مقالات - أمجد إسماعيل الآغا

انطلاقاً من استراتيجية الاحتواء الروسية لكافة الأطراف الفاعِلة في الملفين السوري والإيراني، تحاول روسيا الحفاظ على علاقاتٍ جيّدةٍ مع واشنطن وتل أبيب، للضغط باتجاه حل أيّ ملف بطُرُقٍ سياسيةٍ بعيدةٍ عن التوجّهات العسكرية، وهذا يمنع الإنجرار نحو حرب شرق أوسيطة تطال نيرانها الملفات الدولية.

الانتكاسة الكبيرة التي مُنيَ بها حزب العدالة والتنمية في خسارة إسطنبول، القوّة الاقتصادية لتركيا، تشي بأن المُعارضة التركية قادِرة على هزيمة الحزب الحاكِم، الأمر الذي يُمكن من خلاله أن يصبح أردوغان رئيساً سابقاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الرسالة الأخيرة التي وجهّتها إيران إلى واشنطن عقب زيارة رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" تأتي في إطار عدم الاهتمام بالتفاوض أو التحدّث بشكلٍ مباشرٍ مع ترامب، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تُتقِن فن التفاوض، وتمتلك مهارات فائِقة في اللعب على المدى البعيد للتخفيف من حدّة العقوبات الأميركية، ما يعني بأن التلويح الأميركي بشنّ حربٍ هو لغة تصعيدية بخياراتٍ وسيناريوهاتٍ لا تمتلك أحجاماً و لا أوزاناً سياسية أو عسكرية، لأن إيران تُدرك بأن ترامب غير قادر على البدء الفعلي بشن حربٍ قد تُحوّل قواعده في الخليج إلى رماد، فضلاً عن أن الاستراتيجية الترامبية المعتمدة على الترويع لن تُجدي مع الإيرانيين.

أمام جُملة الحقائق السياسية والعسكرية التي فرضتها الدولة السورية، وعطفاً على محاولة محور العدوان على سوريا الاستثمار السياسي في ملف إدلب، بات واضحاً أن جزئيات القرار السوري المتعلّق باستكمال تحرير الجغرافية السورية من الإرهاب لا مناص منه، خاصة أن اتفاق سوتشي قد شابه الكثير من التشويش  والغموض، إضافة إلى أن الأهداف التركية في سوريا تستدعي تحرّكاً لجهة إطلاق عجلة العمليات العسكرية التكتيكية، ضمن إطار ترتيب الأوراق السياسية بأثرٍ عسكري.

ملفات خلافية كثيرة تراكمت مؤخراً بين الولايات المتحدة الأميركية و تركيا لجهة العديد من القضايا الإقليمية، إضافة إلى التوجهات العسكرية التركية التي تضع منظومات S-400 و S-500 الروسية في أولوية اهتماماتها، لا سيما أن السياسة الأميركية الجديدة تُجاه الشرق الأوسط، و التي وضعت الكرد على قائمة الأدوات التي سيُبنى على التعاون معهم في شرق سوريا، بيد أن ملفات أخرى كالعقوبات على إيران و الشروع الفعلي بتنفيذ صفقة القرن، لا يبدو أنها تُشكل شرخاً بين واشنطن وأنقرة، فالتصريحات التركية شيء، و البناء السياسي عليها شيء آخر.

ضمن هذه المعطيات وفي إطار ارتقاء المصالح بين موسكو وأنقرة، اللافت في مفرزات الحرب على سوريا هو تمتين العلاقة الروسية التركية، ليس فقط من أجل إيجاد الحل لإنهاء الحرب.

الحرب على سوريا وما أنتجته من إعادة ترتيب الإصطفافات وخلق معادلات جديدة، كانت سبباً رئيساً في إدامة هذه الصراعات، والأهم أن الانتصار السوري بجانبيه السياسي والعسكري بات أمراً واقعاً لا يُمكن بأية حال من الأحوال تجاوزه أو تحجيم نتائجه.

