مقالات - حياة الحويك عطية

واقع يكرّسه خطاب يتناول المواطنين ويصنّفهم بحسب انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية. وقد لا ننتبه إلى أن هذا  الخطاب هو تفتيتي سواء تناول هؤلاء بالذّم والتكفير أو حاول التقرّب منهم بالمدَح.

هو تضارب أو على الأقل افتراق الأهداف. باختصار ما يميّز المقاربات الدولية المختلفة لمسألة الوجود العسكري الأميركي في شرق الفرات.

ومن هنا تبدى تناقض حاد: أميركا الحمائية تريد اخضاع أوروبا أكثر فأكثر لتبعيتها كي لا تنحاز ولو جزئياً إلى منافسيها من القوى الصاعدة. وأوروبا تجد في هذه التحولات فرصة للافلات وتحقيق استقلاليتها. هو وضع قائم منذ الحرب العالمية الثانية، ولم يكن انزال النورماندي في فهم ديغول هو نفسه في فهم روزفلت. الأول كان مرغماً ومضطراً للاستعانة بالأميركي لتحرير بلاده من النازي، والثاني أراد أن يحررها ليلحقها بدائرة هيمنته.

والسؤال الخطير هو: هل فتح البازار منذ إعلان الجريمة أم أنه بازار تمت تهيئته منذ الاستعدادات لها، عبر نصيحة للرجل الذي ظن نفسه قائد رأي عام بالذهاب إلى تركيا، ونصيحة الأمير الموتور الجاهل بالتخلص من خصمه؟

كل من يفهم لعبة السياسة والإعلام يفهم ببساطة أن فيلم الرعب الهوليودي الطويل الذي فرض علينا طيلة ثلاثة أسابيع لم يكن إلا غطاءاً نارياً هائلاً للعمليات التي كانت تتم تحته. عمليات التفاوض والصفقات. وحتى التسريبات المتارجحة، التي جعلت البعض يتخيل أنه اقترب من الحقيقة، لم تكن إلا وسائل ضغط في العمليات هذه. تحت هذا الضجيج الإعلامي غير المسبوق لم يتوقف الناس ليسالوا أية رهانات كبرى تقع وراءه لتجعله بهذا الحجم؟

قبل أن تعود سورية إلى موقعها في الجامعة العربية في القاهرة، عادت الدراما السورية الى موقعها على الخريطة العربية في الاسكندرية. واذ أن احتلال سورية صدارة المشهد الدرامي لم يكن جديداً، وفي المهرجانات المصرية تحديداً، إلا أن السنوات العجاف كادت تقول بأنّ دمشق ستغيب أو تغيّب نهائياًَ عن المشهد الفني والثقافي العربي.

قد تكون هذه الفترة الفاصلة هي فترة الضغوط الأشدّ سواء على إيران أو على سوريا أو على الفلسطينيين. وقد رأينا الإعلام الأطلسي يعود إلى التهديد بتحريك مقاتلي الجنوب خاصة في درعا، وذلك بحجّة أن انسحاب الروس سيجعلهم عرضة لانتقام النظام. كذلك، ربما ترك المجال مفتوحاً لمزيد من الضربات الجوية الإسرائيلية أو الإرهابية.

هنا يقف المعسكر المهدّد ليطرح مقايضة  عبّرت عنها افتتاحية لوموند ليوم 6 أيلول : " المعادلة بسيطة، الولايات المتحدة تنسحب، موسكو تصبح الحكَم، بوتين يريد منا أن نساهم في إعادة الإعمار في سوريا التي يبقي على رأسها بشار الأسد. إذن أمام الأوروبيين رافعة واحدة: أن يوظفوا ذلك لأجل الحصول على أمرين : تفادي هذا السيناريو ( الفوضى واللاجئين)  ولفرض الانتقال السياسي في دمشق". 

