مقالات - حياة الحويك عطية

غير أن هذا الفرز هو بحد ذاته فرز للدول التي ترعى كلاً من هذه الفصائل، وتعامل ناري- سياسي معها. قطر السعودية، الإمارات و تركيا. ومن ناحية أوسع فرز دولي لمحاور النظام العالمي الجديد الذي أعلن الحمل به عام 2007 وأعلنت ولادته الرسمية عام 2018. وستكرس تسميته عبر المعارك الانتخابية المنتشرة من الصين إلى روسيا إلى كوبا إلى فنزويلا .... وغداً إلى سوريا.

روسيا ساعدت في الضغط على سوريا للتخلّص من السلاح الكيماوي، فهل ستعوّض ذلك بحماية سوريا ومحور المقاومة من الهجمة الغربية – الإسرائيلية الهادِفة إلى التخلّص من السلاح الصاروخي ؟ وبالتالي هل يصبّ خطاب بوتين في سياق توجّه روسي نحو الغرب أو في سياق توجّه تحالف ممتد من موسكو حتى بيروت في وجه الغرب وأتباعه ؟ وإذا كان من المحسوم أن موسكو مُلتزمة أمن إسرائيل ومنع مهاجمتها، هل ستلتزم بالمقابل بتحجيم دورها وردعها عن أي اعتداء؟ ردع لا يكون إلا بتوازُن رعب يعتمد أساساً على منظومة الصواريخ.

الحملة الإعلامية الأطلسية والعربية التابعة لا تمانع في موت أهل الغوطة طالما أنهم يشكّلون مادة لشيطنة الجيش السوري ولتنفيذ مخطّطات مُشغّلي المسلحين. ولا يكترث لموت أهل دمشق طالما أن استهدافهم قد يشكّل ضغطاً على الدولة لمنع تطهير الغوطة من إرهابييه. ولكنه يجنّ لموت التنظيمات الإرهابية، مادياً ومعنوياً، لأن تحرير الغوطة سيعني تحرير دمشق كلياً، تأمينها وفقدان ورقة الضغط الأهم على الدولة.

كان للفلسطينيين صورة أصلية archetype هي صورة المرأة بالثوب المطرّز الخاص والمنديل الأبيض وهي تدفع الجندي الإسرائيلي بيديها، وتدافع عن خصوصيتها الوطنية بمظهرها. وجهد الإعلام الغربي ليستبدلها بصورة نمطية ( stereotype ) مقموعة مُغلّفة بالسواد قادرة على أن تستنهض في وجدان الرأي العام الغربي حسّ العداء في مقابل صورة الإسرائيلية التي تشبهه، وجاءت عهد التميمي لترسم صورة أيقونة جديدة ( prototype ) تشكّل بحد ذاتها حملة إعلامية لا مجال لدحضها.

يمكن أن نفهم كيف عملت الولايات المتحدة، ومن ورائها أوروبا، على دعم السلام السياسي، ومن ثم تنظيماته المسلّحة، وكيف خلقت داعش. كما يمكن أن نفهم لماذا أنقذ مقاتلو داعش بالطائرات أو بفتح الممرات الآمنة ليعاد استيعابهم ضمن ما يُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية وإعادة تأهيلهم لجعلهم المكوّن الأساس لما يُسمّى بحرس الحدود الذي اقترح أن يمسك الحدود بين تركيا وسوريا.

أن يُطلق على عملية اجتياح عسكري دام لدولة ذات سيادة إسم "غصن الزيتون" لا يُعيدنا إلاّ إلى عبد الرحمن الكواكبي مُطلاً من حلب على الحدود الشمالية لسوريا، ليكتب من جديد عن "المفاهيم المقلوبة" ، تماماً كما كتب عنها مقاوماً الاستعمار العثماني قبل الحرب العالمية الثانية. يومها لوحّت تركيا لفرنسا باحتمال إحياء التحالف الألماني –العثماني ، فوافقت وريثة الرجل المريض في سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا الأم وإلحاقه بتركيا. من دون أن يمنع ذلك أنقرة، بعد اندلاع الحرب، من الرقص على الإيقاع النازي مستغلّة حاجة هملر إلى طرقات آمنة للوصول إلى مناطق الانتداب الفرنسي في سوريا خصوصاً عندما سيطرت قوات "فيشي" الفرنسية الموالية لألمانيا على سوريا ولبنان.

الحرب على سوريا انتهت، بالمعنى المصيري لانتهاء الحروب، أي بما لا يتناقض مع إمكانية استمرار العمليات لمدّة قد تقصر وقد تطول وفق الظروف الموضوعية ، التي تتضمّن ظروف التفاهمات الاقليمية والدولية حول ما بعد الحرب، سواء تفاهمها في ما بينها أو تفاهمات كل منها مع الدولة السورية .

