثال، في إنقاذ استثمار شركة "توتال" في حقل الغاز البحري في إيران، ولا يحلمون بإنقاذ اتفاقية "أيرباص" أو شركات رينو وبيجو للسيارات. وفي ألمانيا يجري العمل على"إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاتفاق النووي"، بحسب تصريح وزير الخارجية هايكو ماس.

فيما تقدّم إيران لأوروبا فرصة تاريخية جديدة لاستعادة دورها السياسي المميّز عن أميركا. في هذا الصدد يعلن الرئيس روحاني أن إيران مستعدة لعدم الانسحاب من الاتفاق إذا قدمت لها أوروبا الضمانات التي وقعّت عليها الدول والاتحاد الأوروبي في المفاوضات التي تضمن المصالح الإيرانية في معادلة "رابح رابح"، وفق تعبير محمد جواد ظريف.

ترامب في انسحابه من الاتفاق النووي، يسحب أميركا من مؤسسة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي فاوضت ووقعت وأشرفت على الاتفاق. فهو يسحب أميركا من المنظومة التي أرستها الولايات المتحدة لكي يرسو الوجود والدور الأميركي في السيطرة على العالم. وربما لا يزال ترامب يحمل في جيناته ما نشأت عليه أميركا حتى الحرب العالمية الثانية من انعزال عن الحضارة البشرية. فيتخيّل النيل من إيران في العقوبات القاسية على الاقتصاد الإيراني وعلى الدول التي تتعامل مع إيران.

لكن على الرغم من تداعيات العقوبات القاسية على إيران والدول الأخرى، ربما تكون الضارة نافعة، تدفع إلى الاتجاه شرقاً وإلى تعزيز التعاون المتبادل مع المنطقة ودول الجنوب. فمعظم هذه الدول كانت مزدهرة قبل أن يصبح النموذج الأميركي في عملته وبضائعه وصادراته، مرجعية عالمية. ولعل انسحاب أميركا إلى قوقعتها يسهّل البحث عن بديل أكثر إنسانية وجدوى وأخلاقية، وعلى نفسها تجني براقش.


التعليقات