بين إردوغان وبن سلمان صراع مشاريع وليست ملابسات جريمة

ماذا يعني هذا؟ هل إردوغان ماض في كشف خيوط الجريمة لأسباب أخلاقية دون اعتبار لتداعيات ذلك على العلاقات التركية السعودية؟

حتى اللحظة رقبة محمد بن سلمان في يد إردوغان ولا ندري كيف سيتنصل منه ولي العهد السعودي

لم يكشف إردوغان الحقيقية التي يعرفها كاملة خلال خطابه اليوم الثلاثاء، لكنّه افتتح حلقة جديداً أكثر درامية من الحلقات السابقة في المسلسل التركي المرتبط بجريمة اغتيال جمال خاشقجي. بعبارة واحدة، نسف إردوغان الرواية السعودية الرسمية بكاملها، فخاشقجي لم يُقتل خطأ، بل "نمتلك أدلة قوية تثبت مقتل خاشقجي بشكل وحشي، وتثبت أن القتل كان متعمّداً ومعدّاً له".

وإذ مدح الملك سلمان بالمصداقية فإنه – أي إردوغان- دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق محايدة ومستقلة "ولا يشتبه في أي صلة لها بالجريمة". فليس من المقبول إلقاء المسؤولية على دبلوماسيين ورجال مخابرات وأمن. بل لا بدّ من محاسبة "الجناة من أسفل السلم لأعلاه".

ماذا يعني هذا؟ هل إردوغان ماض في كشف خيوط الجريمة لأسباب أخلاقية دون اعتبار لتداعيات ذلك على العلاقات التركية السعودية؟

قبل الإجابة على السؤال، دعونا نؤكد أن الأتراك أداروا – حتى اللحظة - ملف جريمة إسطنبول بحرفية عالية تنمّ عن هدوء أعصاب، وتركيز عالي المستوى. وقد تمكنوا من نقل القضية من الإطار الجنائي إلى أفق إنساني عبر المساهمة في خلال خلق رأي عام دولي يصرّ على كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.

باستراتيجيتهم هذه، تمكن الأتراك من الخروج من دائرة أزمة دبلوماسية محتملة بين البلدين، كانت ستفوز فيها الرياض حتماً لما تملكه من إمكانيات مالية قادرة على النيل من أردوغان ومن إدارته للحكم في بلاده.

كما من اللّباقة الإنسانية، ألا نشكك في البعد الأخلاقي لاندفاع الأتراك في كشف ملابسات الجريمة طالما لم يثبت لنا إلى الآن ما يشير إلى انتفاء هذا البعد لديهم، تبعاً لما كشفته صحيفة نيويورك تايمز أن الأمير خالد الفيصل مستشار الملك سلمان عرض على أردوغان خلال لقائه به، إنهاء حصار قطر وحزمة مساعدات مالية واستثمارات داخل تركيا مقابل طيّ ملف خاشقجي إلاّ أن الرئيس التركي "رفض العرض بطريقة غاضبة وقال إنها رشوة سياسية".

ويبقى في السياسة تفسير آخر لاندفاع الأتراك في كشف ملابسات القضية، ولا سيما بعد تلميح إردوغان إلى تورط جهات دولية أخرى في القضية.. نستذكر هنا أن الطائرتين اللّتين استعملتا في العملية، إحداها غادرت إلى القاهرة والثانية إلى دبي قبل أن تعود للرياض.

يقدّر الأتراك أن مستقبلاً قاتماً سيطبع العلاقات التركية السعودية في عهد محمد بن سلمان. فالرياض قد تتحول إلى عدو لأنقرة إذا ما وصل محمد بن سلمان إلى عرش المملكة مع استمرار تأثير ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد عليه. وإن التقارب السعودي المصري الإماراتي الإسرائيلي سيهدّد المصالح التركية في المنطقة.

لا ينسى إردوغان أن من أبرز المطالب أو شروط الاستسلام التي قُدمت لقطر من قبل بن زايد وبن سلمان مقابل فكّ الحصار عنها هو طرد القوات التركية وفسخ العقود العسكرية مع تركيا.

ويبدو إردوغان يأخذ بجدية التقارير التي أفادت بدور كبير للإمارات والسعوديين بالتلاعب بالليرة التركية حتى كادت جهودهما أن تقضي على ثمار نجاح اقتصادي أسّسه أردوغان وكسب شعبية جارفة بسببه منذ وصول حزبه للحكم عام 2002.

القناعة التركية – أقلّها عند قواعد الحزب الحاكم هي أن الإمارات ومصر والسعودية لعبت دوراً كبيراً في دعم الانقلاب العسكري والترويج له إعلامياً. كما في الدعم المالي الذي قدّمه السعوديون للمتمردين الأكراد في سوريا، حتى وصل الأمر بالوزير السعودي ثامر السبهان في تحدّ واضح للأتراك، بنشر صورة له إلى جانب ضابط أميركي في مناطق سيطرة الأكراد في الرّقة السورية العام الفائت.

يشعر الأتراك أن الفرصة اليوم مؤاتية لهم في تصفية الحسابات مع المحور المصري الإماراتي السعودي الذي أسقط الإخوان المسلمين في مصر، وحاصر قطر وكاد يجتاحها عسكرياً لولا التدخل الأميركي لمنع حصوله. وهم ماضون على ما يبدو في تأديب محمد بن سلمان وإفهامه أن اللعب مع الكبار ليس شبيهاً باللعب مع الإخوان المسلمين في اليمن. وان إغضاب تركيا وتهديد مصالحها ليس أمراً قد يتسامح معه الأتراك أبداً.

إردوغان الذي أرعب الأوروبيين حين فتح حدود بلاده مع الاتحاد الأوروبي أمام للاجئين السوريين وغيرهم للتدفق نحو أوروبا كرسالة تأديب للسّاسة الأوروبيين يعرف تماما كيف يحول ظاهرة "الطاووس السّلمانيّ" في عواصم الغرب إلى كابوس يخجل من ذكر صداقته أي مسؤول غربي بعد هندسة الإعلام الغربي صورة جديدة لمحمد بن سلمان حاملاً منشاراً بيد، ورأس جمال خاشقجي باليد الأخرى في لوحة كثيفة الرّمزية لصلة الوصل بين داعش وهذا الشاب القادم إلى الحكم بنهم شديد.

أمام هذه المعادلات، كان من الخفّة أن يتقدّم السعوديون بصفقة لطيّ ملف خاشقجي مقابل تخفيف الحصار عن قطر وضخ مليارات الدولارات في السوق التركي. فكيف لإردوغان أن يرضى بفخذ من البقرة إذا كان قادراً على نيلها بالكامل.

ما يريده إردوغان هو تفتيت المحور السعودي الإماراتي المصري أو إحداث شرخ كبير فيه من خلال تقليم أظافر بن سلمان عبر إقصائه عن الحكم أو إبعاده ما أمكن عن بن زايد والسيسي.

جردة الحساب التركية هذه لن تنتهي هنا. فحين يقترح إردوغان أن يُحاكم المتورطين في تركيا، يعني أن ما يطالب به هو رأس محمد بن سلمان والمشروع الذي يقوده في المنطقة.

حتى اللحظة، رقبة محمد بن سلمان في يد إردوغان. ولا ندري كيف سيتنصل منه بن سلمان الذي جاء بنفسه إلى المصيدة التي كانت تنتظره في وقت كان يظنّ نفسه اللاعب الوحيد القادر على الفوز!

وهكذا تستمر اللعبة..