سهى صبّاغ

كاتبة لبنانية

موناليزا دافنشي عشيقة الحاكم، زوجة التّاجر، وقرينة ليوناردو دافنشي مدى الحياة، وما بعدها

تعود إلى حديث الصّحف والمهتمّين بالفن. هي شاغلة الدنيا منذ قرون. "الموناليزا" أو "الجوكوندا" لوحة الفنّان الإيطالي ليوناردو دافنشي 1452_1519. اقترن اسمها باسم الفنّان الذي رسمها، هذا الاقتران أو الزواج الرّوحي، الأبدي، تجاوز الخيارات والبروتوكولات، لنجد هذين الاسمين مُكمّلان لبعضهما.

لوحة الموناليزا

يّقال أن الموناليزا كانت زوجة تاجر القماش المعروف، فراشيسكو ديل جيوكوندو. جاء إلى دافنشي وطلب منه رسم زوجته؛ ورأي آخر يقول بأنّها كانت عشيقة الحاكم دو ميدتشي، وآخر يقول بأنّها سيّدة عاديّة، أمّا ما بقي في الواقع، هو اقتران اسمها باسم صانعها أو ربّما هي من صنعته، رغم أنها اللوحة الأخيرة التي رسمها..

 


"مونا فانا" الموناليزا العارية (الاكتشاف الحديث) هل هي نفسها "الموناليزا"؟   

العمل "مونا فانا"

منذ أيّام، خبراء فرنسيّون يُعلنون عن اكتشاف رسم مشغول بمادّة الفحم، وجد بين مجموعة أعمال فنيّة مختلفة، ومحفوظة منذ أكثر من 150 سنة.

يقول أمين متحف اللوفر في باريس " ماثيو ديلديك، وبعد الفحص والتّدقيق، أن العمل "مونا فانا" يُشبه بأسلوبه أسلوب محترف ليوناردو دافنشي (إشارة أن محترف الفنّان كان يضمّ أيضاً بعضاً من تلامذته). هذا العمل عبارة عن امرأة عارية، وقد رُسِم على كرتون يعود للقرن الـ 16، متزامناً مع الفترة التي رُسِمَت فيها الموناليزا، ويُعتقد أن يكون "سكاتش" أو دراسة للوحة الموناليزا نفسها، وفي الحجم نفسه تقريباً، وقد نُفّذت في الـ 1862 . حتى الآن، لا يزال البحث جارٍ للتأكّد من هويّة الفنّان صاحب الرّسمة، خاصّة، وأن هناك معضلة، فقد تبيّن أن خطوط التّظليل الخلفيّة، نُفّذت من قِبَل فنّان يرسم باليد اليمنى، بينما المعروف أن دافنشي كان يرسم باليد اليسرى. البحث جارٍ عن أسرار هذا الرسم، الذي لا زال في حالة جيّدة، كما أن صاحبة الرسم، تشبه بيديها ووجهها، الموناليزا بشكل كبير.


دافنشي يُنَظّف محترف فيروكيو ويتعلّم

الفنان ليوناردو دافنشي

ليوناردو دافنشي، وصِفَ بأنه من أعظم فنّاني عصر النّهضة. ولد في قريته فينشي القريبة من فلورنسا، والتي قصدها مع والده لاحقاً، حين أتمّ الرابعة عشرة من عمره، حيث نهضة البناء والانتعاش الاقتصادي، والتّنافس من قبل الطّبقة الثّريّة والنّبيلة في بناء القصور، وتزيينها بالديكورات والرسوم. من أكثر العائلات شهرة واهتماماً بالفنون، كانت عائلة "ميديتشي" العائلة الحاكمة وقتذاك، وقد ساهمت مساهمة كبيرة بالنّهضة الفنيّة.

اصطحب والد ليوناردو ابنه، إلى محترف الفنّان أندريا فيروكيو، وأبقاه عنده ليعمل ويتعلّم. في البداية، كان يهتمّ بالمحترف ويُنظّفه ويُلبّي طلبات الفنّانين الذين يرتادون المحترف. لاحقاً بدأ يمزج الألوان للفنّانين الذين يعملون على جداريّات ضخمة. كان يُراقب ويُسجّل ويتعلّم، كذلك هو مستمع جيّد لكل الأحاديث التي تمرّ على مسمعه، من قبل الفنّانين والنقّاد. يتكلّمون عن علم المنظور ولعبة الضّوء ودراسته، وتشريح جسم الإنسان، فبدأ يُدهش معلّمه فيروكيو الذي  أمضى في محترفه 12 عاماً، ينهل منه.


