مقالات - حياة الحويك عطية

هنا يقف المعسكر المهدّد ليطرح مقايضة  عبّرت عنها افتتاحية لوموند ليوم 6 أيلول : " المعادلة بسيطة، الولايات المتحدة تنسحب، موسكو تصبح الحكَم، بوتين يريد منا أن نساهم في إعادة الإعمار في سوريا التي يبقي على رأسها بشار الأسد. إذن أمام الأوروبيين رافعة واحدة: أن يوظفوا ذلك لأجل الحصول على أمرين : تفادي هذا السيناريو ( الفوضى واللاجئين)  ولفرض الانتقال السياسي في دمشق". 

العقد دولية، إقليمية، وفي أقلها داخلية لأن الدولة السورية هي وحدها حاضرة الإرادة داخل سوريا، مهما بلغت علاقاتها بحلفائها من القوة ومهما كانت مدينة لهم بالمساندة. لأنها، وببساطة، أعطت كلاً منهم فضلاً جوهرياً هو فضل البقاء، فلو سقطت الدولة في سوريا لكان الإرهابيون ومًن وراءهم في موسكو وطهران وكامل لبنان، بل وحتى كامل الدول العربية التي تآمرت على سوريا وحمت وموّلت واحتضنت مخرّبيها.

وكذا كان الجيش العربي السوري وحلفاؤه يدافعون بدمائهم، ليس فقط عن وجود سوريا ووجودنا الفعلي وإنما عن مصالح البلاد والمنطقة. هكذا رحنا نسمع عن جسر اقتصادي للحل مرتبط بشكل جوهري بملف إعادة الإعمار.

لن يكون ما بعد الحرب السورية كما قبلها. مُعطى يبدو بديهياً للوهلة الأولى. وقد يفهم منه تغيير ما يطرأ على الساحة السورية. لكن الواقع أن الأمر أكبر وأوسع من ذلك.

هل تكفي هذه الاستراتيجية الصهيونية المُزمنة، ودور اللوبي في واشنطن لتفسير ما رعته الولايات المتحدة من تدمير لدول المنطقة ، بعد أن برهن احتلال العراق، بعد حرب لبنان، أن الحرب بالوكالة أقل كلفة وأن ما تؤدي إليه من تدمير ذاتي أكثر فاعلية؟ وكذلك لموقف دونالد ترامب الأخير من الاتفاق النووي الإيراني؟ أم أن هناك اعتبارات داخلية ودولية أخرى تلعب دورها في الصراع الدائر الآن ؟

"العمّة ميركل"، هو عنوان فيديو أهزوجة صوَّره بعض الجَهَلة، عام 2013 وهم يرقصون تحيّة للعمّة ميركل التي فتحت أبوابها للاجئين. صورة حيّة تعكس الوجه الآخر القاتِم من المسألة. الغوغاء الغبية التي تُهلّل لمَن يقبل المهاجرين، ولا تسأل مَن كان وراء تهجيرهم؟ ما هي السياسات المجرمة التي تآمرت وما تزال على تفكيك أوطانهم وتدمير ثرواتهم ونهبها لتحوّلهم من أصحاب حقوق إلى متسوّلي معونات إنسانية؟

في جميع بيوتنا طنجرة ضغط، ولكننا لم ننتبه إلى ما انتبه إليه هذا المُنظّر التجريبي ، وهو أنك عندما تقفل طنجرة الضغط وتضعها على النار فإنك تترك لها مُتنفسّاً صغيراً يصفّر باستمرار لكن استمرار اشتعال النار لا بد وأن يؤدّي إلى انفجار الطنجرة – الآنية بعد أن تجف الماء. وحتى لو انتبه الطبّاخ إلى ذلك قبل الانفجار فإنه لا يستطيع أن يفتح الآنية إلا بوضعها تحت الماء البارد طويلاً وإلا انفجرت بوجهه.

لا يستطيع الرئيس الفرنسي إلا وأن يقدّم فاتورة سياسية، يبرهن فيها أنه لم يتخل عن مطالب اللوبي الأطلسي ولا مطالب اللوبي الصهيوني ولا مطالب حلفائه من المموّلين. ولذلك قرن التأكيد على الحفاظ بأي ثمن على النووي الإيراني، مع ضمان عدم التخصيب بعد 2025 والتخلّي عن الصورايخ الباليستية ومناقشة الحضور الاقليمي. بنود ثلاثة أصبحت بمثابة عقدة القضية كلها لأنها تخصّ إسرائيل وحلفاءها في المنطقة. وإلا فما الذي يُخيف فرنسا من صواريخ إيران أو من حضورها في المنطقة؟

