من أين جاءت فكرة تقطيع أوصال خاشقجي؟

جمال خاشقحي لا يستحق أن يقتل أياً كانت مواقفه السلبية. الاغتيال في ذاته مرفوض، لأنه يعبر عن لغة الفوضى والتوحش. هي لغة التوحش الداعشية نفسها سواء أكان وراؤها سلطان أم مفت.

من المفارقات أن خاشقجي المطلع على خفايا مراحل سياسية حساسة في تاريخ السعودية قضى بطريقة وحشية شبيهة بأساليب داعش إذا صح التسريب (أ ف ب)

نجحت تركيا في تعويم خبر مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. منذ اختفائه في الثاني من الشهر الحالي حتى هذه الساعة لم تتوقف الصحافة الغربية ومعها جزء وازن من الإعلام العربي عن متابعة مستجدات القضية. طفت الأخبار السلبية الملتصقة بصورة السعودية وغطّت على ملايين الدولارات التي صرفت لترويج صورة وردية عن العهد الجديد. في شباط فبراير من العام الحالي وعشية زيارة ولي العهد السعودي إلى أميركا أظهر استطلاعاً لمعهد غالوب أن الرأي العام الأميركي ما زال ينظر بشكل سلبي تجاه المملكة بنسبة 55 في المئة. رغم محاولة تليين هذه النظرة تعود اليوم التغطية السلبية عن السعودية في الإعلام الأميركي مع مزيد من التسريبات والتفاصيل حول حادثة خاشقجي.

وسائل التواصل الاجتماعي زخّمت القضية وأظهرت حدود فعالية الجيش الإلكتروني السعودي الذي يُقال إن سعود القحطاني مستشار محمد بن سلمان هو من يديره. بدت الحسابات المدافعة عن السلطة كأنها وقعت في مستنقع بات من الصعب الفكاك منه. لا هي قادرة على تعويم قضية بديلة كمناورة إعلامية للتغطية على الحدث أو تعميته، ولا هي قادرة على الخروج من حالة الدفاع، ما جعلها تسهم مرغمة وبطريقة غير مباشرة في تعويم القضية إعلامياً.

التسريبات المتواترة وظفتها المصادر التركية بصورة بدت كأنها مدروسة، وغذّت بها نهم الصحافة إلى استقاء المعلومات، وحاجة الرأي العام إلى استجلاء جوانب القضية.

أين جمال؟ بقي السؤال طافياً في البداية ومعلّقاً على إجابات غير شافية وغير مؤكدة. قُتل أم خطف؟ لماذا؟ من؟ كيف؟

ليس من المبالغة القول إن ما قبل حادثة خاشقجي ليس كما بعدها. ينطبق ذلك على طموحات الأمير الشاب الذي وجد فيه والده الملك سلمان شبهاً بجده عبدالعزيز أو على صعيد سمعة المملكة التي تضع نفسها في موقع القيادة للعالم الإسلامي، السني تحديداً، في مواجهة الثقل الإسلامي لتركيا وارثة الخلافة العثمانية وموضع قلق الرياض الدائم.

صحيح أن عوامل عدة تضافرت في تعويم القضية سياسياً وإعلامياً. يمكن الإسهاب هنا في الحديث عن تصيّد أخطاء دونالد ترامب على أعتاب الانتخابات النصفية للكونجرس الأميركي من قبل منافسيه، كذلك المنافسة التقليدية والتاريخية بين السعودية وتركيا على النفوذ في المنطقة، كما عن علاقات خاشقجي المتشعبة بين الأوساط الإعلامية والسياسية وما حكي عن دور مرتقب كان يعتزم القيام به، إلا أن ما هو صحيح أيضاً أن الطابع الدرامي لتفاصيل الحادثة، وفق التسريبات، عزّزت الفضول إلى متابعة القصة التي تكتسب في واقعيتها الفجة والغريبة والأليمة بعداً هولييودياً.

آخر تجليات الأحداث الغريبة إعلان صحيفة يني شفق التركية الخميس عن مقتل الملازم بسلاح الجو السعودي مشعل سعد البستاني في حادث سير بالرياض. وبحسب الصحيفة فإن البستاني كان أحد السعوديين الـ15 الذين كانوا داخل القنصلية خلال وجود خاشقجي فيها.

المفارقة هنا أن بن سلمان كان يعتزم ضمن خطته الاقتصادية الاستثمار في قطاع السينما، وتقرر إنفاق نحو 10 مليارات دولار في هذا القطاع، وسبق أن التقى خلال زيارته للولايات المتحدة كبار منتجي هولييود لهذه الغاية.