ليوناردو يقضي الليالي في المقابر

بقدر الاضطلاع والمعرفة والثّقافة العميقة، بقدر ما يكون الفنّان مبدعاً وخلاّقاً. درس دافنشي جسم الإنسان، وقضى الليالي الطّويلة في المقابر، يُشرّح الجثث على ضوء الشّموع، ويدرس الأعضاء، والعضلات، والعظام من كل جوانبها، في وقت كان التّشريح محرّماً، وجريمة يُعاقب عليها القانون والكنيسة. ترك آلاف من الصور التوضيحيّة، التي بقيت مختفية لما يزيد عن قرنين من الزّمن، ولم تنتشر إلا في القرن الثّامن عشر، ولو نُشِرَت في وقتها، لكان دافنشي مؤسّس لعلم التّشريح الحديث. كان يُحاول أن يُلِمّ بمختلف أنواع العلوم. هدفه المعرفة التي ستكون بخدمة الفن. كان دافنشي عبقرياً بشكل فريد، مهتمّاً بالفلسفة، وعلم الرياضيّات، وكان مهندساً معماريّاً، وباحثاً، وحاول الرّبط بين تشريح جسم الإنسان وفنّ العمارة.


سُرِقَت الجوكوندا لمدّة سنتين

بالعودة إلى الموناليزا، التي أثارت أكبر جدل حولها في العالم وعلى مرّ العصور، لوحة صغيرة (77/53سم) من حيث الحجم، بالمقارنة مع أعمال فنيّة كبيرة وعظيمة. كنّا لنقول بأنّها الأغلى في العالم، لولا أنّها خرجت عن التصنيف المادي، وما أدراك ما تعطيه من مدخول، إلى فرنسا ومتحف اللوفر مكان تواجدها، بسبب العدد الكبير من الزوّار والسيّاح القاصدين مشاهدتها والبقاء طويلاً أمامها متأمّلين، وما تعطيه من قيمة إنسانيّة، واعتزاز للبلد الذي يحضنها. إنّها قيمة وطنيّة بامتياز.

سُرِقَت الجوكوندا في العام 1911 واختفت لمدّة سنتين، لتعود إلى اللوفر، داخل عازل زجاجي مضاد للرصاص وتدبيرات أمنية أخرى. سؤال يُطرح: هل عادت اللوحة الأصليّة إلى متحف اللوفر، أم هي لوحة مزوّرة؟ أتركه سؤالاً مفتوحاً. إلى هذا القدر يتمّ التّعامل مع العمل الفنّي في البلاد المتحضّرة، وبالمقابل فالفن، يدرّ أرباحاً رهيبة على البلد الغني بالمتاحف والأعمال الفنيّة، بعيداً عن البترول والذّهب والمياه وغيرها من كنوز طبيعيّة، ويلعب دوراً كبيراً في اقتصاد البلد؛ أمّا في بلادنا نمتلك حكّاماً، حدّث ولا حرج، ولا يتّسع المكان هنا، للكلام عن "مآثرهم" المستهترة بالفن وأهله.


تضحك وتحزن وهنا مكمن السّر

شغلت العالم، في سرّ ابتسامتها، من جهّة، ومن جهّة أخرى تنظر إليها فتجدها حزينة. لوحة كُتِب عنها آلاف المواضيع وأنتِجَت الأفلام، وقيل بأن خلف ملامحها تكمن ملامح راسمها. هم بالطّبع لم يفشوا بسر، فما من فنّان مبدع، إلا واحتوت أعماله على جزء من روحه وملامحه.

حتى الفن الحديث لم تنجو منه الموناليزا، فٌقلِّدت رسمتها، ورسمها أحدهم بصدر عارم، كأنها قامت بعمليّة سيليكون، وآخر رسمها عارية، ولم تنجُ من جنون الفنّان السّريالي الشّهير "سيلفادور دالي" الذي رسمها وقد نبت لها شاربين كشاربيه الشهيرين.


الملهمة، والمشحون عاطفة

في النّهاية وبالعودة إلى "مونا فانا"، الرسم المكتشف حديثاً، لننتظر نتيجة فحص ودراسة الخبراء، كي نتأكد إن كانت هي نفسها دراسة للوحة الموناليزا، مع الأخذ بعين الاعتبار، إلى الحملات الدّعائيّة لبعض الأعمال الفنيّة، التي يُرَوَّج لها لإثارة الاهتمام، وشد نظر الجمهور إليها، بينما هناك الكثير من الأعمال القيّمة، لا يؤتى على ذكرها، ومنها ما طواه الدّهر خاصّة في بلادنا العربيّة.

وبقيت الموناليزا وبقي هناك من يبحث عن سرّها، بينما السّر برأينا هو، أنها الملهمة، ودافنشي رسمها بما أوتي من موهبة، وشحن عاطفي أبقاه على قيد الحياة وأبقاها، وأي تحليل آخر هو تعبئة ورق لا أكثر.