قادمٌ من حيفا

إنّ القصة التالية تستند إلى رواية غسّان كنفاني "عائد إلى حيفا". من غسّان وإليه، "قادمٌ من حيفا".

لقطة من فيلم "عائد إلى حيفا" (1982) من إخراج قاسم حول

 "حسناً، دعنا نتصوّر أنّك استقبلتنا-كما حلمنا وهما ًعشرين سنة-بالعناق والقبل والدموع... أكان ذلك قد غيّر شيئاً؟ إذا قبلتنا أنت؛ فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف أو إسماعيل أو أي شيء آخر... فما الذي يتغيّر؟ ومع ذلك، فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك، والذنب ليس ذنبك وحدك، ربّما سيبدأ الذنب منذ هذه اللحظة ليصبح مصيرك، ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الإنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوماً وراء يوم وسنةً وراء سنة؟"

انتفض (دوف) منتصباً على سريره وحبّات العرق الحارقة تنصبّ على جبينه الأسمر وتكمل طريقها على أنفه الصغير. إنّه الكابوس نفسه. لقد عاد. راح يستجمع بقايا أنفاسه ويصارع دقّات قلبه المُهتاجة قلقاً وخوفاً. نظر حوله، فوجد أنّه ما زال في غرفته العادية، بجدرانها البيضاء الحديثة الطلاء، وشبّاكها الصغير الذي يتقطّع على زواياه ضوء القمر، وإلى جانبه باب الشرفة الذي تصفق أمام زجاجه أغصان شجرة التين المزروعة في الفناء. أكمل جولته على الغرفة وتوقّف بصره عند (إيلينا)، فابتسم... ها هي تنام إلى جانبه بسلام طفل في سلّة موسى، وشعرها الذهبيّ المائل إلى البياض ينسدل على السرير إلى جانب زنده الأسمر. نسي (دوف) كابوسه وأخذ ينظر إلى جبينها الثلجيّ المتعانق مع ضوء القمر، وخدّيها المفعمين احمراراً وحناناً وقوّةً. ولم ينسَ أن يمتّع ناظريه بالجلد الأبيض الناعم الممتد من عنقها حتى بوابة صدرها المشروعة بفعل سقوط رافعة قميصها اليمنى. لمعت أمام عينيه ذكرى لقائه بها وقصّة الحب التي جمعتهما على أنقاض الحروب والفراق...

تذكّر اليوم الذي انتقلت فيه (إيلينا) وأمّها إلى حيّهما في مدينة حيفا، وقد شاءت الصدف أن تسكن إيلينا المنزل الصغير المقابل لمنزله. لم تعره الفتاة الشقراء الجميلة أيّ انتباه، فقد كانت دوماً مرفوعة الرأس ومستقيمة النظر، فلا تلتفت يمنةً أو يسرى لترى عينيه الشاخصتين تراقبان خطواتها الهادئة وهي تنزل من البيت إلى محل البقالة المجاور. لقد غيّرت إيلينا الكثير في حياة دوف، فأصبح ينتظر العودة إلى المنزل بفارغ الصبر، وهو الذي كان قد أعلن لميريام بعد تلك الليلة العاصفة بأنّه يتمنّى الرحيل عن "هذا المنزل الذي أمسى كابوساً يلاحق صحوه ومنامه". والشوق لرؤية إيلينا علّمه أن يلعب دور النشيط الذي يستيقظ باكراً في عطلته ليجلس على الشرفة الأمامية لمنزله ويتنعّم بالهواء الطلق على وقع كوب من القهوة الساخنة. كان يجلس هناك بالساعات، إلى أن جاء اليوم الذي ابتسمت فيه إيلينا، فبردت القهوة على حافة الشرفة...

 

لم يكن ينغّص عليه انتظاره لقاء إيلينا سوى نظرات أمّها من خلف ستار نافذة الطابق الأرضي. كان يشعر بأن النظرة المنطلقة من تلك العينين الزرقاوين الواسعتين تنطلق كالأسهم المتّجهة نحو خياله الطائر في الفضاء، فيشيح بنظره جانباً ويتنبّه لبرودة القهوة في يديه. لسبب ما، لم تكن تلك المرأة الستينية القادمة من أمستردام تستلطفه، على الرغم من العلاقة الجيّدة التي جمعتها بميريام. ومع نموّ علاقته بإيلينا من النظرة إلى البسمة فاللقاء، كان يلاحظ أنّ أمّها تزداد نفوراً منه. أخبرته إيلينا أنّ هذه حال أمّها منذ أن قُتل والدها على يد سارقٍ في نهاريا، فقد أمست مسكونةً بوسواس الخوف والقلق، ولذا حملت طفلتها وقرّرت أن تبتعد جنوباً. وظلّت تتنقّل إلى أن حطّت رحالها في حيفا. ولكن كل الأخبار التي كانت ترويها إيلينا على مسامعه لتمسح عن عقله المخاوف لم تبرّر له سبب نفورها منه بالتحديد، فهو كان يشعر بأن أمراً ما فيه يزعجها كثيراً، وقد تأكدّت مخاوفه يوم قدم إلى بيت إيلينا طالباً يدها. يومها جاء بكتفه الأيمن المصاب وباقة ورد في يده اليسرى وعلامات البهجة تغزو ملامحه. لكنّه لم يستطع-رغم محاولاته الجاهدة-أن يتجاهل حديث الهمس الذي دار بين أم إيلينا وخالتها في المطبخ المجاور لغرفة الجلوس.

- ما القصّة يا (آن)؟

-لا أعلم. لكنّني لست مرتاحةً لهذا الشاب.

- ماذا تقصدين؟ إنّه شاب ممتاز. ما زال في ريعان شبابه ويحمل رتبة ملازم أول في الجيش ولديه فرصة كبيرة في الوصول إلى رتب أعلى بسرعة، خصوصاً بعد عودته من لبنان. وأمّه ميريام امرأة ودودة ومسالمة جدّاً...ويكفي أنّ إيلينا تحبّه وتريده!

- أعلم...أعلم كلّ ذلك. ولكن...شكله يا (أيفا)! شكله...عربيّ!

