بشأن عدم جهوزيّة الجيش الإسرائيلي للحربِ!.. تقريرُ "بريك"نموذجاً

توازن الردع على أهميّته ليس وحده مصدر القلق الذي يجتاح الإسرائيليين هذه الأيام، إذ ثمّة مصدر آخر داخلي للقلق يعصف (بإسرائيل) منذ أكثر من شهرين على خلفيّة ناقوس الخطر الذي دقّه مفوّض شكاوى الجنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، اللواء احتياط إسحاق بريك، والذي أصدر تقريراً رسمياً بقيت تفاصيله سرّية، حذّر فيه، بحسب ما سُرِّب منه، من عدم جهوزية الجيش الإسرائيلي للحربِ، ولا سيما ذراع البرّ فيه.

الطريق لا تزال طويلة كي تصبح القوات البرية الجيش الإسرائيلي جاهزة للحرب المقبلة

في الوقتِ الذي قرأ فيه مسؤولون ومُعلّقون في العالمِ العربي قرعاً لطبول الحرب في مواقف المسؤولين الإسرائيليين الأخيرة، كانوا في (إسرائيل) يقرعون أجراس القلق من عدم جهوزية جيش الاحتلال الإسرائيلي للحربِ، التي يُفترض، بحسبِ البعضِ، أن (إسرائيل) ستبادر إليها، وهو افتراض ليس له أرضيّة خصبة داخل أروقة صنَّاع القرار في (إسرائيل) لاعتباراتٍ عديدةٍ أهمها توازن الردع القائم حالياً بين محور المقاومة والعدو الإسرائيلي.

توازن الردع على أهميّته ليس وحده مصدر القلق الذي يجتاح الإسرائيليين هذه الأيام، إذ ثمّة مصدر آخر داخلي للقلق يعصف (بإسرائيل) منذ أكثر من شهرين على خلفيّة ناقوس الخطر الذي دقّه مفوّض شكاوى الجنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، اللواء احتياط إسحاق بريك، والذي أصدر تقريراً رسمياً بقيت تفاصيله سرّية، حذّر فيه، بحسب ما سُرِّب منه، من  عدم جهوزية الجيش الإسرائيلي للحربِ، ولا سيما ذراع البرّ فيه.  

تقرير بريك أثار سِجالاً واسِعاَ في (إسرائيل) لكونه يمسّ العَصَب الأكثر حساسيّة في المؤسّسةِ الرسميةِ والمجتمعِ الإسرائيليين، ويهزّ ثقة الإسرائيليين بجيشهم وبقدرته ليس على تحقيقِ الانتصارِ والحَسْمِ في المعركةِ المُقبلةِ فحسب، بل في توفيرِ الحمايةِ والأمنِ للجبهةِ الداخليةِ المدنيةِ والعسكريةِ والمؤسّساتيةِ على حدٍّ سواء.

اللواء بريك ليس أول مَن دقَّ ناقوسَ الخطرِ بشأنِ عدم جهوزيّة الجيش الإسرائيلي للحربِ المُقبلةِ، ولا سيما مع حزبِ الله.  

مراقبُ المؤسّسةِ الأمنيةِ السابقِ العقيد احتياط حاغاي إيرز، واللجنة الفرعية لبناءِ القوّةِ في لجنةِ الخارجيةِ والأمنِ برئاسةِ عضو الكنيست عوفر شيلح، أصدرا السنة الماضية تقارير أشارت إلى ثغراتٍ كبيرةِ (خاصة في القسمِ السرّي من التقريرِ- كما قال شيلح للقناةِ العاشرةِ 05-09-2018) في جهوزيّةِ الجيشِ خاصةً في سلاحِ البر، وهو ما دفعَ شيلح للقول "إن الطريقَ لا تزالُ طويلةً كي يصبح الجيش الإسرائيلي جاهزاً للحربِ، وأن خطّةَ 2030 التي طرحها رئيسُ الحكومةِ نتنياهو ليس فيها أيّ بندٍ عن جهوزيّةِ سلاحِ البرِ وهذا مقلق جداً، وإذا استمرينا هكذا سنُنفق المال ولن يكون لدينا أمن". (القناة العاشرة 05-09-2018)

مع ذلك، اكتسى تقرير بريك أهميةً مُضاعَفة لاعتباراتٍ تتعلّقُ بهويّةِ مُعدّ التقرير، وتوقيته ومضمونه، وما يترتّبُ على هذه الاعتبارات من مفاعيل سلبيةٍ جداً من وجهة النظر الإسرائيلية. فمُعدّ التقرير، أي بريك، يتمتّع بهالةٍ في الأوساطِ الإسرائيليةِ المختلفة، وحتى أنه من الشخصيات العسكرية القليلة التي بقيت خارج الانتقاد والتشكيك، على خلفيّةِ تاريخه العسكري كأحد أهم خرِّيجي حرب تشرين 73، وهو يحمل وسام الجرأة بسبب مشاركته في تلك الحرب التي أُصيب فيها، حيث لا تزال تلك الجراح تكوي وعيه وتدفعه إلى رفع الصوت عالياً خشية تكرار  تجربة حرب تشرين القاسية جداً.

