مقالات - بثينة شعبان

في هذا الزمن تقف الصهيونية إيفانكا ترامب، التي أغدق عليها حكام السعودية المال والهدايا لأنها شرفتهم بزيارتها، فمنحوها مئات المليارات من الدولارات. تقف لتفتتح السفارة الأميركية في القدس ضد كلّ قرارات الشرعية الدولية، وقرارات الكونغرس الأميركي نفسه.

يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم برمّته على مفترق طرق وسط تساؤلات عما إذا كانت أوروبا قادرة على اتخاذ خط مستقلّ لنفسها عن السياسة الأميركية.

لا شك أن مئات المليارات التي دفعها حكام الخليج للولايات المتحدة والترليونات التي سيدفعونها قريباً كانت كفيلة بأن تحقق لهم زعامة في العالم العربي، إن استخدموها لتنمية البلدان العربية، وتعزيز مصادر قوتها، وتمنحهم من أسباب القوة ما لا تستطيع الولايات المتحدة تحقيقه لهم. لو أنهم أنفقوا جزءاً من هذا المال على التنمية، والتعليم في العالم العربي لوجدوا كلّ أسباب الدعم، والقوة التي تؤهلهم لنيل احترام خصومهم لهم بدلاً من تلقي الإهانات العلنية، والابتزاز مرة تلو الأخرى.

في عام 2005 اجتمعتُ في مقرّ وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن مع السيد وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأميركي في حينها، وكان معه إليوت أبراهام، الذي كان المتحدث الأساسي في بداية اللقاء، حيث أخذ يكيل التهم لسوريا ودورها في التدخل بالشأن العراقي ضدّ القوات الأميركية هناك. وبعد أن سرد بعضاً ممّا في ذهنه، استوقفْته وقلت له، قبل أن تكمل هذا السرد أودّ أن أقول لك إنّ ما تقوله لا علاقة له بحقيقة الأمور أبداً، وإنّ الواقع ينفي كلّ ما ورد على لسانك. فتوقّف عن الكلام ونظر إليّ نظرة متأملة ثم قال، وبكلّ ثقة: وما هي أهمية الحقيقة؟ ومن يُعير لها وزناً؟ المهمّ هو ما يعتقده الناس ويصدّقونه!!!

شكراً أدونيس لأنك وضعت إصبعك على أعمق جراح هذه الأمة، وأخطرها على الإطلاق ليس في مجال الشعر فقط وإنما في مجال الدين، والسياسة، والفكر، والعمارة، والزراعة، والصناعة، وتحرّر المرأة، وفي كل اختصاص يخطر لك على بال.

الردّ الحقيقي على عدوانهم واحتلالهم ومحاولاتهم لتصفية القضية الفلسطينية والاستهانة بالعرب والعروبة، هو المزيد من العلم والمزيد من المعرفة وتطوير قدراتنا المعرفية ودفاعاتنا الجوية ومختبراتنا وإنتاج كلّ ما من شأنه أن يؤمّن حاجات أجيالنا من دون الحاجة إليهم.

في خضّم استباحة القوى الاستعمارية الغربية لثروات، وسيادة، وسلامة البلدان تقوم أيضاً بانتهاك قدسية اللغة، ودورها الأساسي، والذي وُجد من أجل التعبير عن الحقائق، ونقلها إلى المستمعين، والمشاهدين.

لقد أصبح واضحاً اليوم، وبعد سبعين عاماً من احتلال استيطاني استعماري غاصب لأرض فلسطين، أنّ الأرض هي المبتدأ والمنتهى، وأنّ الأرض هي القصة الحقيقية، وهي الهدف الذي يبغون حيازته، ويرتكبون في سبيل ذلك أبشع المجازر عبر التاريخ.