خلال سنوات كتبت ما يزيد على مئتي مقال عن اليمن. ولكنني لم أكتب في الحرب الأخيرة. كان ثمة كرة حارقة في الحلق، عجز عن التعبير. كبرياء الكبار في هذا البلد هذا يحمّلونه لأطفالهم، حتى إذا تسوّلوا تسوّلوا قلماً... وهو ما يقع على رأس استهدافات الحرب عليهم، كَسْر الكبرياء، تدمير الرُباعي الخطير: الثورة - الوحدة – الحضارة – الكبرياء. فإن استعصى عليهم الكبار، جوّعوا الأطفال وتركوهم للمرض كي يحقّقوا مستقبلاً ما عجزوا عنه في الحاضر.

هذا التوجّه شرقاً هو الرهان الجديد في النظام العالمي الجديد الذي رسمته سوريا بدعم شرقي. رهان لن تتخلّى فيه الولايات المتحدة وأوروبا عن الضغط لأجل الإبقاء على جزء من التوجّه غرباً، سواء في مشاريع إعادة الإعمار أو في خطوط الطاقة وإمداداتها أو في ما سيستجد من ثرواتها الغازية والنفطية. هذا الضغط، ستمارسه أميركا بواسطة قوات "قسد"، وبواسطة قاعدتها في التنف لتهديد غرب الفرات، وبواسطة مَن توجّهه من التنظيمات المسلّحة، مباشرة أو بواسطة الدول الخليجية وإسرائيل، خاصة في الجنوب.

الرهان الأكبر المقبل سيكون اليمن. فالسعودية التي فشلت في كل الساحات بعيداً عن حدودها، لا تتحمّل فشلاً على تلك الحدود. ومن هنا تخوض هناك الآن معركة مصير لا معركة هيمنة أو سلطة توسّعية.

في منطقتنا، طرح الكثيرون مفاهيم مقاربة، لكن أحداً لم يبلور هذه الرؤية بوضوح منذ الثلاثينات، كما فعل انطون سعادة: القومية الاجتماعية، المتجاوزة للعرق والإثنية والدين والطوائف، إلى نعت واحد؛ المواطنة الناتجة عن تفاعل الإنسان مع الأرض فترة زمنية تسمى التاريخ، تفاعل تنجم عنه ثقافة ولغة وخط فكري ذو خصوصية عامة توحّد الجميع وتصون لهم خصوصياتهم وحرياتهم الدينية والدنيوية على حد سواء.

عندما نضع هذه المعادلة على أرض الحرب العالمية في سوريا، ونقف أمام سلوكها الآن منحدر النهاية، (وإن كنا لا نعرف كم ستطول)، فإننا نعرف بداهة أن المتضرر الأول هو سوريا التي خسرت الكثير لكنها استطاعت أن تربح حرباً عالمية ضدها وعلى أرضها وأن تحقق انتصارين: استمرار الدولة بكل مؤسساتها، ووحدة أراضيها، وعليه، فمن مصلحتها إنهاء الحرب للعودة إلى البناء. بالمقابل هناك المستفيدون من الحرب الذين لا يريدون انتهاءها.

تظل دير الزور الرهان الأكبر، فمن سيرث داعش في 40% من نفط سوريا؟ وهنا يتمظهر الصراع بين قسد = الأميركي ( الخط الممتد بين ريف الحسكة الجنوبي وريف دير الزور الشمالي الشرقي وريف دير الزور الشرقي) والجيش السوري مدعوماً بالروسي، الذي عبر إلى شرق الفرات في زمن قياسي كاسراً كل الخطوط الحمر وملغياً ما اعتبره الأميركيون خطاً فاصلاً، أي النهر. وما كانوا يريدونه من الاحتفاظ بجزء كبير يطرحونه على طاولة المفاوضات.

هي على الخريطة شمال فلسطين وشمال الأردن وشمال وشرق لبنان. كلها جنوبها. كلها سُلِخت عنها في سايكس بيكو . سايكس بيكو تفسر تواطؤهم الرسمي عليها. ولكن اياً منهم لم يكن شعبياً اجماع الدفاع عنها وعن سيادتها كي لا تحدث سايكس بيكو جديدة لاتقوم على أساس جغرافي كالأولى وإنما على أساس عرقي وطائفي ومذهبي.

حول طاولة السيدة الكبيرة نتشاور، مجموعة من الخبراء، من عدة اقطار عربية، في كيفية تأريخ اولي للحرب على سورية. بل بالأحرى رواية الحرب كل من خلال تخصصه. نجاح العطار صاحبة الدعوة والمشروع تدير النقاش بكل وضوح رؤيتها، هدوئها المهذب، وصرامتها في مفاهيمها، خاصة العروبة وفلسطين. لم ندخل في المضمون وانما فقط في الهيكلية والعناوين والاسماء، رغم ذلك فالأمر يحتاج الى ساعات طويلة. نعود الى الفندق في المساء ونستكمل الحديث فيما كان وما سوف يكون. لكن في المساء نداء آخر، للخروج ، للقاء الاصدقاء، الناس والشوارع بعيدا عن الافكار والوثائق.