**

برق الألم في كتفه الأيمن، فأخرجَ دوف من شريط ذكرياته. لاحظ خيوط الضوء الرفيعة تتهيّأ لغزو نافذة الغرفة، فنهض من فراشه بخفّة وتوجّه نحو خزانته وفتحها. نظر إلى بزّته العسكرية الخضراء بنجومها الأربع وتأمّل وقوفها بين باقي القطع، فأحسّ برعشة تجري في عروقه. كم تعب للوصول إلى هذه النجوم، وهو الذي كان قد وُضع أمام مفترق طرق يوم عرف الجميع بأنّه ليس ابن ميريام البيولوجي. لكنّه اختار هذه البزّة...اختار الأمّ التي حضنته وربّته وجعلته إنساناً...اختار الوطن الذي قدّم له حياةً كريمة بعد أن كان طفلاً متروكاً للنيران! أخرج البزّة من الخزانة وتأمّل النجمتين الراقدتين على الكتف الأيمن، فرأى وطناً يحمله جنودٌ وعلماءٌ وسياسيونٌ ورجال دين وربّات منزل، صنعوا من معاناتهم معجزة الوطن المقدّس...الوطن الموعود! ثمّ عاد فنظر إلى النجمتين على الكتف الأيسر، فلم يدرِ كيف تسلّلت أمام عينيه صورة النجمتين الفضيتين المطرّزتين على عباءة تلك الفتاة اليافعة في الجنوب. يومها جاءهم الأمر بالدخول إلى قرية في جنوب لبنان لطرد الفدائيين الفلسطينيين منها، ومع صدور القرار بالاقتحام كانت الطائرات قد فعلت فعلها بإحراق معظم بيوت القرية. لكنّ الأمر بالتقدّم والقضاء على كل نفس فوق تلك الأرض كان صارماً. وبالفعل، قُتل من قتل وأُسر من أُسر ووصل دوف ورفاقه إلى ذلك المنزل الإسمنتي الصغير الذي أخذت النيران تقتحم غرفه. راحت زخّات الرصاص تتطاير في أرجاء المنزل، فسقط العجوز ومن بعده الفتى الذي ركض نحوهم بالسكّين. ساد السكون لبضع دقائق قبل أن تطلّ الفتاة عليهم من الغرفة المجاورة، فمشت بثبات نحوه وسط ذهوله وذهول زملائه. كانت الفتاة في ريعان شبابها، وقد تزيّنت بشعر أسود فحميّ عكس حدّة البياض الصارم في وجهها وعنقها، وقد أخفت جسدها النحيل بعباءةٍ سوداء مطرّزة بنجمتين فضيّتين فوق الصدر تماماً، وملأ كفّيها سواد الدخان المنبعث من المنزل المحترق. نظرت الفتاة إلى العجوز والفتى الممدّدين على الأرض، ثمّ توجّهت بعينين كبيرتين متّقدتين شراً نحو دوف، وأشارت بإصبعها إليه وهتفت بكلّ ما في قلبها من غضب:" أيّها المجرم!". وفجأةً تضاءل الكون من حوله ليمسي حلبة صراع بينه وبين الفتاة اليافعة التي لم يكن سلاحها سوى اصبعها النحيل المتّشح سواداً. أحسّ بأنّ الكلمة موجّهة إليه وحده، وكأنّ الفتاة تعرف من هو وتحاسبه على أنّه مجرمٌ قتل أهلها وقريتها، لا كجنديّ يقاتل في معركة. تجمّدت كل عضلات جسده أمام نظراتها المتحدّية، واسترق نظرةً أخرى للجثث الملقاة تحت جزمته، ففاجأه شعورٌ بالغثيان. عاد ورفع بصره نحو الفتاة. ثبّت بندقيّته على كتفه وأطلق النار وهو ينظر في عينيها العسليّتين. سقطت الفتاة، وانقشع الغبار عن الكون من حوله. لم ينم تلك الليلة، لا لأنّه لم يقتل رجالاً ونساءً وأطفالاً من قبل، بل لأنّه لم يستطع أن يتخلّص من الشعور الغريب الذي سرّبته عينا تلك الفتاة إلى روحه. أهو الذنب؟ أم الندم؟ أم أنّه إحساس بالمسؤولية المباشرة؟ لقد كان شعوراً غامضاً وثقيلاً، وكأنّه شاهد بأمّ عينه جريمة قتل غريبة، هو القاتل فيها وهو المقتول!

اندثرت الأفكار من رأسه مع اكتمال قوس الشمس، فعاد دوف إلى حياته بشكل طبيعي. لقد اعتاد على مرور مثل هذه اللحظات منذ اكتشافه الحقيقة قبل خمسة عشر عاماً، وكان يعتبر أن نعمة المرء (أو نقمته) أنّه يصارع ليتأقلم ويُكمل، إلى أن يحوّل مصدر أذيّته إلى سرّ قوّته. لكنّ آفّة الشك تحديداً لا تشبه سواها من الوساوس، فهي كالمخدّر تماماً: يعتاد المرء على اختبارها، فتزداد قدرته على تحمّل مضاعفاتها، لكنّه يزداد رغبةً وحاجةً إليها، فيزيد الجرعة تلو الجرعة... أمّا دوف، فقد ساعده طبعه الصارم على إخفاء هذا العالم الداخلي المتذبذب بتقلّباته العنيفة وهزّاته الصاخبة، وهكذا أكمل تأنّقه في البزّة الزيتيّة وذهب ليطمئنّ على ((تمار)). كانت ابنة السنوات الأربع لا تزال نائمةً بعد ليلة طويلة من اللعب مع والدها. قبّلها على جبينها، فاستيقظت ورفعت يديها نحوه:

-أبي!

- تمار، حبيبتي. عودي إلى النوم. ما زال الوقت مبكراً.

- إلى أين أنت ذاهب؟

- لديّ عمل.

- ستذهب للقبض على أولئك المجرمين، أليس كذلك؟

- نعم يا عزيزتي.

- أبي، هناك سؤالٌ يشغلني دوماً...

- ما الأمر يا تمار؟

- لماذا خلق الرب العرب؟

لم يستطع دوف أن يكتم ضحكته العاجزة، فهذا سؤالٌ هو نفسه لم يكن يجد له إجابة، لكنّ ابنته قد اعتادت على إيجاد الأجوبة عند والديها، وبالتالي أصبح من الواجب عليه أن يعطيها بعض الكلام ليريحها.