ومن هذا المنطلق، صدرت دعوات من عددٍ كبيرٍ من الوزراء وأعضاء الكنيست والخبراء والمُعلّقين، ومن الاتجاهات كافة، للتعامُل بجديّةٍ عاليةٍ مع تحذيراتِ بريك، التي وُصِفت بالمهنية والموضوعية.

وفي التوقيت، جاء صراخ بريك في وجه المؤسّسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في لحظةٍ حسّاسةٍ، ترتفع فيها وتيرة التهديدات والمخاطر، ما يفرض على جيش الاحتلال الإسرائيلي إقناع الداخل الإسرائيلي قبل الخارج، بجهوزيّته للحرب. وما زاد الطين بلّة في هذا المجال، استخدام الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله خلاصات بريك لإيقاظ الإسرائيليين وتحذيرهم من وَهْم القدرة والقوّة.

في المضمون، حذّر بريك من عيوبٍ أبرزها "غياب الشفافية في مراقبةِ الجيشِ الإسرائيلي، نقصٌ في مخازن الطوارئ للحرب، القوات البرية ليست متمرِّسة بما يكفي لحربٍ، تراجُع الحافزيّة للخدمةِ في الوحداتِ القتالية، هروب الأدمغة من الجيشِ الإسرائيلي، تأثير كل ذلك على جاهزيّة الجيش الإسرائيلي للحربِ" (القناة العاشرة –26/09/2018) .

هذه العيوب تتناقض مع التقرير السنوي الذي رفعه رئيس الأركان غادي آيزنكوت، إلى المجلسِ الوزاري المُصغَّر الشهر الماضي، والذي أعلن فيه جاهزيّة الجيش الإسرائيلي لتنفيذ أيّة مهمّة يُكلّف بها. هذا التناقض بين تقرير بريك  "المهني"، وبين إعلان آيزنكوت " الوظيفي" هو الذي أشعل السِجال ورَفَعَ منسوب القلق داخل (إسرائيل).

لكن ماذا يعني تقرير بريك في كل ما له علاقة باحتمالات مبادرة (إسرائيل) إلى حربٍ أو عمليةٍ عدوانيةٍ واسعةٍ ضدّ حزب الله في لبنان، أو قطاع غزّة؟ الجواب على هذا السؤال يمكن استخلاصه من قول آيزنكوت إنه "في نهاية المطاف، النصر في حربٍ سيتحقّق فقط من خلال مناورة للقوات البرية تحتل الأرض وتهزم العدو" (القناة العاشرة –26/09/2018). المناورة البرية التي يتحدّث عنها آيزنكوت لتحقيقِ النصر، تتطلّب في حدّها الأدنى جهوزيّة ذراع البر لذلك، وهي جهوزية يسود اتفاق واسع في (إسرائيل) أنها غير مُتحقّقة، وهذا ما يؤكّده تقرير بريك وغيره.

وفي غياب القدرة على خوضِ مناورةٍ بريةٍ مضمونة النتائج، ترتفع أسهم العمليات العدوانية القائمة على القدرة التدميرية من خلال النيران الصاروخية البرية والجوية والبحرية. غير أن هذا الخيار دونه عقبتين رئيسيتين: الأولى، أن عمليات التدمير لا تجلب نصراً، ولا تحسم حرباً ولا تدفع تهديداً، والثانية هي فقدان (إسرائيل) لحصريّة  القدرة التدميرية، ما يفقدها التحكّم بتوازن الردع، ويُذيقها مرارة هذا الخيار الذي ستكون مُضطرّة لتجرّعه بعد أن بقيت في منأى عنه لعقودٍ خَلَت. فعدم القدرة على الحَسْمِ، وفُقدان حصريّة القدرة التدميرية، يُفسّران المراوحة الإسرائيلية في مربّعِ التهديدات، مراوحة قد يطول أمدها ما دامت موازين القوى الحالية على حالها.