لا شك بأن مسار التطوّرات المتعلّقة تحديداً بإدلب، والحشود العسكرية السورية في محيط المحافظة، أربك الخيارات السياسية لأردوغان، وبات أمامه خياران، إما الانضمام صراحة للمحور السوري، أو استمرار التعنّت والوقوف إلى جانب التنظيمات الإرهابية.

انطلاقاً من النهج السياسي الذي تعتمده الدول الغربية وتحديداً الولايات المتحدة، نرى أن هذه السياسة المتبّعة تتّسم بالتقلبية، نظراً لاعتمادها على مبدأ المصالح والمنافع والصفقات، وبطبيعة الحال لا يوجد في السياسة اتفاق مُطلق أو تفاهم مديد، فهذا مرتبط بالتقلّبات السياسية والعسكرية، ولاشك بأن المُتابع لتطوّرات الشأن السوري، يُدرك بأن حجم المصالح الأميركية في سوريا، قادها إلى إنشاء شبكة تحالفات أرادت بها التوغّل والسيطرة بذراع عسكرية.

ضمن هذه المُعطيات، هناك العديد من المُفارقات التي تفرض نفسها كتأثير يأتي في سياق الحل السياسي في سوريا، لكن وعبر الاستراتيجية الروسية والإيرانية، وبالاستفادة من التناقضات الأميركية واللعب على المُتغيّرات السياسية، تستمر روسيا وإيران بتعميق التقارُب مع تركيا.

هناك الكثير من الأسئلة تُخيّم حول موقف العراق من تلك التغيّرات والتطوّرات الإقليمية، ليبدو صانع القرار العراقي في حيرة من أمره، حيث أن الرفض الشعبي للوجود الأميركي في العراق، وما يسبّب هذا التواجد من تدخّلات ولها علاقة مباشرة بالتأثير على مواقف العراق، فضلاً عن المشاكل الاقتصادية المرتبطة بحال عدم الاستقرار السياسي.

صحيح أن واشنطن أخفقت في امتحان سوريا والعراق، لكن الصحيح أيضاً وبحسب أديبات واشنطن السياسية، يجب أن تستمر هذه السياسات العبثية تمهيداً لبعثرة أوراق عديدة، من هنا اختارت واشنطن طريق وراسو وحاولت تعبيده ورصفه، بُغية الوصول إلى نتيجة جامعة لكل هواجس واشنطن، أملاً في تشكيل حلف بأبعاد مختلفة لمواجهة روسيا وإيران والانقلاب على مفاعيل الانتصار السوري.

المُباغتة الأميركية المتعلّقة بالانسحاب من سوريا، ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بالاستراتيجية الأميركية الفجّة الباحِثة عن بواعث تُرضِخ حلفاءها، فالنهج الترامبي يأتي ضمن قالب الغطرسة وفرض الأهواء والمزاجية، هو نهج مرتبط بما تُمثّله فضاءات الشرق الأوسط الغنية بتشعّباتها وتناقضاتها، وإمكانية الاستثمار المُعتمِدة على خلط الأوراق وتباين المصالح، لا سيما حين الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات وضياع الرؤى البعيدة والقريبة، المُرتبطة بالشأن السوري.

إنشاء منطقة عازِلة ليس طرحاً تركياً جديداً، استجدّ على ضوء المُتغيّرات السياسية والعسكرية المُتعلّقة بالشأن السوري، فمع بداية الحرب المفروضة على سوريا، سعى أردوغان لإنشاء منطقة عازِلة شرق سوريا، لكن طموحات أردوغان اصطدمت برفض جميع الأطراف الفاعِلة في الشأن السوري، ومع تداعيات القرار الأميركي الخبيث في الانسحاب من سوريا.

رسائل التصعيد والتهديد التي أرسلتها واشنطن عبر بومبيو إلى المنطقة، لم تُفلح بالمطلق في توضيح السياسة الأميركية الجديدة عقب إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا، ولم تفلح هذه الزيارة بطمأنة الحلفاء.

المزيد