مقالات

إنّ التعامل الأخير قد أثبت من دون أدنى شك أنّ المهم بالنسبة للطبقة الرأسمالية الحاكمة في الغرب هو تراكم المزيد من المال عبر نهب ثروات الشعوب الأخرى وتحديداً النفط العربي، بغض النظر عن أنظمة حكم أو ما تقترفه هذه الدول من جرائم بحقّ شعبها أو بحقّ الإنسانية جمعاء.

لعلّ أهمّ ما يميّز هذه الذكرى لتقسيم فلسطين هو الانقسامات الحادة بين الفلسطينيين أنفسهم من جهة وسرعة عربة التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربيّة من جهة أخرى، وهذان الأمران متقاطعان ويتركان أثراً بالغاً على مستقبل الصراع وعلى المآل الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور في منطقتنا والعالم.

مشاريع أوطان

أتابع ومنذ فترة ما يجري على الساحتين الفلسطينية والتونسية والذي ينطبق أيضاً على بلدان عربية عديدة أخرى رغم اختلاف الحالة التاريخية والسياسية بين البلدين. إذ أنّ فلسطين جاثمة تحت استعمار استيطاني بغيض يتمدد في أذرعه الأخطبوطية ليجعل من علاقاته مع دول الإقليم والعالم ضمانة لاستمرار هذا الاحتلال وإخضاعه للشعب العربي وهيمنته العسكرية والسياسية والاقتصادية على المنطقة والمشاركة مع الغرب في نهب ثروات العرب واستعبادهم، بينما تونس شهدت أول ما أسموه بثورات "الربيع العربي" وخاضت انتخابات برلمانية ورئاسية وتشكلت فيها حكومات متعاقبة، ومع ذلك فإن أوجه الشبه تكاد تكون صاعقة بين جوهر ما يجري في هذين البلدين العربيين العزيزين وأسباب ما يجري بهما والأخطار المحدقة بهما على الطريق. فالمعضلة الأولى التي يعاني منها الممسكون بزمام الأمور في الحالتين هي الافتقار الأساسي إلى الحوار وغياب أي صيغة أو آلية يعمل وفقها أصحاب الشأن لكي يتمكنوا من التوصل إلى البوصلة التي تقودهم وتقود الشعب معهم إلى برّ الأمان.

مفترق طرق

دور إردوغان الكبير والمشؤوم في استقدام الإرهاب إلى سوريا والعراق، وتدمير ما تمكنوا من تدميره، وبناء قواعد عسكرية تركية في الخليج، ليس إلاّ توطئة لتعزيز زعامته الموكل بها من قبل الصهيونيين والأميركيين، وإن المال العربي يستخدم فقط لتقويض أي قوى عربية يمكن أن يحسب لها حساب في تعزيز مستقبل العرب. نحن نعيش اليوم في لحظة فارقة في التاريخ وعلى كلّ منا أن يدرك الى أين يؤدي به هذا المفترق الذي يتخذه.

رغم كلّ ما يتبجح به ترامب من قوة على إدارة الملفات والتي تتمثل أولاً وقبل كلّ شيء في العقوبات التي يهوى فرضها على الشعوب والبلدان فإنّ حركة التاريخ سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها تبرهن على أنّه لن يمسك بناصية الأمور لفترة طويلة وأنّ التاريخ سوف يذكره كأحد الأشخاص الذي سرّع بوصول الغرب إلى نهاية هيمنته على العالم والذي ساهم من حيث لا يدري بولادة عالم جديد لا يد له فيه ولا سمعة ولا رأي ولا قبول أبداً.

الواقع اليوم يتطلّب مراجعة ونظرة فاحصة ودقيقة لكلّ ما جرى لهذه الأمّة خلال نصف قرن مضى، وأخطر ما أوصل هذه الأمّة إلى حافّة الهاوية هو تغييب النخب وانحدار مستوى التعليم والغياب المطلق لمراكز الأبحاث والفكر وعدم إدراك سلّم الأولويات أبداً، فضلاً عن غياب الصدق في القول والعمل. الردّ اليوم على التطبيع يكون من خلال الثبات على المبادئ المحقّة المتعلقة بالحقوق، وإعادة تشخيص واقعنا بشكل سليم وجريء وإعادة الاعتبار إلى النخب والبحث والفكر والثقافة ووضع سلّم أولويات استراتيجية وتكتيكية وطني بامتياز.

قد تكون قضية الخاشقجي مفيدة لفهم كلّ ما قامت به الأطراف الخليجية والأميركية والتركية ذاتها من اعتداءات وإجرام بحقّ العراق وليبيا وسوريا واليمن. قد تكون قضية شخص مجهراً لفهم سياسات هذه الأطراف حيال دول وأمن وسلامة شعوب بكاملها.