- اعلمي يا تمار، أن الرب خلق العرب مثلما خلقنا، ولكنّنا تفوّقنا عليهم وعلى غيرهم في إيماننا بالرب واتباعنا لتعاليمه، ولذلك اختارنا من بين كلّ الشعوب لنكون شعبه ونقيم وطنه على الأرض. قد لا يكون كلّ عربيّ سيّئاً، ولكنّ معظمهم يرغب بالقضاء علينا وحرماننا من تحقيق وعد الله واستعادة حق جدودنا، ولهذا أبوك وسائر الناس هنا يعملون ليلاً نهاراً ليؤمّنوا الأمان والسكينة لك ولأصدقائك كي تلعبوا وتفرحوا بسلام. أما هم، فقد سكنهم الحقد والحسد وأرادوا أن يحرمونا حقّنا في الوجود وفي التمتّع بأرض الله المقدّسة، فأثبتوا لله أنّ اختياره لنا كان مصيباً...لا تخافي يا تمار، إنّ الرب معنا!

وصل الجيب العسكري إلى وسط مدينة رام الله، فبدت كمدينة أشباح. لا غرابة في ذلك، فقد كان أمس نهاراً صاخباً انطلق بعمليّة إطلاق نار على دورية للجيش، وتلا ذلك سلسلة من الاعتقالات والاشتباكات مع الأهالي. جاءت الأوامر لدوف وغيره من الضبّاط بالبحث عن منفّذ العمليّة والقضاء عليه، أياً كانت الأثمان والوسائل. نزل دوف ومساعده من الجيب ووجدوا الحاجز العسكري منصوباً أمامهم والجنود بجاهزية تامة. إنّه حزيران، لا بدّ أنه سيكون نهاراً طويلاً...

إلى جانب مكعّبات الاسمنت والعوائق الحديدية، وقف أربعة شبّان فلسطينيون مكتوفي الأيدي ومعصوبي الأعين مقابل البوابات الحديدية للمتاجر المغلقة. توجّه دوف نحو الجندي المسؤول، فسلّمه الأخير الأوراق الثبوتية الخاصة بالشبان. نظر إليها دوف من تحت نظّارته السوداء من دون اكتراث، ثمّ توجّه إلى الجندي قائلاً:

- ما قصّتهم؟

- فلسطينيون يا سيّدي!

- حسناً، وهل تحدّث أحدكم إليهم بعد؟

- كلا، يا سيّدي. لقد فضّلنا انتظار أوامرك.

- لا بأس. قارنوا بياناتهم مع تحرّياتنا، ثمّ هاتوهم إليّ. اتركوهم مقيّدين هكذا حتى نتأكّد من أمرهم.

-أمرك، سيّدي.

- اسمع... ابقهم بعيدين عن الظلّ. لقد اقتربت الظهيرة، دع الشمس تذكّرهم بما ينكرون!

-أمرك، سيّدي.

عاد دوف وجلس على المقعد الأمامي للجيب، فيما أخذت طوابير العابرين إلى أريحا والأردن تتوافد على الحاجز. صراخٌ من هنا ودفعٌ من هناك يقابله دعاء امرأة عجوز باللعنة على "اليهود الكلاب"، فيتزايد عدد الموقوفين شيئاً فشيئاً. كان دوف يفهم الشتيمة ويضحك في قلبه، "فهؤلاء العرب لا يجيدون شيئاً سوى الشتم"، كما أخبره أحد المدرّبين في الكلية العسكرية. تمنّى دوف أن ينقضي النهار بسرعة، أياً كانت طريقة انقضائه. تمنّى أن يتقدّم نحوه شابٌ فلسطينيٌ عشريني شابكاً يديه وراء رأسه ومعلناً: "أنا أحمد من رام الله...أنا من أطلقت النار على جنديين إسرائيليين في أحد أحياء المدينة، فقتلت أحدهم وأصبت الآخر. جئتكم رافعاً الراية البيضاء". وتمنّى لو أن خبراً من أحد مخبريه يزفّ إليه بُشرى القبض على أحمد أو مقتله في مطاردة في التلال المجاورة.  لكنّ شيئاً من هذا ما كان ليحصل، ليس لأن الوصول إلى أحمد مستحيل، فمعظم المارين عبر هذا الحاجز يعرفون أحمد، وبعضهم لا شكّ قد رآه البارحة، وقلّة منهم قد ساعدته على التخفّي والهرب. كلا، ليست المشكلة في الوصول إلى أحمد، بل المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية الخلاص من أحمد! فكلّ واحد من هؤلاء كان، سيكون أو من المحتمل أن يكون أحمد. والبحث عن أحمد واحد في ما بينهم يجعلك كمن ذهب ليبحث عن إبرةٍ في كومة قشّ، فوجد قشّةً في كومة أُبر!

اشتدّ قيظ حزيران وفاحت رائحة العرق النسوي المحفوفة بغبار السيارات المارّة على الحاجز. أحسّ دوف بالعرق يتصبّب في جميع أنحاء جسده، ولم يعلم أيّ سبب دفعه لتذكّر الأوراق الثبوتية للموقوفين الأربعة الممتلئة عرقاً في يده. من باب التسلية - أو ربّما هو قدره المشؤوم-راح يتفحّص تلك الأوراق بدقّة. فقرأ الورقة الأولى برويّة وأعادها خلف زميلاتها، وكذلك فعل مع الورقة الثانية. وما إن فتح الورقة الثالثة وقرأ الإسم المكتوب عليها حتّى اصفرّ وجهه وجفّ عرقه وتوقّف الزمن من حوله...

" الإسم: خالد

الشهرة: ص.

إسم الأب: سعيد

إسم الأم: صفيّة

مواليد: 1953

مكان الإقامة: رام الله"

لم ينتبه دوف إلى العسكري الذي وقف أمامه منادياً: "سيّدي الملازم"، وظلّ محدّقاً بالأرض وكأنّه مُسّ بوحي إلهيّ. ارتفع صوت العسكري في خلفيّة حواسّه، فاستفاق دوف من توقّف الزمن ونظر إلى العسكري الذي كان يحمل بيده أربعة ملفّات زرقاء اللون ويقف مستغرباً. بعد أن تأكّد العسكري من انتباه دوف إليه شرع يشرح له:

  • سيّدي، لقد اطلعنا على ملفات الأربعة الموقوفين، وليس فيها ما يثير...

