مقالات - حياة الحويك عطية

"العمّة ميركل"، هو عنوان فيديو أهزوجة صوَّره بعض الجَهَلة، عام 2013 وهم يرقصون تحيّة للعمّة ميركل التي فتحت أبوابها للاجئين. صورة حيّة تعكس الوجه الآخر القاتِم من المسألة. الغوغاء الغبية التي تُهلّل لمَن يقبل المهاجرين، ولا تسأل مَن كان وراء تهجيرهم؟ ما هي السياسات المجرمة التي تآمرت وما تزال على تفكيك أوطانهم وتدمير ثرواتهم ونهبها لتحوّلهم من أصحاب حقوق إلى متسوّلي معونات إنسانية؟

في جميع بيوتنا طنجرة ضغط، ولكننا لم ننتبه إلى ما انتبه إليه هذا المُنظّر التجريبي ، وهو أنك عندما تقفل طنجرة الضغط وتضعها على النار فإنك تترك لها مُتنفسّاً صغيراً يصفّر باستمرار لكن استمرار اشتعال النار لا بد وأن يؤدّي إلى انفجار الطنجرة – الآنية بعد أن تجف الماء. وحتى لو انتبه الطبّاخ إلى ذلك قبل الانفجار فإنه لا يستطيع أن يفتح الآنية إلا بوضعها تحت الماء البارد طويلاً وإلا انفجرت بوجهه.

لا يستطيع الرئيس الفرنسي إلا وأن يقدّم فاتورة سياسية، يبرهن فيها أنه لم يتخل عن مطالب اللوبي الأطلسي ولا مطالب اللوبي الصهيوني ولا مطالب حلفائه من المموّلين. ولذلك قرن التأكيد على الحفاظ بأي ثمن على النووي الإيراني، مع ضمان عدم التخصيب بعد 2025 والتخلّي عن الصورايخ الباليستية ومناقشة الحضور الاقليمي. بنود ثلاثة أصبحت بمثابة عقدة القضية كلها لأنها تخصّ إسرائيل وحلفاءها في المنطقة. وإلا فما الذي يُخيف فرنسا من صواريخ إيران أو من حضورها في المنطقة؟

الأميركي ذهب إلى الاتفاق النووي مع إيران متوقعاً حصول "انقلاب جيوبوليتيكي"، وعندما لم يحصل انقلب على الاتفاق. هكذا يقول الباحث جان سيلفستر من مؤسسة توماس مور، الذي يمضي إلى تفسير الأمر: "بدلاً من ديمقراطية إسلامية مخفّفة ومُندرِجة في إطار العولمة، فإننا نرى جبهة روسية – شيعية تخترق الشرق الأوسط". إذن ليست القضية قضية أوباما وترامب. بل قضية خلخلة التوازن الدولي في منطقة الشرق الأوسط. هنا حيث الطاقة وإسرائيل. أما العولمة فإن ترامب نفسه يتخلّى عنها لصالح حمائية تنقذ اقتصاده. في حين تدافع عنها الصين التي باتت بحاجة إلى السوق العالمي لاستيعاب بضائعها. من هنا فإن المقصود هو الاندراج في العولمة كما كانت سنة الـ 90: أميركية وحسب.

يوم ولِدت – وأنا بلغت من العمر ملياً – كان للبنان خريطة سياسية مريضة، وعينا أمراضها وحلمنا شباباً بتغييرها. واليوم ارتفعت الأبواق الانتخابية ومن ثم هدأت في ما أسموه صمتاً، لتعود فترتفع مع النتائج. الخريطة لا تسجّل تغيّراً نحو الأفضل، وتجعلنا نقف أمام الصناديق – إن وقفنا – وبيدنا ورقة الضرورة لا ورقة الرضى.

ما يهمنا في قراءة المعادلات الجديدة القديمة هو قراءة مصالحنا، هو قراءة ما يحضر في الكواليس الغربية من جولات جديدة لسورية ولفلسطين، وربما في القادم القريب لمصر، إذا صحت الأنباء بأن قسماً من المقاتلين الذين انسحبوا إلى الشمال السوري قد نقلوا إلى سيناء عبر السودان. احتال ربما يؤشر على صحته بدء عمليات التباكي في الإعلام الأوروبي (من الفرنسي إلى بي بي سي) على الأوضاع الإنسانية في سيناء. مقابل تقارير تمجيدية لسد النهضة، واسترجاعية لأوضاع قناة السويس.

تبرز مقارنة أخرى هي مقارنة ما يحدث في سوريا مع ما حدث في العراق، أي الإنهاك بضربات جزئية وصولاً إلى الإجهاز. ولأجل التوازن أيضاً. خاصة وأن تشكيل فريق المُفتشين الدوليين يضرب في الوجدان العربي على وترٍ مؤلمٍ وجرحٍ كامنٍ في الذاكرة القريبة.