العراق وسوريا مؤهلان لأداء هذا الدور على الساحتين العربيّة والإقليمية نتيجة ثقلهما الحضاري والمعرفي والثقافي والروحي أولاً، ونتيجة مساهمتهما من خلال صمودهما والتمسك بمبادئهما في تغيير المناخ الإقليمي والدولي لمصلحة أصحاب الحقّ، وضدّ كلّ الأعداء والخصوم الذين استهدفوا هذين البلدين بالذات.

بينما تخطّط الدوائر الصهيونية والإدارات الأميركية المتعاقبة وحكام الخنوع من أعراب الخليج، لسلب فلسطين، كلّ فلسطين، واقتلاع حقّ عودة الفلسطينيين إلى وطنهم من أذهان العالم من خلال إغلاق منظمة الأونروا لشؤون اللاجئين والتي تلت قرار ترامب، اعتبار القدس عاصمة للكيان الغاصب وفق القانون العنصري الإسرائيلي وصدور عشرات الإجراءات التعسفية والقوانين الصهيونية العلنية والسريّة، ينشغل الفلسطينيون أو القيادات الفلسطينية بإنهاء الانقسام المتأزم حول تفاصيل وقتية وتجاوز الخلافات الأبدية بينهم.

ظهر، ولأول مرة منذ عقود، تجرؤ دول العالم على قول كلمتها بكلّ وضوح، وبغض النظر عمّا يريده الأميركيون. ومن هذه الزاوية بالذات فإنّ تضخيم أهميّة "تحالف" كان قائماً بشكل غير رسميّ منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي هو محاولة للالتفاف على فشل ذريع وفضيحة كبرى، مُنيت بها الولايات المتحدة تحت أنظار العالم برمته.

لقد عملت الدعاية الغربيّة ومنذ عقود على تشويه مفاهيم أساسية ضرورية لمنعة بلداننا. فقد عكفت الدعاية الغربية ومنذ منتصف القرن الماضي على تشويه مفهوم الالتزام: كالأدب الملتزم والفن الملتزم واتهمت كلّ من ينتج أدباً أو فناً ملتزماً بأنّ أنتاجه سطحي ولا يرقى إلى المستوى العالمي، ذلك لأنّ الالتزام هو الموقف الأكيد الذي يهزم مخططاتهم عن أرضنا.

بما أنّهم لا يفصحون عن تاريخهم العدواني إلا بعد حين فعلينا اليوم أن نقرأ ما بدأوا بنشره عن جرائمهم في العراق وأن نقيس عليه ونستنتج ما هي أهداف خططهم "الجديدة" في سوريا وما هو السيناريو البديل الذي يعدّونه بعد أن شاهدوا قرب نهاية أدواتهم الإرهابية وأصابهم الذعر وعبّروا عنه في حالة من الهيستيريا كان يجب أن تكون محطّ سخط وسخرية شعوب العالم أجمع.

لقد انقضى الزمن الذي كان العالم يستمع إلى ما تقولون أيها المستعمرون، ولم يعد أحد يأخذكم على محمل الجدّ، واليوم نقرأ ما تقولون فقط لنكتشف مدى نفاقكم ومتاجرتكم بدماء الملايين من المدنيين من أجل الاستمرار بقواعد عدوانكم التي أرسيتموها من خلال حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من المدنيين عبر العالم، ولكن لديّ خبر صغير لكم: لقد تغيّر العالم من دون أن تدركوا ذلك، وأصبحت كلماتكم جوفاء صادرة عن إعلام كاذب يتاجر بدماء الشعوب المسالمة.

مع كلّ نجاح يحققه الجيش السوري، وحلفاؤه على الإرهاب في سوريا، ومع كلّ فرصة تلوح في الأفق لطيّ صفحة هذا العدوان، وعودة الدولة إلى كلّ أنحاء البلاد واستئناف الحياة الطبيعية للشعب السوري تتفتق العقلية الإستعمارية_الغربية عن سيناريوهات إرهابية، وخطوات عدوانية تهدف في مجملها إلى إبقاء استنزاف الشعب السوري، ومحاولة تحقيق التغيير في الفكر، والإرداة الذي فشلوا في تحقيقه من خلال استقدام آلاف الإرهابيين وتمويلهم، وتسليحهم، وإدارتهم وتسخير الإعلام الغربي والسعودي لصالحهم.

إنّ ما يجري في الجزيرة السورية اليوم من خلال وكلاء الولايات المتحدة وما يجري على الحدود العراقية يهدفان أوّلاً وأخيراً إلى الاستمرار في محاولة بثّ روح العرقية والطائفية، وتحويلها إلى واقع يصعب التغلّب عليه وتغييره تماماً كما فعلوا في العراق على مدى السنوات الماضية.

المزيد