ما يحاول الأميركيون والأتراك فعله اليوم في سوريا هو استكمال للمخطط الفاشل الذي بدأه الإرهابيون في مناطق عدّة في البلاد. وإذا كانوا لم يتعلموا ولم يوقنوا إلى حدّ اليوم، أن السوريين سيدافعون عن كرامة بلدهم، وعن قرارهم المستقل ضد أي قوة طاغية تحاول مصادرته. إذا لم يتيقنوا من ذلك إلى حدّ الآن، فسوف يدفعون ثمن غفلتهم مستقبلاً، وسوف يعلمون أي منقلب سينقلبون.

منذ زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الاتحاد السوفياتي في العام 1972 وحتى تفكيك الأخير في أوائل التسعينيات، وهم يعتمدون أساليب الترغيب والترهيب للخلاص من هذا المنافس الذي أثبت قوته وجدارته وجذبه لكثير من الدول والملايين من شعوب الأرض، وطوال تلك الفترة اصطفّت مشايخ الأعراب في السعودية والخليج وتركيا مع قوى البغي والعدوان والنهب الغربية بخنوع مستدام منذ ذلك الحين.

معظم دول العالم النامية تضع كلّ مقدراتها في معركة أو حدث ما، من دون أن تنتبه إلى تأريخ هذا الحدث، وإظهاره إلى الإعلام بالشكل الذي يجب أن تقرأه أو تراه أجيال المستقبل. ليس هناك ضيرٌ أبداً أن يتعلم المرء حتى من أعدائه، وقد برهن أسلوبنا على مرّ العقود أنه قاصر عن إدراك نقاط قوتنا، والتغلّب على نقاط الضعف التي لمسناها في أساليب المعالجة.

حين أصرّ الأميركيون على أسلوبهم المتعالي، واعتقادهم بأنّهم قوّة لا تُقهر، وضع الرئيس بوتين عناصر القوّة الرّوسية على الشاشة كي يروا أنّهم لن يتمكّنوا بعد اليوم من التلاعب بمصير البشر.

لقد كتبنا حين قصف الأميركيون الرّقة أنّ الهدف هو التطهير العرقي وتهجير أهلها العرب، وذلك قبل أن يعلن طلال سلو ذلك مؤخراً بالصوت والصورة. واليوم نقول إنّ هدف هذه الحملة الإعلامية الكونية حول الغوطة الشرقية هو إبقاء العصابات الإرهابية لعملاء إسرائيل في الغوطة ليحقّقوا حلم مشغّليهم الصهاينة بقصف العاصمة دمشق وقتل المزيد من السوريين خدمةً لمخططات الولايات المتحدة وإسرائيل وحكّام دول الخليج، والذين استهدفوا سوريا بهدف إلغاء موقعها وموقفها المقاوم، والذي هو اليوم الضمانة الوحيدة لإعادة انبعاث المقاومة والصمود على امتداد الجغرافية العربية.

قرأتُ وراقبتُ وسألت وحاورتُ زميلاتي وزملائي، وفهمتُ أنّ مجرّد وجودنا على هذه الأرض يعتبره البعض تهديداً لهم، حتى وإن لم نقم بأيّ حركة، وأنّه لا يطمئنهم شيء في الوجود سوى أن يرونا جثثاً هامدة لا حراك فيها، ولا قدرة لها على اجتراح أيّ فعل من أجل حياة حرّة كريمة. حين وصلتُ إلى قناعتي هذه بعد سنوات من طفولة حائرة تحاول أن ترسي على برّ في هذا الوجود العاصف بنا جميعاً والمربك للكبار والصغار على حدّ سواء، حينها قرّرتُ ألّا أخاف..

من ضمن السيناريوهات التي تتّبعها الإدارة الصهيونية الأميركية التواطؤ سراً مع أردوغان في عدوانه على الأراضي السورية، وخرقه المفضوح لاتفاقات أستانة، التي هو جزء منها وضامن لها على الورق. ولكن ما لا يحسب له حساب المسؤولون الأميركيون هو أن فلولاً من الغزاة، وعلى مدى قرون، قد لقوا حتفهم على أرض سوريا المقدّسة الطاهرة، وأنّ عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء.