مقالات - حمزة أبو شنب

لم تكن أحداث الانقسام الفلسطيني والصدام المسلح في منتصف عام 2007 إلا امتداداً لحالة الصراع بين برنامجين، وإن كان ظاهر الخلاف اشتد بسبب مكونات الحكم والسلطة بعد انتخابات عام 2006، فبذور الخلاف تصاعدت مع الخلاف على البرنامج السياسي ومسار التسوية للرئيس عباس.

الجهد السياسي المبذول تجاه قطاع غزّة، لا يؤثّر على تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية ومُراكمة القوّة، بل يحافظ على حاضنته الشعبية التي تعيش حالاً من الحصار المتواصل منذ أربعة عشر عاماً، ولا يوجد مقابله ثمن سياسي، وهو جزء من فلسفة التهدئة بين المقاومة والاحتلال في مرات عديدة وخاصة منذ انتفاضة الأقصى عام 2000 وانتهاءً بتهدئة 2014 قبل أربع سنوات.

مع كلِ موجةِ تصدٍّ للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة من قِبَل المقاومة الفلسطينية، يطفو على السطحِ تساؤل: هل غزّة على أعتابِ مواجهةٍ شاملةٍ؟ يأتي السؤال مُتزامِناً مع ذكرى عدوانيّ تموز/ يوليو على لبنان صيف 2006، وغزّة صيف 2014.

المشكلة ليست بين الضفة وقطاع غزة، بل في مشروع تسوية بسببه خسرنا أجزاءً كبيرةً من فلسطين الانتدابية، ومعظم الضفة الغربية، لذلك لا يوجد قضية حقيقية مرتبطة بالانفصال، إلا إذا وضعنا السلطة هي مشروعنا الأساسي الذي يجب أن نناضل من أجله، وهنا نكون قد وقعنا في مغالطة كبرى، وقدمنا المشروع الوطني على دويلة لا تملك سيادتها إلا بإذن الاحتلال، وبناء عليه أرى أن علينا إعادة تعريف ما هو الانفصال إن كنا نريد أن نخوض في برنامج وطني حقيقي قادر على مقارعة الاحتلال.

أمام هذه الروح الجماهيرية العالية يُطرح التساؤل المتكرّر: مسيرات العودة إلى أين؟ يترافق السؤال مع تزايد الأنباء التي تتحدّث عن إمكانية تخفيف الأزمة الإنسانية في قطاع غزّة التي تطرحها عدة أطراف، كما ترافقت مع رسائل قوية من الاحتلال تهدّد فيها قيادة حركة حماس بالعودة إلى الاغتيالات التي لم تتوقّف.

صحيح بأن العدو يلجأ إلى استخدام القوّة والقوّة المفرطة في التعامُل مع المتظاهرين إلا أنه يفشل في عملية جزّ العشب تجاههم، فهو عدو مجرم لا يحتاج إلى المبرّرات لاستخدام القوّة المفرطة تجاه الشعب الفلسطيني، لا شك أن المطلوب هو العمل على تقليل الخسائر قدر الممكن، والمحافظة على ديمومة الحراك ومساره الصحيح.

تُدرِك إسرائيل بأن مواجهة مصانع الأسلحة تتطلّب توجيه ضربة عسكرية محدودة للتخلّص من القدرات النوعية، لكنها في الوقت نفسه مازالت تعيش حالة من عدم القدرة على اتخاذ القرار النهائي، فالتنبؤ الاستخباري الإسرائيلي لم يستطع تقدير آليات رد حزب الله على مثل هذه الضربة، في الوقت الذي تدرك فيه الأوساط الإسرائيلية بأن أيّ رد فعل لحزب الله ستكون انعكاساته مُدمّرة على الجبهة الداخلية، وقد تفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية.

لا يمكن القول بأننا أمام حراك حقيقي في ملف الجنود والأسرى الفلسطينيين، فالحكومة الحالية برئاسة نتنياهو غير قادرة على دفع الفاتورة مرة ثانية مع تزايد المخاطر والتهديدات من محرّري صفقة شاليط، وعلى الرغم من فشل الحكومات السابقة خلال العقدين الأخيرين خلال تفاوضهم مع حزب الله في لبنان وكتائب القسّام في فلسطين إلا أنها لا تمتلك الجرأة الكافية على تحمّل صفقات جديدة.