العقد دولية، إقليمية، وفي أقلها داخلية لأن الدولة السورية هي وحدها حاضرة الإرادة داخل سوريا، مهما بلغت علاقاتها بحلفائها من القوة ومهما كانت مدينة لهم بالمساندة. لأنها، وببساطة، أعطت كلاً منهم فضلاً جوهرياً هو فضل البقاء، فلو سقطت الدولة في سوريا لكان الإرهابيون ومًن وراءهم في موسكو وطهران وكامل لبنان، بل وحتى كامل الدول العربية التي تآمرت على سوريا وحمت وموّلت واحتضنت مخرّبيها.

وكذا كان الجيش العربي السوري وحلفاؤه يدافعون بدمائهم، ليس فقط عن وجود سوريا ووجودنا الفعلي وإنما عن مصالح البلاد والمنطقة. هكذا رحنا نسمع عن جسر اقتصادي للحل مرتبط بشكل جوهري بملف إعادة الإعمار.

لن يكون ما بعد الحرب السورية كما قبلها. مُعطى يبدو بديهياً للوهلة الأولى. وقد يفهم منه تغيير ما يطرأ على الساحة السورية. لكن الواقع أن الأمر أكبر وأوسع من ذلك.

هل تكفي هذه الاستراتيجية الصهيونية المُزمنة، ودور اللوبي في واشنطن لتفسير ما رعته الولايات المتحدة من تدمير لدول المنطقة ، بعد أن برهن احتلال العراق، بعد حرب لبنان، أن الحرب بالوكالة أقل كلفة وأن ما تؤدي إليه من تدمير ذاتي أكثر فاعلية؟ وكذلك لموقف دونالد ترامب الأخير من الاتفاق النووي الإيراني؟ أم أن هناك اعتبارات داخلية ودولية أخرى تلعب دورها في الصراع الدائر الآن ؟

"العمّة ميركل"، هو عنوان فيديو أهزوجة صوَّره بعض الجَهَلة، عام 2013 وهم يرقصون تحيّة للعمّة ميركل التي فتحت أبوابها للاجئين. صورة حيّة تعكس الوجه الآخر القاتِم من المسألة. الغوغاء الغبية التي تُهلّل لمَن يقبل المهاجرين، ولا تسأل مَن كان وراء تهجيرهم؟ ما هي السياسات المجرمة التي تآمرت وما تزال على تفكيك أوطانهم وتدمير ثرواتهم ونهبها لتحوّلهم من أصحاب حقوق إلى متسوّلي معونات إنسانية؟

في جميع بيوتنا طنجرة ضغط، ولكننا لم ننتبه إلى ما انتبه إليه هذا المُنظّر التجريبي ، وهو أنك عندما تقفل طنجرة الضغط وتضعها على النار فإنك تترك لها مُتنفسّاً صغيراً يصفّر باستمرار لكن استمرار اشتعال النار لا بد وأن يؤدّي إلى انفجار الطنجرة – الآنية بعد أن تجف الماء. وحتى لو انتبه الطبّاخ إلى ذلك قبل الانفجار فإنه لا يستطيع أن يفتح الآنية إلا بوضعها تحت الماء البارد طويلاً وإلا انفجرت بوجهه.

لا يستطيع الرئيس الفرنسي إلا وأن يقدّم فاتورة سياسية، يبرهن فيها أنه لم يتخل عن مطالب اللوبي الأطلسي ولا مطالب اللوبي الصهيوني ولا مطالب حلفائه من المموّلين. ولذلك قرن التأكيد على الحفاظ بأي ثمن على النووي الإيراني، مع ضمان عدم التخصيب بعد 2025 والتخلّي عن الصورايخ الباليستية ومناقشة الحضور الاقليمي. بنود ثلاثة أصبحت بمثابة عقدة القضية كلها لأنها تخصّ إسرائيل وحلفاءها في المنطقة. وإلا فما الذي يُخيف فرنسا من صواريخ إيران أو من حضورها في المنطقة؟

المزيد