هتف دوف مقاطعاً:

-أين ملف الثالث؟

-أيّ ثالث يا سيّدي؟

- الثالث من اليمين. هات الملفّ واحضروه إليّ سريعاً! هيّا!

وجّه الجنديّ تحيّته العسكرية ل((دوف)) ثمّ اتّجه نحو الموقوفين، فأمسك بالرجل المذكور ودفعه إلى الأمام. سقط الرجل أرضاً من صدمة الدفع، فرفعه الجنديّ من زنده وأخذ يجرّه على الحصى كما تُساق الأغنام إلى المذبح. في الوقت عينه، كان دوف قد استدار بهدوء مريب، واتّجه بخطى قويّة نحو الآليات العسكرية المصفّحة.

**

"لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد، فقد تكون معركتك الأولى مع فدائي اسمه خالد، وخالد هو ابني، أرجو أن تلاحظ أنّني لم أقل أنّه أخوك، فالإنسان كما قلت قضيّة، وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين... أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمه خلدون؟ لأنّنا كنّا نتوقّع العثور عليك، ولو بعد عشرين سنة، ولكن ذلك لم يحدث. لم نعثر عليك...ولا أعتقد أنّنا سنعثر عليك."

ظلّ صوت سعيد يرنّ برأسه طيلة المسافة ما بين الجيب العسكري والمقعد الخشبي خلف الآليات العسكرية المصفّحة. اضطرّ دوف أن يهزّ رأسه بقوّة وكأنّه عصفورٌ ينفض ريشه المبلول، ولكن بلل دوف لم يكن ماءً صافياً... لم يكن يعرف بالتحديد أيّ شعور اعتراه طوال تلك المسافة، أهو خوفٌ أم غضب؟ أم أنّه فضولٌ أم عتب؟ فها هي اللحظة التي انتظرها طويلاً، أو ربّما خشيها طويلاً، تحضر إليه بكلّ تناقضاتها وتفاعلاتها، وقد سمع خلفه حفيف خطواتها المدفوعة دفعاً على الحصى المُكتسي بنيران حزيران...

جلس دوف على الكرسي الخشبي، وظلّ شاخصاً ببصره إلى الأمام يراقب اقتراب العسكري الشاب ومعه رجلٌ أسمر قويّ البنية يرتدي قميصاً أصفراً باهتاً تآكلت أطرافه من العرق، وبنطالاً أزرقاً بالياً استوطن غبار الطرقات ثناياه. توقّف الرجل معصوب العينين أمام دوف، فساد السكون أرجاء المكان ولم يبق سوى خفقات قلب دوف التي راحت تزيد من حدّة توتّره بنشاز نغماتها. نظر دوف إلى الرجل المكبّل الذي وقف أمامه بهدوء شديد، وراح يتفحّصه من أقصى رأسه حتى أخمص قدميه. "خالد"، قال دوف في سرّه:" بعد كلّ تلك السنين، ها هو...الفدائي خالد!". أشار دوف برأسه إلى الجندي أن يبتعد، فتماثل. ومع خطو الجندي بعيداً، بدا على خالد شيء من الاضطراب، إذ كان يحاول جاهداً أن ينظر من تحت الغمامة السوداء الكاتمة على بصره. استجمع دوف أفكاره وهدوءه، ثمّ حمل الملف وكأنّه يتفحّص ما فيه وتوجّه إلى الرجل:

- خالد؟

- نعم.

-خالد سعيد ص.؟

-أجل.

-من أين أنت يا خالد؟

-أنا من رام الله.

صمت خالد قليلاً، وبعد تردّد واضح أردف قائلاً:

- ولكنّني قادمٌ من...حيفا.

- ماذا قلت؟

- قلت أنني...قادمٌ من حيفا. أهلي من حيفا.

أحسّ دوف أنّ فرصته ليسبر غور خالد قد حانت، فرفع رأسه ونظر إليه وقال ببرودة أعصاب:

  • -حسناً، يا خالد. إن أخبرتُك الآن أنني أنا أيضاً قادمٌ من حيفا. ماذا تقول؟ تُرى من منّا الصادق ومن الكذّاب؟

صمت خالد وابتلع ريقه، وقد بدأ وجهه يزداد ضيقاً واحمراراً...

  • - ماذا قلت يا خالد؟ لقد سألتك سؤالاً ولم أسمع بعد إجابتك! أنت تدّعي أنّك من حيفا، وأنا أيضاً أدّعي أنّي من حيفا. لكنّي أعتقد أنّك لو كنت حقّاً من حيفا، ما كنت لتقف أمامي بهذا الشكل، كما وأنّ ملفّك يقول بأنّك من رام الله، وملفّي يقول أنّي من حيفا...فما قولك؟ كيف تفسّر هذا اللغز؟

طأطأ خالد برأسه وتنهّد بصمت، ثم أجاب:

-ليس بالأمر كذبٌ ولا عجب. أبي وأمّي من حيفا، وفي النكبة أُخرجوا منها ولجأوا إلى هنا. وقد ولدتُ أنا هنا، في حين أصبحت حيفا جزءاً من كيانكم...أما أنت، فربّما قد وُلدت في حيفا ومن الطبيعي أن تعتبر نفسك منتمٍ إليها، ووالداك، لست أدري من أيّ أصقاع الأرض قدما...

ابتسم دوف لنفسه ابتسامة لم يستطع من خلالها أن يفرّق سخريته من ألمه، فيما ظلّ خالد محدّقاً بالسماء السوداء. وضع دوف الملف جانباً واتّكأ بيديه على الطاولة أمامه، ثمّ قال:

  • وأنا أيضاً أهلي من حيفا، يا خالد. ما رأيك بذلك؟

لم يسعَ خالد إلى الإجابة، فهو لم يجد سبباً للاهتمام بنسب الضابط الإسرائيلي، ولم يكن يهمّه أن يفهم هذا اللغز. وبدوره، لم يكن دوف ينتظر إجابة على تساؤله، فهو قد وجّه هذا السؤال إلى نفسه قبل أن يوجّهه إلى خالد. "كلانا من حيفا...لكن مَن منّا حقّاً ينتمي إليها؟ أهو أنا، الذي عشت فيها وكبرت وأحببت وكوّنت أسرة، أم هو، الذي تسرّبت حيفا إلى عروقه من خلال ذكريات وأحاديث الوالدين؟ مَن حقّاً ينتمي إلى حيفا؟" أحسّ دوف بنفاذ صبر خالد، فمسح جبينه المتعرّق وأكمل حديثه:

- حسناً يا خالد. أخبرني، متى انتميت إلى الفدائيين؟

-أنا لم أنتمِ إلى الفدائيين، أنا أصلاً لم أخرج من رام الله.