لكنها ليست المفارقة الوحيدة في قضية سوف يكتب عنها الكثير. مشهدية التقطيع ولو من زاوية مخيالية تعود لتطفو مجدداً مع التسريبات التي نشرتها الصحافة التركية والغربية. هذه المرة منشار مدير الطب الشرعي بالأمن العام السعودي صلاح الطبيقي يحتل مكان سكين داعش. التسجيلات التي تقول صحيفة "يني شفق" إنها اطلعت عليها من الاستخبارات التركية تكشف أنّ خاشقجي تمّ تعذيبه بشكل أليم قبل أن يتم قتله، بحيث جرى تقطيع أصابعه قبل قطع رأسه.

لنتذكر الأفلام الترويجية التي صورتها داعش وأخواتها لعملياتها في قطع الرؤوس وحزّ الرقاب والحرق والإغراق ورمي الأجساد عن الجسور وعن المباني، والتفنن بأنواع التعذيب الوحشي الممنهج والمدروس والمعروف الغايات.

تلك المقاطع والأفلام التي صورت حينها بحرفية عالية كان الهدف منها تبرير تدخل "الكاوبوي" المنقذ إضافة إلى الترويع. ترويع برره في لحظة من اللحظات خاشقجي في إحدى تغريداته حينما قال إنه تكتيك عسكري نفسي فعّال.

من المفارقات أن الصحافي المطلع على خفايا مراحل سياسية حساسة في تاريخ السعودية قضى بطريقة وحشية شبيهة بأساليب داعش، إذا صح التسريب. حالة ليست فريدة في سجلّ الاختفاء القسري في المملكة، إذ سبق أن اختفى عبدالعزيز بن فهد في عهد بن سلمان بعد أن سعى في عهد والده الملك فهد إلى خطف وإخفاء ابن عمه الأمير سلطان بن تركي عام 2003 ونجح في ذلك.

المنشار حالياً هو عنوان المرحلة. منشار بات مقترناً بولي العهد السعودي على وسائل التواصل الاجتماعي وموازياً لسردية ما حدث داخل القنصلية في الإعلام الغربي.

المنشار أداة تستدعي تلقائياً صورة وحشية نمطية كرّسها الإعلام الغربي لسنوات عن المنطقة العربية. هذه المرة عادت الوحشية لتقترن بأفراد من العائلة المالكة في السعودية نتيجة حسابات خاطئة، بعدما ترافقت لسنوات مع سرديات جاهزة ومعلبة لحقائق الصراع والأزمات التي ألمت بالمنطقة. هذه المرة غاب القتل على أساس الهوية الطائفية ولا أحد يتحدث عن صراع مذهبي هو في حقيقته صراع استراتيجي على الخيارات، تم إلباسه عباءة مذهبية لخدمة التجييش والتحريض تارة باسم "الثورة" وأخرى تحت شعار "نصرة المذهب"، وثالثة باسم مواجهة "المد الفارسي المجوسي" وغيرها من الأسماء والعناوين التعبوية والوظيفية.

جمال خاشقحي لا يستحق أن يقتل أياً كانت مواقفه السلبية المشار إليها. الاغتيال في ذاته مرفوض، لأنه يعبر عن لغة الفوضى والتوحش. هي لغة التوحش الداعشية نفسها سواء أكان وراؤها سلطان أم مفت.

يعود المنشار بدل السكين عنوان المرحلة. تنشر تسريبات تؤكد مقتل خاشقجي. تنقل تفاصيل حول العملية عن مصادر استخبارية في وسائل إعلام أميركية وبريطانية وتركية وغيرها. المفارقة أن ترامب ظلّ لفترة طويلة من بداية القضية غير متأكد، يعتقد، وينتظر، في حادثة لم تتضح كل ملابساتها بعد وربما تبقى سراً مطوياً لفترة طويلة. أجهزة استخباراته لم تصرّح بعد.

في سوريا تعلم هذه الأجهزة بالأحداث قبل وقوعها! لنتذكر الأحداث الكيماوية المزعومة التي تلوح فقط كلما استدعت الحاجة أو قلّت الحيلة، أما في ما يتعلق بحادثة خاشقجي فتقف أجهزة استخبارات الدول "الديموقراطية" عاجزة صامتة بانتظار نهاية أسبوع أو نهاية ترتيبات.

منشار الطبيب الجنائي يطغى اليوم على الأحداث ويحتل عناوين الصحف ونشرت الأخبار. منشار يضاف إلى سيفين ونخلة يمثلان شعار السعودية برمزيته الواضحة بحسب ما يظهر في الرسوم الساخرة لكبريات الصحف الأميركية والبريطانية.