ما هي فلسفة حزب الله غير المسبوقة في مكافحة الفساد؟

التحوّل المفصلي في مساعي حزب الله لمكافحة الفساد، هو قرار بخوض معركة ثقيلة كانت مستعصية لما تثيره من تحريض مذهبي ضد المقاومة. لكن الحزب ينتهج في هذه المعركة فلسفة غير مسبوقة في مكافحة الفساد استناداً إلى تجربة المقاومة الخاصة بالحزب، ولما تحمله من قابلية التعميم أبعد من المنطقة العربية في العمل لتغيير المنظومة المتوحشة المسبّبة للفساد والإفساد.

السيد حسن نصر الله يعلن قرار الحزب بخوض المعركة لمكافحة الفساد والذهاب إلى أبعد الحدود
السيد حسن نصر الله يعلن قرار الحزب بخوض المعركة لمكافحة الفساد والذهاب إلى أبعد الحدود

السيد حسن نصر الله يعلن قرار الحزب بخوض المعركة لمكافحة الفساد، بالذهاب إلى أبعد الحدود. فخطابه في الذكرى الثلاثين لتأسيس هيئة دعم المقاومة تناول أسس مدرسة في هذه المعركة، تقوم على ركائز عملية منها أن الحزب لا يريد أن يكون وحده في هذه المعركة لكنه لا يخاف أن يبقى وحيداً في معركة وجودية "لا تقل شراسة عن معركة مقاومة الاحتلال". وفي هذا السبيل يضع الحزب وراء ظهره المراهنات على تسعير التحريض المذهبي والتهديدات بالحرب الأهلية التي أعاقت المواجهة في ظروف إقليمية شديدة الحساسية.

ما يبدأه الحزب في هذه المعركة، يصوّب على سرقة المال العام في ملفات قد يكشفها المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم في ملف الحسابات المالية، التي لا تتوقف على ملف واحد بمبلغ 11 مليار دولار. وإلى جانب ذلك يبدأ وزير الحزب في وزارة الصحّة جميل جبق حملة تطهير المستشفيات والقطاع الصحي من الفساد، أسفرت عن توقيف المدعي العام المالي مديرة مستشفى المنار للأمراض العقلية والنفسية سمر اللبان، ومدير العناية الطبية في وزارة الصحة جوزيف الحلو، ولا تزال الرحلة في بدايتها.

المطب الذي يمكن أن يعرقل مضي الحزب حتى النهاية في مواجهة سرقات الخزينة والمال العام التي تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات، هو أنه يستهدف معظم الطبقة السياسية من مسؤولين وكبار رجال الإدارة، وأن هذا الفساد بات عادة مألوفة مستمرة منذ عدة عقود، وهو في الغالب الأعم يتغطى بإجراءات ذات ذريعة "إصلاحية" تصعب ملاحقتها من دون فتح معركة "من أين لك هذا"؟.

ربما في هذا المضمار لا يستنفذ الحزب الذي يتعالى عن الانتقام السياسي، ثقله في الملفات المزمنة. لكنه من أجل طي الصفحة السابقة ووقف نزيف الجرح البالغ الخطورة، يخوض الحزب المعركة في بعض الملفات الهامة أمام القضاء تمهيداً لاستعادة ما يمكن استعادته من السرقات الكبرى إنما الأهم هو الإفادة من فتح الملفات لكشف مسارب القوانين الفاسدة وتغييرها، بحسب إشارة السيد حسن نصر الله في خطاب سابق.

الخرق الأعظم الذي يبدأه حزب الله في معركة مكافحة الفساد، هو انتهاجه فلسفة غير مسبوقة للخروج من الشرنقة التي تعيق مسار المعركة بشأن سؤال من أين نبدأ. فهل تكون البداية بتغيير نموذج النظام الاقتصادي ــ الاجتماعي، أم المحافظة على النظام مع العمل على تغيير قشرته الخارجية عبر تغيير الإجراءات والقوانين الفاسدة؟ فبحسب التجارب التاريخية وبحسب ما يتعمّم أكثر فأكثر راهناً في العالم وفي الدول الغربية العريقة نفسها، يبدو من الاستحالة التعويل على نجاح مكافحة الفساد من دون تغيير الأسس المولّدة للفساد في النظام السياسي وتغيير النموذج الاقتصادي السائد في الإنتاج وحرية التجارة والخوصصة والاستثمار في المرافق الطبيعية ... إلخ.

والمعضلة الكآداء هي أن النظام في كل بلد لم يعد شأناً داخلياً نتيجة ترابطه وتشابكه العنكبوتي بالمؤسسات المالية الدولية وبالمنظومة العالمية الفاسدة والمنتجة للفساد. وفي هذا الإطار يحقق حزب الله الخرق الأعظم استناداً إلى تجربة المقاومة. يقول السيد: "ما واجهناه في معركة المقاومة نواجهه هو ذاته في معركة الفساد". فالحزب لم ينتظر تغيير النظام في لبنان ليقوم بالمقاومة ولم ينصع أيضاً إلى أعراف وتوصيات ما يسمى المجتمع الدولي الجائرة. بل استند إلى القوى الشعبية وإلى قدرات ذاتية في إدارة وتخطيط معركة طويلة تتقدم بثبات نحو مشروع المقاومة وأهدافها. وفي هذا المنحى تسعى بعض القوى المناهضة لنموذج نظام التوحّش المؤسس للفساد المالي والانتاجي والاستهلاكي في العديد من البلدان العالمية، إلى تنظيم ما يمكن تنظيمه من الشؤون الحياتية في إداراتها المحلية عبر التوأمة والتبادل المتكافىء. وفي إعادة تثمين الحياة الطبيعية الصحية بمنأى عن براثن النموذج السياسي والاقتصادي الفاسد. فهي تنأى بنفسها عن الخيار بين نموذج الفساد الرسمي وبين ردود الفعل المؤدية إلى الفوضى القاتلة أو الشعبوية الفاشية الجديدة. فتنتهج الخيار الانساني الآخر بديلاً. ولا تكف عن إعلان الشعار منذ معركة سياتيل العام ألفين ضد فساد المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية وهو "لنفكّر برؤية شاملة ونتحرّك لتغيير موضعي بقوى ذاتية" في مسار الطموح إلى خيارات بديلة للنموذج الاقتصادي الفاسد والمؤسسات المالية، وللنموذج السياسي المسمى ديمقراطي في منابعه على غير مسمى. ولعل معركة حزب الله لمكافحة الفساد في لبنان تخدم معاركها. ولعل مقاومته تصل إليها نموذجاً ناجحاً في مكافحة فساد نظام التبعية، ومكافحة فساد النموذج الذي يصنّف مقاومة الاحتلال والفساد إرهاباً.