-لا بأس يا خالد، لا داعِ للخوف. قل الحقيقة، فنحن نعلم عنك كل...

-ولكنّني حقّاً لم أخرج من الضفّة! أنا مجرّد عامل بناء، لا أكثر ولا أقلّ.

-عامل بناء؟ وأين تعمل؟

-أينما صحّ لي أن أعمل.

-وإلى أين كنت ذاهباً اليوم؟

-إلى ((أدوراه)).

-ماذا قلت؟

- قلت أنّي ذاهبٌ للعمل في ((أدوراه)). أنا أحد عمال البناء في المستوطنة الجديدة.

لم يستطع دوف أن يقاوم دهشته، ولسبب ما، راوده شعورٌ عميق بالخيبة. فهو قد كان ينتظر هذا اللقاء منذ زمن، وكان يتحضّر جيّداً للحوار الذي سيدور بينه وبين شقيقه-عدوّه. لطالما تخيّل خالد قادماً إليه ببزّة عسكرية وكوفيّة فلسطينية فوق صدره الممشوق. لطالما حلم أن يواجه خالد في إحدى قرى الجنوب بعد معركة شرسة. ولمّا أصبح الدخول إلى لبنان أمراً واقعاً، لم يستطع كبح مخيّلته من تجسيد اللقاء القدريّ الذي سيجمعه بأخيه في ميدان المعركة. ولكنّ كلُّ ذلك قد انهار كخيوط السراب، فها هو خالد، يقف أمامه بائساً، ضعيفاً، يبحث عن لقمة عيشه في عرين عدوّه...

 بحركة تلقائية يائسة، أمر دوف العسكري الشاب أن يزيل العصبة عن عيني خالد، غير آبهٍ بما سيجرّه هذا الكشف على المقابلة التي لم تسر كما تمنّاها. أُزيلت الغمامة، ومع انقشاع الضباب عن عينيه، عجب خالد لما وقع عليه بصره...

فوراً، تذكّر صورةً لأبيه سعيد أيام شبابه في حيفا، بشعره الأسود الحالك، وجبينه الأسمر العريض، وحاجبيه الكثيفين المتخاصمين، والخدّين الضعيفين الملتقيين عند ذقنه الحادّة. للحظات، طنّ أن مفعول المخدّر الذي تناوله أمس ما زال سارياً في دمه، لكنّ عينه أبت أن تستسلم لهذا الشبه المهين، فنظر بتمعّن ورأى أنف الضابط المقوّس الذي يناقض أنف سعيد المستقيم، وتنبّه إلى عنقه القصيرة التي لا تقارن بقامة سعيد المهيبة. أراحته عين عقله، وتلاشت الغرابة من الجوّ...عندئذ، أكمل دوف حديثه:

-وما الذي يجعلك تعمل في بناء مستوطنة؟ ألسنا أعداءكم؟

-إنّها لقمة العيش...و((الجوع كافر)).

-لا، الجوع في حالتك، خائن...

-خائن مش خائن...نريد أن نعيش. الشعارات لن تُطعم...

وقبل أن يُكمل جملته، قاطعه دوف باشمئزاز جليّ اكتسى محيّاه.

- حسناً، حسناً. أخبرني، أين وصلت بتعليمك؟

- الى الصفّ التاسع، يا سيّدي.

- وبعد ذلك؟

- بعد ذلك؟ لا شيء. تركتُ المدرسة وتفرّغت لأعمالي الحرّة...

- ولماذا تركت المدرسة؟

لم يستطع خالد أن يخفي انزعاجه وقلقه من أسئلة دوف الغريبة، وبدأ يشعر بأن الضابط الإسرائيلي قد وجد مادّةً يسكت بها عجزه أمام الوقت والحر والملل...

- سيّدي، هل حقّاً يهمّ...

- خالد! أنا أسألك...من المعيب أن تردّني خائباً. ولا تخف، بمجرّد أن تجيب على أسئلتي، سأتركك ترحل إلى حياتك البائسة.

- حسناً.

- هيّا، قل لي. لماذا تركت المدرسة؟ هل أردت حمل السلاح؟

- سلاح؟! لا، لا! لقد تركتُ المدرسة لأنّ والدي تأخّر في دفع الأقساط.

- وما الذي جعله يتأخّر؟

- حسناً...لا أدري. ربّما لأنّه كان يملك دكّاناً صغيراً يراكم الديون بدل الأرباح...فكما تعلم، التعليم في المدارس الخاصّة له علاقة مباشرة مع حجم دخل الأسرة، وللأسف، والدي لم يكن مدير بنك أو موظّفاً في شركة أجنبية! لكنّه ألحّ عليّ بأن أذهب إلى مدرسة أخرى، فارتدتُ إحدى مدارس ((الأونروا))...

- حسناً...وماذا بعد؟

- ماذا بعد...أكملتُ سنةً واحدةً، ثمّ خرجتُ من المدرسة بعلبة سجائر ولغة إنكليزية مشوّهة. فقرّرنا أنا ورفاقي أن نلتحق بالفدائيين.

- إذاً، كنت تنوي الالتحاق بهم! وما الذي منعك؟

- ببساطة، أبي.

- ولماذا يمنعك؟

- قال إنّه ينبغي أن أبحث عن مستقبلي ومستقبل عائلتي من خلال التعليم، ولم يكن يعلم أني طُردتُ من المدرسة. ولذلك، رحنا أنا ورفاقي نبحث عن رزقنا، أينما وضعه الله لنا.

- إذاً، فالله قد وضع الرزق في (أدوراه)؟

- هو الرزّاق الكريم...ولا اعتراض على حكمه!