بعدها تهدأ حملات الصحافة الفرنسية والأوروبية عموماً، والتفسير واضح، زيارة ساركوزي المُرتقبة إلى دمشق في 3 أبلول/سبتمبر. والتي استبقها بزيارة إلى مصر، والإعلان عن قمّة رُباعية ستُعقد الخميس 4 في دمشق بمشاركة سوريا وفرنسا وتركيا وقطر، على أن تخصّص للمفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب. وعليه تعود الصحف لتبرز تأكيد ساركوزي من دمشق إن تحسّن العلاقات مع سوريا لا تجعله يغفل أمر الدولة العبرية، لوموند 4، أيلول/سبتمبر 2008، كما نلحظ من الصحف أيضاً عناوين تقول إن توتال ستوسّع استثماراتها في سوريا

في الغوطة، سوريا تحقّق رفع الضغط عن عاصمتها، مَن ينتصر عسكرياً هو الجيش السوري وحلفاؤه، ومَن يرعى التفاوض هو الروسي، والنتيجة ورقة جديدة بيد كليهما على طاولة المفاوضات. وبوتين سيعود إلى السلطة أقوى وقد أشهر صواريخه في وجه الغرب كأنه يذكّرهم بخروتشيف. فهل يعتبر عاقل أن لندن وواشنطن ستسمحا بذلك بسهولة؟ وأنهما ستقبلان باستعراض القوة الدولي الذي يقدّمه الرئيس الروسي في معركة لا يخوضها في الداخل بقدر ما يخوضها في وجه الغرب. من هنا تتقاطع الأمور بحيث تصبح التهمة الكيماوية لسوريا مقدّمة لاتّهام روسيا بالسلاح المُحرّم، والعكس صحيح . ثلاثة من عشرات المؤشّرات تقول ذلك.

غير أن هذا الفرز هو بحد ذاته فرز للدول التي ترعى كلاً من هذه الفصائل، وتعامل ناري- سياسي معها. قطر السعودية، الإمارات و تركيا. ومن ناحية أوسع فرز دولي لمحاور النظام العالمي الجديد الذي أعلن الحمل به عام 2007 وأعلنت ولادته الرسمية عام 2018. وستكرس تسميته عبر المعارك الانتخابية المنتشرة من الصين إلى روسيا إلى كوبا إلى فنزويلا .... وغداً إلى سوريا.

روسيا ساعدت في الضغط على سوريا للتخلّص من السلاح الكيماوي، فهل ستعوّض ذلك بحماية سوريا ومحور المقاومة من الهجمة الغربية – الإسرائيلية الهادِفة إلى التخلّص من السلاح الصاروخي ؟ وبالتالي هل يصبّ خطاب بوتين في سياق توجّه روسي نحو الغرب أو في سياق توجّه تحالف ممتد من موسكو حتى بيروت في وجه الغرب وأتباعه ؟ وإذا كان من المحسوم أن موسكو مُلتزمة أمن إسرائيل ومنع مهاجمتها، هل ستلتزم بالمقابل بتحجيم دورها وردعها عن أي اعتداء؟ ردع لا يكون إلا بتوازُن رعب يعتمد أساساً على منظومة الصواريخ.

الحملة الإعلامية الأطلسية والعربية التابعة لا تمانع في موت أهل الغوطة طالما أنهم يشكّلون مادة لشيطنة الجيش السوري ولتنفيذ مخطّطات مُشغّلي المسلحين. ولا يكترث لموت أهل دمشق طالما أن استهدافهم قد يشكّل ضغطاً على الدولة لمنع تطهير الغوطة من إرهابييه. ولكنه يجنّ لموت التنظيمات الإرهابية، مادياً ومعنوياً، لأن تحرير الغوطة سيعني تحرير دمشق كلياً، تأمينها وفقدان ورقة الضغط الأهم على الدولة.

كان للفلسطينيين صورة أصلية archetype هي صورة المرأة بالثوب المطرّز الخاص والمنديل الأبيض وهي تدفع الجندي الإسرائيلي بيديها، وتدافع عن خصوصيتها الوطنية بمظهرها. وجهد الإعلام الغربي ليستبدلها بصورة نمطية ( stereotype ) مقموعة مُغلّفة بالسواد قادرة على أن تستنهض في وجدان الرأي العام الغربي حسّ العداء في مقابل صورة الإسرائيلية التي تشبهه، وجاءت عهد التميمي لترسم صورة أيقونة جديدة ( prototype ) تشكّل بحد ذاتها حملة إعلامية لا مجال لدحضها.

يمكن أن نفهم كيف عملت الولايات المتحدة، ومن ورائها أوروبا، على دعم السلام السياسي، ومن ثم تنظيماته المسلّحة، وكيف خلقت داعش. كما يمكن أن نفهم لماذا أنقذ مقاتلو داعش بالطائرات أو بفتح الممرات الآمنة ليعاد استيعابهم ضمن ما يُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية وإعادة تأهيلهم لجعلهم المكوّن الأساس لما يُسمّى بحرس الحدود الذي اقترح أن يمسك الحدود بين تركيا وسوريا.

أن يُطلق على عملية اجتياح عسكري دام لدولة ذات سيادة إسم "غصن الزيتون" لا يُعيدنا إلاّ إلى عبد الرحمن الكواكبي مُطلاً من حلب على الحدود الشمالية لسوريا، ليكتب من جديد عن "المفاهيم المقلوبة" ، تماماً كما كتب عنها مقاوماً الاستعمار العثماني قبل الحرب العالمية الثانية. يومها لوحّت تركيا لفرنسا باحتمال إحياء التحالف الألماني –العثماني ، فوافقت وريثة الرجل المريض في سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا الأم وإلحاقه بتركيا. من دون أن يمنع ذلك أنقرة، بعد اندلاع الحرب، من الرقص على الإيقاع النازي مستغلّة حاجة هملر إلى طرقات آمنة للوصول إلى مناطق الانتداب الفرنسي في سوريا خصوصاً عندما سيطرت قوات "فيشي" الفرنسية الموالية لألمانيا على سوريا ولبنان.

المزيد