ربما تؤثر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وعلى رأسها جهاز الأمن العام (الشاباك)، والذي ينشط في ساحة سيناء بصورة فاعلة منذ عام 2011، في توجيه بعض أعمال التنظيم، إضافة إلى القدرة العالية للشاباك على الاختراق والتجنيد واستغلال المنحرفين في تحقيق بعض أهدافها، وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من اكتشاف بعض هذه الحالات، فإحدى معضلات الاحتلال هي تطور قدرات المقاومة القتالية، إلا أن وصول السلاح إلى قطاع غزة يمثل المعضلة الأكبر بالنسبة إليهم.

بات واضحاً بأن العلاقات بين حماس وإيران وقوى المقاومة تسير في اتجاهات مُتقدّمة، وهذا تعكسه الجديّة الإيرانية في العمل على رأب الصدع بين حماس وسوريا خلال المرحلة المقبلة بعد أن نجح في تخفيف الانسداد بينهما في زيارة أحد رموز حماس إلى دمشق، ما يعني بأن الفترة المقبلة تحمل بين طيّاتها ما هو ظاهر وما هو خفيّ في ردع إسرائيل.

شكّل نجاح ترامب فرصة كبيرة لليمين الإسرائيلي الحاكم في دولة الاحتلال، لما يمكنه من تعزيز خطواته في تهويد القدس والتهام الضفة الغربية، فرئيس الحكومة اعتبره "صديقاً حقيقياً لدولة إسرائيل"، وزعيم البيت اليهودي بينيت اعتبر فوز ترامب هو إنتهاء عهد الدولة الفلسطينية، وبقرار ترامب يسجل نتنياهو واليمين الإسرائيلي انتصاراً هاماً ليس على الصعيد الدبلوماسي بل بالقضاء على البرنامج السياسي لليسار الإسرائيلي والتائهين العرب المهرولين نحو التسوية.

منذ انتهاء حركة حماس من انتخاباتها الداخلية بتولي إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي، ويحيى السنوار قيادة قطاع غزّة، والشيخ صالح العاروري قيادة الضفة الغربية، ثم نائب رئيس المكتب السياسي، والحركة تشهد خطوات سريعة نحو آفاق الانفتاح وتحسين العلاقات مع كافة الأطراف، ولقد شّكلت زيارة السنوار لمصر منعطفاً هاماً في خروج حماس من حال الحصار والمراوحة في المكان التي كانت مُتّبعة خلال السنوات الثلاث الماضية.

حاز مصطلح "صفقة القرن" على نقاشات متعدّدة مع تولّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية في كانون الثاني/ يناير الماضي، وتعالت التخوّفات بشأن تصفية قضية فلسطين بتطبيع بعض الدول العربية الخليجية مع إسرائيل، ربما نجح الاحتلال في فتح ثغرات في جدار العلاقة مع بعض الدول الخليجية، إلاّ أن ذلك لا يعني بأننا أمام صفقة قرن كما يتم تضخيمها من قِبل الولايات المتحدة الأميركية. 

منذ زيارة رئيس حركة حماس في قطاع غزّة يحيى السنوار منتصف يونيو الماضي للقاهرة، والعلاقات بين مصر وحماس تشهد تحسناً ملحوظاً، وتوالت الوفود الحمساوية إلى القاهرة للتباحُث بالموضوعات السياسية والأمنية ومحاولة تخفيف مُعاناة سكان قطاع غزّة.

العلاقات بينهما ليست وليدة اللحظة، فقد بدأت منذ عام 1990، وتطورت بعد أن زار وفد حمساوي طهران عام 1991 للمشاركة في مؤتمر دعم الانتفاضة. وساهمت محطة مرج الزهور في توسيع العلاقة مع إيران والانفتاح على حزب الله، نظراً لاتساق رؤيتهما بوجوب تحرير فلسطين كاملة من بحرها إلى نهرها، وعدم الاعتراف بإسرائيل، والتعاون في مسار المقاومة المسلحة، وتعززت العلاقات بعد تعيين ممثل لحماس في طهران

المزيد