ما هي مراهنة ترامب على المغامرة السعودية في شرقي الفرات؟

لا تبدو الخطة الأميركية لتحقيق توازن في الدعم بين الكرد والأتراك والتقريب بينهما، لخلق واقع جديد، بوجود كيان صديق لتركيا على حدودها، على غرار تجربة "كردستان العراق"، فالخلفية الأيديولوجية للوحدات الكردية وحزب العمال الكردستاني واحدة ولا يمكن فصلها. وهو ما تعرفه  تركيا جيداً، لذلك تبقى الخطط الأميركية رهينة القبول التركي، الذي لا يبدو أنه لا يتخلّى عن فكرة إنهاء وجود القوات الكردية داخل سوريا نهائياً.

ما هي مراهنة ترامب على المغامرة السعودية في شرقي الفرات؟

التفاهم الأميركي ــ الخليجي في الشمال السوري تجاوز الفرضيات بعد تعدد الزيارات لمسؤولين سعوديين وإماراتيين خلال عام. وما يرشح عن هذه الزيارات يشي بتحوّل التفاهم إلى قاعدة للبحث حول مستقبل الشمال والشرق السوريين وترتيب الوضع العسكري والاداري لمناطق الكرد، حسب ما تداولت وسائل إعلام كردية.

في هذا السياق يصل وفد خليجي رفيع المستوى إلى مدينة "عين العرب " بريف حلب الشمالي بحماية طائرات التحالف الدولي وبرفقة مسؤولين أميركيين لإجراء لقاءات مع قوات سوريا الديمقراطية. وفي هذا الشأن تذكر صحيفة واشنطن بوست الأميركية إلى أن واشنطن طلبت من دول خليجية، منها السعودية والإمارات، المساهمة بمليارات الدولارات لإعادة إعمار الشمال السوري، وإرسال قوات عسكرية، لتؤكد الرياض بحسب الصحيفة  بأنها ستفي بتعهداتها المالية وتحمل المسؤولية والالتزام الذي سبق وقدمته لحليفها الأميركي.

ولا تبدو واشنطن بانتظار تمويل خليجي  للاعمار أو لتغطية نفقات التحالف العسكرية فحسب، فهي تدفع للبدء بتنفيذ مخططها بتكريس وجود قوات عربية قد تكون حجر الأساس في قوات ناتو عربي تسعى إليه لملأ فراغ المناطق التي تتنزعها من داعش والامساك بالأرض إذا ما بدأت واشنطن بسحب قواتها مع اقتراب انتهاء مدة قرار التمديد لوجود القوات الأمريكية في سوريا. فالمراهمة وراء ذلك  هي مساعي تقويض النفوذ الإيراني في سوريا في أغلب الظن. لذلك تستعجل واشنطن الحسم العسكري مع داعش شرقا، لاحتواء التقدم العسكري الإيراني على الحدود السورية العراقية في الجنوب كما تقول.

وبحسب تسريبات صحفية زار فريق عسكري إماراتي وسعودي على طول الشريط الحدودي السوري التركي شمالاً، وصولاً إلى خطوط التماس مع داعش شرقاً للاطلاع على واقع المناطق وتحديد عدد ونوع القوات اللازمة فيها.

التسريبات تتكهّن بأن طلائع قوات عربية وخليجية بدأت بالوصول إلى مساندة الأميركيين في نقاط المراقبة على الحدود على امتداد شرق الفرات وصولاً إلى منبج بريف حلب الشمالي.

وعلى العكس مما كانت تنتظره أنقرة من واشنطن مع كل التصعيد والضغط على الرياض في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي للحصول على صفقة مناسبة في كثير من الملفات في المنطقة وأبرزها الملف الكردي، لا يملك إردوغان رفاهية التخلي عن سبع سنوات من التدخل في سوريا وإسقاط ورقة الشمال السوري من يده، التي قد تكون أهم أوراق المساومة التي لايزال قادراً على استخدامها في مواجهة كل من الأميركيين واللإيرانيين وحتى الروس من أجل المساومة على الملف الكردي الذي تعتبره تركيا هاجسها الأول. وهذا الهاجس يبدو أنه مرشح للاستمرار لوقت طويل ذريعة للابقاء على احتلال  حوالي 10 آلاف كم2 من الشمال السوري والسعي لقضم المزيد وربما إدلب، كما أشارت دراسة لمعهد دراسات الحرب الأميركي التي قارنت ما تقوم به أنقرة في الشمال السوري مع احتلالها السابق لشمال قبرص وهو ما يهدد بحسب الدراسة مصالح واشنطن والناتو.

وفي لحظة لم تتمكن فيها أنقرة من إقناع الأميركيين بالتوقف عن دعم الكرد، كان لابدّ من التعويض بمواصلة استخدام الساحة السورية للضغط على واشنطن ومواجهة المشروع الكردي منفردة، عبر 60 ألف عسكري تركي وعدد مماثل من الفصائل السورية التركمانية والعربية في فصائل درع الفرات وغصن الزيتون.

وعلمت الميادين أن واشنطن عرضت على الأتراك ضمانات من الكرد بقطع علاقاتهم نهائياً مع حزب العمال الكردستاني، والتخلي عن عبدالله أوجلان كرمز لهم، وإعطاء صلاحيات واسعة للعشائر العربية والشخصيات المدعومة من تركيا حضوراً واسعا، مقابل الدخول في مفاوضات، وإيقاف الخطة التركية الهادفة للهجوم على الأكراد في منبج وشرق الفرات، وأصدرت قراراً بمنح مكافأة كبيرة لمن يدلي بمعلومات عن مكان وجود أبرز ثلاث قيادات من حزب العمال. 

ولا تبدو الخطة الأميركية لتحقيق توازن في الدعم بين الكرد والأتراك والتقريب بينهما، لخلق واقع جديد، بوجود كيان صديق لتركيا على حدودها، على غرار تجربة "كردستان العراق"، فالخلفية الأيديولوجية للوحدات الكردية وحزب العمال الكردستاني واحدة ولا يمكن فصلها. وهو ما تعرفه  تركيا جيداً، لذلك تبقى الخطط الأميركية رهينة القبول التركي، الذي لا يبدو أنه لا يتخلّى عن فكرة إنهاء وجود القوات  الكردية داخل سوريا نهائياً.

عودة الحديث عن نشر قوات عربية في الشرق والشمال السوري تستعيد الطرح  الأميركي السابق باستدعاء قوات عربية تغطي تكاليفها الدول الخليجية التي تأمل الحد من تنامي النفوذين التركي والايراني، وأن تملأ إيران وتركيا الفراغ مكان القوات الأميركية حين تنسحب من سوريا.

ما هو محتمل بناءً على هذه المعطيات هو استنزاف جديد للأزمة السورية أو مستنقع جديد لدول الخليج بعد اليمن.