مقالات - بثينة شعبان

بينما تخطّط الدوائر الصهيونية والإدارات الأميركية المتعاقبة وحكام الخنوع من أعراب الخليج، لسلب فلسطين، كلّ فلسطين، واقتلاع حقّ عودة الفلسطينيين إلى وطنهم من أذهان العالم من خلال إغلاق منظمة الأونروا لشؤون اللاجئين والتي تلت قرار ترامب، اعتبار القدس عاصمة للكيان الغاصب وفق القانون العنصري الإسرائيلي وصدور عشرات الإجراءات التعسفية والقوانين الصهيونية العلنية والسريّة، ينشغل الفلسطينيون أو القيادات الفلسطينية بإنهاء الانقسام المتأزم حول تفاصيل وقتية وتجاوز الخلافات الأبدية بينهم.

ظهر، ولأول مرة منذ عقود، تجرؤ دول العالم على قول كلمتها بكلّ وضوح، وبغض النظر عمّا يريده الأميركيون. ومن هذه الزاوية بالذات فإنّ تضخيم أهميّة "تحالف" كان قائماً بشكل غير رسميّ منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي هو محاولة للالتفاف على فشل ذريع وفضيحة كبرى، مُنيت بها الولايات المتحدة تحت أنظار العالم برمته.

لقد عملت الدعاية الغربيّة ومنذ عقود على تشويه مفاهيم أساسية ضرورية لمنعة بلداننا. فقد عكفت الدعاية الغربية ومنذ منتصف القرن الماضي على تشويه مفهوم الالتزام: كالأدب الملتزم والفن الملتزم واتهمت كلّ من ينتج أدباً أو فناً ملتزماً بأنّ أنتاجه سطحي ولا يرقى إلى المستوى العالمي، ذلك لأنّ الالتزام هو الموقف الأكيد الذي يهزم مخططاتهم عن أرضنا.

بما أنّهم لا يفصحون عن تاريخهم العدواني إلا بعد حين فعلينا اليوم أن نقرأ ما بدأوا بنشره عن جرائمهم في العراق وأن نقيس عليه ونستنتج ما هي أهداف خططهم "الجديدة" في سوريا وما هو السيناريو البديل الذي يعدّونه بعد أن شاهدوا قرب نهاية أدواتهم الإرهابية وأصابهم الذعر وعبّروا عنه في حالة من الهيستيريا كان يجب أن تكون محطّ سخط وسخرية شعوب العالم أجمع.

لقد انقضى الزمن الذي كان العالم يستمع إلى ما تقولون أيها المستعمرون، ولم يعد أحد يأخذكم على محمل الجدّ، واليوم نقرأ ما تقولون فقط لنكتشف مدى نفاقكم ومتاجرتكم بدماء الملايين من المدنيين من أجل الاستمرار بقواعد عدوانكم التي أرسيتموها من خلال حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من المدنيين عبر العالم، ولكن لديّ خبر صغير لكم: لقد تغيّر العالم من دون أن تدركوا ذلك، وأصبحت كلماتكم جوفاء صادرة عن إعلام كاذب يتاجر بدماء الشعوب المسالمة.

مع كلّ نجاح يحققه الجيش السوري، وحلفاؤه على الإرهاب في سوريا، ومع كلّ فرصة تلوح في الأفق لطيّ صفحة هذا العدوان، وعودة الدولة إلى كلّ أنحاء البلاد واستئناف الحياة الطبيعية للشعب السوري تتفتق العقلية الإستعمارية_الغربية عن سيناريوهات إرهابية، وخطوات عدوانية تهدف في مجملها إلى إبقاء استنزاف الشعب السوري، ومحاولة تحقيق التغيير في الفكر، والإرداة الذي فشلوا في تحقيقه من خلال استقدام آلاف الإرهابيين وتمويلهم، وتسليحهم، وإدارتهم وتسخير الإعلام الغربي والسعودي لصالحهم.

إنّ ما يجري في الجزيرة السورية اليوم من خلال وكلاء الولايات المتحدة وما يجري على الحدود العراقية يهدفان أوّلاً وأخيراً إلى الاستمرار في محاولة بثّ روح العرقية والطائفية، وتحويلها إلى واقع يصعب التغلّب عليه وتغييره تماماً كما فعلوا في العراق على مدى السنوات الماضية.