احتار دوف في أمر الرجل الواقف أمامه، وأحسّ بعجزه عن فهم حقيقة مشاعر خالد تجاه ما يقول. فهل كان يستهزئ به وبأسئلته؟ أم أنّه مقتنعٌ حقّاً بكل كلمة نطقها؟ ظلّ دوف يحدّق ببرودة إلى اللامبالاة السائدة على وجه خالد، علّه يجد تفسيراً يطفئ فضوله الذي يحتاج إلى تفسيرٍ بذاته.

وبعد دقائق من الصمت المريب الذي أضاف كآبةً إلى لهيب حزيران، سأل دوف "أسيره" سؤالاً لا يوازيه في الغرابة سوى الهدوء الذي تملّك صاحبه فجأةً.

  • -حسناً يا خالد. أخبرني الآن، ألم تفكّر يوماً بأن تحمل السلاح؟

ظهرت معالم الخوف في عيني خالد، وبدا واضحاً أنّه لم يكن مستعدّاً لمثل هذا السؤال.

- أنا...

- لا بأس عليك. أنا أسألك مجرّد سؤال. لا تقلق، لن أحاسبك على إجابتك. لكن قل لي، ألم تسعَ يوماً لأن تصبح فدائياً؟ أو مثلاً، أن تلتحق بمجموعاتكم في لبنان؟

- أنت تعلم حق العلم بأنّه ما من فلسطيني لم يفكّر في ذلك يوماً.

- ولماذا لم تفعلها؟

- لا أعلم. ربّما لم تشأ الأقدار!

- الأقدار! أها! تقصد نفس الأقدار التي رمتك في ورشات بناء (أدوراه)، أليس كذلك؟

فجأةً، خرج من صوب الحاجز صوت صراخ حاد تبعته جلبةٌ وتدافع فوق الطريق المغبرة. نظر دوف وخالد باتجاه الصوت، فإذ بجنديّين إسرائيليين يمسكان طفلاً لم يتجاوز العاشرة من عمره، حيث كان أحدهما يشدّ الطفل من كنزته نحو (الجيب) العسكري وينثر شتائمه بالعبريّة. أما الآخر، فتكفّل بمهمّة وقف أم الطفل التي لم تثنيها لكمات الجندي وشتائمه عن الدفع والركل وتكرار محاولات الوصول إلى طفلها الأسير. واستمرّت في اندفاعها، الى أن طفح كيل الجنديّ، فدفعها الى الأرض الترابية بكلّ ما حملت ملامحه البيضاء من حقد السنين. سقطت المرأة أرضاً وسط دمدمات "لا حول ولا قوّة إلا بالله" وبعض صيحات الامتعاض، الشجاعة منها والخجولة. نظرت الأمّ بعينيها الدامعتين ووجهها المعفر إلى الجندي وصاحت: "الله يأخذ بإيدك يا أبو عمّار وتهدّ اليهود!"

 فور سماع نداء الأمّ الذي صدح في أرجاء الحاجز وكأنّه يخرج من دوّامة فراغ، ضحك دوف ضحكة ساخرة، ونظر إلى خالد، فوجده يهزّ برأسه ضاحكاً أيضاً...

- هيه أنت! ما الذي يضحكك؟

- أنا...لا شيء! لم أضحك.

- لا تكذب يا خالد. لقد رأيتك تهزّ برأسك وتضحك، وكأنّك تسخر مما حصل.

- ربّما...

- ماذا؟ ألن تقوم بالدعاء لقائدكم الفذّ؟

- ولماذا أدعو له؟

-أليس هو رمزكم؟ وقائد ثورتكم؟ أليس هو من يعدكم بالنصر والعودة وتحصيل حقوقكم؟ أليس هو من يدافع عنكم ضدّ كلّ أولئك الذين يرتأون لكم شرّاً؟ أليس هو من يقاتل ليرمينا في البحر؟ ألا يدفع بكم إلى الموت من أجل طردنا من هنا؟ أليس هو من أعاد اليكم قيمتكم أمام العرب والعالم؟  لماذا لا تناصره؟

لأوّل مرّة، نظر خالد الى عيني دوف، وارتسمت على محيّاه بسمة واثقة، وأجاب:

  • - وإن كان كلّ ما تقول صحيحاً، فلماذا ضحكتَ أنت؟

صمت دوف ونظر إلى الأرض، وكأنّه يعترف ضمنيّاً بانتصار خالد عليه بهذا الرد. لكنّه فكّر قليلاً، وكمن مسّه وحيٌ من السماء، رفع رأسه بهدوء ونظر إلى خالد بكلّ تحدٍّ وابتسم إليه بسمة العارف وأجاب:

-ضحكت...لأنّ من تدعو له هذه المرأة يفاوضنا منذ سنين من أجل إرساء السلام معنا. ضحكتُ، لأنّ من تُرفع صوره في بيوتكم وعلى جدران مخيّماتكم، ينسج العلاقات مع حلفائنا وداعمينا من تحت الطاولة ومن فوقها وعلى جانبيها! ضحكتُ، لأنّه قريباً سيعترف بحقّنا على هذه الأرض مقابل أن نعطيه شرف التفاوض على حكم ذاتي منزوع السلاح! وربّما أكثر ما أضحكني، هو أنّه يدّعي قيادة ثورة بهدف إبادتنا، فيما تقف أنت الآن على حاجزنا بانتظار أن تمرّ بإذننا لتبني بيوتنا! ورغم ذلك كلّه، سترفعون صوره وتهتفون بحياته وتدعون له! أي بشرِ أنتم...

وما إن أنهى دوف كلامه، نظر بتمعّن إلى وجه خالد، فرآه ما زال باسماً، لا بل لمح في طيّاته ثقةً زائدة، فاستغرب وعاد إلى شكّه. أعاد النظر إلى خالد، وسأله عابساً:

- حسناً، لماذا لم تجب بعد؟ أين السخرية في ما حصل؟ ما الذي أضحكك؟

- لقد سبقتني وقلتَ كلّ شيء...

- ماذا تقصد؟

-أقصد أنّه ما الهدف من القتال إن كانت قيادتنا تعرض دمائنا على بازار الأمم؟ أنت تسألني لمَ لا أدعو له؟ بل الحقّ أنّك ينبغي أن تسأل لماذا تدعو هذه المرأة له؟ ما الذي كنت سأكسبه لو ذهبتُ إليه ومشيت خلفه؟ قد ينتهي بي المطاف ميتاً أو كسيحاً أو أسيراً؟ وما الفائدة؟ ها نحن نقفز من حفرة إلى أخرى، والجيوب تزداد خلوّاً! كيف كنت سأهرب من الجوع والفقر؟ كيف سأتزوّج وأنجب وأعيل أسرتي وأربّي أولادي؟ أم أنّه لا يحقّ لي أن أحلم بكلّ هذا؟ لماذا ينبغي عليّ أن أموت جوعاً أو فداءً لأبي فلان وأبي علان فيما ينعم هؤلاء بالرغد ويسكنون القصور ويعلّمون أولادهم أحسن تعليم؟ أولادي ليسوا أقلّ شأناً من أولادهم! ولي أن أؤمّن لهم أفضل معيشة، وإن تطلّب ذلك أن أبني مستوطناتكم بيدي! إنّي لأحمد ربّي ليل نهار على أنّ والدي منعني من الهرب ذلك اليوم...

ثمّ، ما همّك أنت؟ ألست إسرائيلياً؟ ما يعنيك إن بنيت مستوطنة أو قطعت شجرة زيتون؟ ألستم أصل البلاء؟ لو لم تحتلّوا أرضنا من الأساس ولم تحرمونا عيشنا وقوتنا، لما احتجنا أن نبني مستوطناتكم!

ظلّ دوف محدّقاً بالأرض، فهو لم يهتم يوماً بهذا النوع من المنطق في نقاش الصراع، كما وأنّ كل الكلام الذي نطق به خالد لم يبرّر له فعلته الشائنة، أو ربّما هي الخيبة التي جثمت على كيانه بثقلها كلّما استرسل خالد في شرح وضعه الخائب. استغرب دوف شعوره بالخيبة، فهو أكثر من ينبغي أن يفرح لمثل هذه الحال، لكنّه لم يستطع أن ينسى كلام سعيد المتحدّي والغاضب ولم يستطع أن يتغافل عن شعوره العميق بالتحدّي الافتراضي الذي أسّسه هذا الكلام في نفسه، فتحوّلت حياته كلّها إلى وقفات انتظار على طريق الموعد الكبير: يوم يلتقي بسعيد وصفيّة وينظر في عيونهما المهزومة ويقول: "ها أنا قد بقيت في حيفا ولم أمت، وأنتم، من تركتم حيفا لأجل الحياة، تموتون كل يوم وكل ساعة...". رفع دوف عينيه الخائبتين إلى خالد وصورة سعيد ما زالت في مخيّلته وكأنّ لقاءهما كان أمس...

- أخبرني يا خالد، ما أخبار سعيد؟

- أبي...توفّي منذ أربع سنوات.

- توفيّ؟ كيف؟

- تدهورت صحّته بعد أن ماتت أمي واكتمل حزنه بخيبتي...

- صفيّة ماتت أيضاً؟ قال دوف مقاطعا.ً

أحسّ خالد بغرابة شديدة لاهتمام ضابط إسرائيلي بموت والديه، ولكنّه لم يشأ أن يشغل تفكيره بأمور ليس منها نتيجة.

-نعم، توفّيت بعد عودتها وأبي من زيارتهما إلى حيفا. تعرّضت إلى جلطة دماغية أدخلتها في غيبوبة لمدة يومين، ثم توفّيت في صباح اليوم الثالث...منذ ذلك اليوم، أصبح أبي جسداً بلا روح. قلّ كلامه، وهزُل بدنه، واستوحش في عزلته. لم يخبرني تحديداً ما الذي أدّى إلى تدهور صحّة أمّي، وظلّ يتصفّح الجرائد والإذاعات طوال الوقت ويتابع أخبار لبنان، وكأنّه كان ينتظر خبراً ما. وقد ازداد وضعه سوءاً كلّما رآني جالساً في المنزل، وأمسى لا يكلّم أحداً. ومع توالي أخبار الاجتياح، تغلغل العجز في مختلف أنحاء جسده وأُصيب بداء الخَرَف، ولم تمرّ سنة قبل أن يسلّم الروح. لقد تعذّب والداي كثيراً...

- حسناً يا خالد. لديك إخوة؟

- بلى. كان لديّ أخ لم أره في حياتي...

تفتّحت عينا دوف، وعادت دقّات قلبه تطغى على مسامعه المتأهّبة.

- أينه يا خالد؟

-كان اسمه خلدون، وقد وُلد قبل النكبة. منذ صغري، كنت أعرف أنّه فُقد خلال النكبة ولم نسمع عنه شيئاً. إلى أن جاء اليوم الذي ذهب فيه أبي وأمي إلى حيفا، وبعد أن توفّيت أمّي، أعلمني أبي بأنّ أخي قد استشهد في المدينة على يد الإسرائيليين...وقد أسميت ابني على إسمه.

أحسّ دوف بأنّه وقع في دوّامة من المشاعر المتناقضة، واعترته كآبة شديدة بانت على وجهه اصفراراً وفي قلبه انكساراً. مقتولاً في حيفا؟  بيد من؟ بيد أولئك الذين أنقذوه من النيران المشتعلة؟ بيد أولئك الذين قدّموا له الحياة التي كاد أن يُحرم منها على غفلة! لماذا يا سعيد؟ لماذا لم تخبره بأنّ أخاه لم يمت، وأنّه أضحى جندياً في الجيش الإسرائيلي، جيش عدوّه؟ لماذا زرعت في مخيّلته بأني بطلٌ من بلاده؟ كيف تسقيه مثل هذا الكذب المقيت؟ وماذا أُصبح أنا في هذه الرواية؟ بطلٌ أم خائنٌ؟ ضحيّةٌ أم جلادٌ؟ ألست أنت من تركتني خلفك في حيفا؟ لماذا تحمّلني اليوم عبء احتمالات الزمن؟ لقد كان كلّ شيء واضحاً: أنتم من ترك طفلاً رضيعاً في النيران، فأمسى جندياً إسرائيلياً، وأصبحتم ألدّ أعدائه. لماذا لم تبقني في تلك المعادلة البسيطة؟ لماذا ترميني من واقع إلى آخر؟! ما أقسى قلبك يا سعيد! لماذا تذكّرني بأنني سأظلّ تائهاً ما بين كائنين متناقضين تماماً: طفلٌ رضيع ضحيّة حرب، وضابط ضليع في فنون الحرب التي كاد أن يكون ضحيّتها! لماذا تذكّرني بأنّي انتقلت من ضفّة إلى أخرى بلمح بصر؟ ماذا لو حملتني صفيّة في ذلك اليوم؟ ماذا لو أكملت طريقك نحو المنزل المحترق ودخلته رغم النيران وأنقذتني؟ ماذا لو لم يدخل زوج ميريام عليّ فينقذني من اللهب؟ ماذا لو؟ أكان سينتهي بي المطاف مثل خالد؟ أجرّ أذيال الهزيمة وأبحث عن قوّتي في ضعف الآخرين وأسقي خيبتي دخاناً وحبوباً مخدّرة؟ ولكنّني أنا السبب في بؤسه، وربّما أنا أحيا على آلامه! فأيّ الضفّتين أختار؟ صاحب البؤس أم سببه؟