بعد الانتصارات التي فاجأت الأعداء وأثلجت صدور الأصدقاء، لا بدّ من البناء عليها وتعزيز ثقافة وطنية تفخر بكلّ منتج وطني، وتأبى على نفسها التمجيد بالأجنبيّ أو السير في ركابه ،لأن منتجاتنا الوطنية متجذرة بقيم أثبتت جدارتها وأنها تستحق الحياة العزيزة الكريمة.

لقد استهدف الكيان الصهيوني عقولاً عربية أبدعت في مجالات مختلفة من الأدب إلى الطب إلى الفيزياء إلى الفنون، والفلسفة، والفكر، وكلّ مرة بذرائع مختلفة، وبحجج حماية هذا الكيان، ولكنّ الحقيقة الأكيدة وراء كلّ هذه الاغتيالات هي إدراك هذا الكيان أن النخب المجتمعة في الاختصاصات هي التي تحرّك عجلة المجتمع، وهي التي تؤدي دوراً أساسياً، وفاعلاً في تقدّمه وازدهاره.

تكشّفت حقيقة هؤلاء ولم يعد أحد قادراً على نكرانها، وتراكمت طوال ثمان سنوات حقائق تثبت أن أصحاب الخوذ البيضاء هم أدوات في مخطط الحرب على سوريا الذي استهدف تدميرها، وتفتيت شعبها وضرب دورها العربي والإقليمي.

منذ انعقاد قمة بوتين وترامب في هلسنكي في 16 تموز الجاري والحوارات وتصريحات الرئيسين والأطراف الأخرى تلفت الانتباه إلى جدول أعمال القمة وتساعد على استنتاج ما جرى فيها وما جرى بعدها وما هو المتوقع أن يجري في المستقبل القريب والمتوسط.

الاستمرار في المسار الذي درجنا عليه منذ خمسين عاماً لن يغيّر من المعادلة في شيء، إذ لا بدّ من إعادة قراءة تاريخنا قراءة نقدية صريحة وكاشفة لنعترف على الأقل أن بعض ما وصلنا إليه اليوم هو من صنع أيدينا ولنضع النقاط على الحروف في المسائل الوجودية التي لا بدّ لنا من مواجهتها اليوم وإلا فإن الوقت سيكون متأخراً غداً.

لقد وجدت في حياة الصديق عمران الزعبي ووفاته ومجالس العزاء الحارة والصادقة التي أقيمت له، وجدت في كل ذلك درساً لجميع أصحاب المعالي وأنّ الناس قد لا تتذكر أيّ موقع تشغلون ولكنّها تتذكر ابتسامة في وجه محتاج مظلوم.

كانت المعركة الإعلامية بأهمية المعركة العسكرية والسياسية وانتصر بها الإعلام الوطني، والصديق، والحليف على مصادر الكذب وأدوات التلفيق والافتراء والخيانة، ولكن وقبل وخلال كلّ معركة من حلب إلى دير الزور إلى الغوطة إلى ريف حمص ومن ثمّ إلى الجنوب وما بعده نسمع للأسف أصواتاً ما زالت تؤمن بالحرب الدعائية الشنيعة التي يخطط ويروج لها الأعداء والخونة بحيث تصبح هذه الأصوات، من حيث تدري أو لا تدري جزءاً من هذه الحرب ضد مصالح بلدها وشعبها.

إذا ما أجرينا مقارنة بسيطة بين الأمس واليوم، فإننا نرى أنه وبعدما بدأت سوريا بتحرير مدنها وقراها من آثام الإرهاب بدءاً بالتحرير المفصلي لمدينة حلب إلى تحرير الغوطة، وريف دمشق كاملاً، وريف حمص، واليوم ريف درعا والجنوب، فإن الحملة السياسية الدولية على سوريا أصبحت حامية الوطيس وبكلّ الاتجاهات، وفي اختصاصات تشكّل بالنتيجة أكبر أذى للحرية، وحقوق المواطنيين السوريين حيثما وُجدوا.

المزيد