وأنت! أيها الضعيف الخائب! لماذا لا تخرج مسدّساً من جيبك وتقتل به عدوّك الجالس أمامك؟ لماذا تتحمّل مذلّة الانتظار والإهانة مقابل حفنة من المال؟ كيف تقبل أن تحمل مطرقةً تهدم بها بيتك، وتخشى أن تحمل نفس المطرقة لتقتل بها عدوّك؟ لماذا لا تكون مثل أحمد؟ لماذا؟ خمسة عشر عاماً وأنا أنتظر أن أرى كيف كان سينتهي بي المطاف لو حملتني صفيّة معها في ذلك اليوم! أردتك أن تعوّض سعيد وصفيّة بعضاً من الشقاء الذي ابتلاهم الدهر به...أسميت ابنك على إسم أخيك الشهيد، ولكنّه في حقيقة إدراكك خائن! وإن اكتشفت أنّه خائن، فبأيّ ذنب سيمضي ابنك سنيه تحت وطأة إسم الخائن؟ ولماذا لا تكون أنت البطل؟!

 "إن الإنسان قضيّة...قضيّة..."

 دعني يا سعيد...دعني وشأني!

رفع دوف نظره نحو خالد الذي جلس أمامه باضطراب شديد وهو يشاهده يهزّ رأسه بعنف، وأحسّ بأن قلبه قد خلا من المشاعر فأصبح كالصحراء العذراء... تسمّر دوف إلى عيني خالد الذي بدأ الخوف والشكّ يتسرّبان إلى قلبه.

-أتعلم يا خالد، ما الفرق بين ادعائي وادعائك؟ أنا قادمٌ من حيفا، وأنت أيضاً قادمٌ من حيفا، ولكنّ أحدنا فقط سيعود إلى حيفا. وعندما ينتهي هذا اليوم، سأعود أنا إليها، في حين ستذهب أنت إلى رام الله. ولكنّي أصدقك القول بأنّي لا أعرف من سيعود إلى حيفا في نهاية هذه القصة، فالحرب لعبة دماء يبدأها مؤلّف وتنهيها شخصيّاتها ...فاذهب إلى خيبتك، وابنِ لنا منازل فوق هذه الأرض، والعن قادتك وشعبك، وعُدْ إلى خوفك وفقرك وجهلك، لكنّي أسألك ألا تورث خلدون بأسك وانكسارك! اتركه يرافق أبناء أحمد! اتركه يحلم بأنّه سيعود إلى حيفا! علّه يأتي إلى منزلي يوماً ويدّعي، من دون خجلٍ، بأنّه قادمٌ من حيفا! فهذه اللعبة لا تحلو إلا مع الأقوياء...

اذهب يا خالد...فلا حرج عليك!

سطع صوت الراديو المشوَّش في يد أحد الجنود على الحاجز:" لقد تمكّن جيش الدفاع من إلقاء القبض على الإرهابي أحمّد ح. وأحد أفراد عصابته بعد أن تسلّلا إلى إسرائيل متخفّيين بين عمّال البناء في مستوطنة أدوراه. وقد تمّ إلقاء القبض على المخرّبين في أحد ضواحي مدينة حيفا، بعد أن كتبوا شعارات معادية للسامية على جدران أحد المنازل. كلّ التحيّة إلى جنود جيشنا...". هرع عسكريّ الاتصال باتجاهه حاملاً الهاتف.

  • سيّدي، مكالمة عاجلة.

حمل دوف الهاتف، وفيما كان يستمع إلى الصوت المهتزّ والباكي على الهاتف، كانت معالم وجهه تتّسم شيئاً فشيئاً بالخوف والقلق. أقفل دوف الهاتف، وهرع إلى الجيب. صرخ إلى السائق الذي كان يدخّن سيجارةً خلف أحد الدكاكين، فجاء الجندي مهرولاً وجلس على مقعده إلى جانب دوف. لدقائق، ظلّ دوف صامتاً إلى أن نطق ببرودته المعتادة: "عُد بنا إلى المنزل، إلى حيفا."

وصل (دوف) إلى المنزل من دون أن ينطق حرفاً طوال الطريق، ولما توقّف الجيب عند المدخل، رأى دوف (إيلينا) و(تمار) واقفتين في الخارج وعيونهما متّسمرة نحو الجدار الأيمن للمنزل. هرع دوف نحوهما، فأشارت إيلينا إلى الجدار. وقف دوف أمام الجدار وقرأ بعربيّته المتقنة الجملة الحمراء التي لم تكتمل:

"عائدٌ إلى حيفا..."

غمر دوف ابنته، وفيما هبّ نسيمٌ من بحر حيفا على الصمت الكامن فوق المكان، بدت رائحة الأرض غريبةٌ عليه، فلاحظ تجهّم الغيوم في السماء المُكتئبة. لم يعلم أيّ شعور بالتحديد اعتراه في تلك اللحظة؛ أهو غربة المكان أم غربته في المكان؟

عاد صوت سعيد ليسري في عروق دوف مردّداً بصوته الواثق:

"أنا أعرف أنّك ذات يوم ستدرك هذه الأشياء، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائناً من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أنّ ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكّل حقّه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرّر له أخطاءه وجرائمه... وأنت، أتعتقد أنّنا سنظلّ نخطئ؟ وإذا كففنا عن الخطأ، فما الذي يتبقّى لديك؟ ما الذي يتبقّى لديك؟"