الأميركي ذهب إلى الاتفاق النووي مع إيران متوقعاً حصول "انقلاب جيوبوليتيكي"، وعندما لم يحصل انقلب على الاتفاق. هكذا يقول الباحث جان سيلفستر من مؤسسة توماس مور، الذي يمضي إلى تفسير الأمر: "بدلاً من ديمقراطية إسلامية مخفّفة ومُندرِجة في إطار العولمة، فإننا نرى جبهة روسية – شيعية تخترق الشرق الأوسط". إذن ليست القضية قضية أوباما وترامب. بل قضية خلخلة التوازن الدولي في منطقة الشرق الأوسط. هنا حيث الطاقة وإسرائيل. أما العولمة فإن ترامب نفسه يتخلّى عنها لصالح حمائية تنقذ اقتصاده. في حين تدافع عنها الصين التي باتت بحاجة إلى السوق العالمي لاستيعاب بضائعها. من هنا فإن المقصود هو الاندراج في العولمة كما كانت سنة الـ 90: أميركية وحسب.

يوم ولِدت – وأنا بلغت من العمر ملياً – كان للبنان خريطة سياسية مريضة، وعينا أمراضها وحلمنا شباباً بتغييرها. واليوم ارتفعت الأبواق الانتخابية ومن ثم هدأت في ما أسموه صمتاً، لتعود فترتفع مع النتائج. الخريطة لا تسجّل تغيّراً نحو الأفضل، وتجعلنا نقف أمام الصناديق – إن وقفنا – وبيدنا ورقة الضرورة لا ورقة الرضى.

ما يهمنا في قراءة المعادلات الجديدة القديمة هو قراءة مصالحنا، هو قراءة ما يحضر في الكواليس الغربية من جولات جديدة لسورية ولفلسطين، وربما في القادم القريب لمصر، إذا صحت الأنباء بأن قسماً من المقاتلين الذين انسحبوا إلى الشمال السوري قد نقلوا إلى سيناء عبر السودان. احتال ربما يؤشر على صحته بدء عمليات التباكي في الإعلام الأوروبي (من الفرنسي إلى بي بي سي) على الأوضاع الإنسانية في سيناء. مقابل تقارير تمجيدية لسد النهضة، واسترجاعية لأوضاع قناة السويس.

تبرز مقارنة أخرى هي مقارنة ما يحدث في سوريا مع ما حدث في العراق، أي الإنهاك بضربات جزئية وصولاً إلى الإجهاز. ولأجل التوازن أيضاً. خاصة وأن تشكيل فريق المُفتشين الدوليين يضرب في الوجدان العربي على وترٍ مؤلمٍ وجرحٍ كامنٍ في الذاكرة القريبة.

بعدها تهدأ حملات الصحافة الفرنسية والأوروبية عموماً، والتفسير واضح، زيارة ساركوزي المُرتقبة إلى دمشق في 3 أبلول/سبتمبر. والتي استبقها بزيارة إلى مصر، والإعلان عن قمّة رُباعية ستُعقد الخميس 4 في دمشق بمشاركة سوريا وفرنسا وتركيا وقطر، على أن تخصّص للمفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب. وعليه تعود الصحف لتبرز تأكيد ساركوزي من دمشق إن تحسّن العلاقات مع سوريا لا تجعله يغفل أمر الدولة العبرية، لوموند 4، أيلول/سبتمبر 2008، كما نلحظ من الصحف أيضاً عناوين تقول إن توتال ستوسّع استثماراتها في سوريا

في الغوطة، سوريا تحقّق رفع الضغط عن عاصمتها، مَن ينتصر عسكرياً هو الجيش السوري وحلفاؤه، ومَن يرعى التفاوض هو الروسي، والنتيجة ورقة جديدة بيد كليهما على طاولة المفاوضات. وبوتين سيعود إلى السلطة أقوى وقد أشهر صواريخه في وجه الغرب كأنه يذكّرهم بخروتشيف. فهل يعتبر عاقل أن لندن وواشنطن ستسمحا بذلك بسهولة؟ وأنهما ستقبلان باستعراض القوة الدولي الذي يقدّمه الرئيس الروسي في معركة لا يخوضها في الداخل بقدر ما يخوضها في وجه الغرب. من هنا تتقاطع الأمور بحيث تصبح التهمة الكيماوية لسوريا مقدّمة لاتّهام روسيا بالسلاح المُحرّم، والعكس صحيح . ثلاثة من عشرات المؤشّرات تقول ذلك.

غير أن هذا الفرز هو بحد ذاته فرز للدول التي ترعى كلاً من هذه الفصائل، وتعامل ناري- سياسي معها. قطر السعودية، الإمارات و تركيا. ومن ناحية أوسع فرز دولي لمحاور النظام العالمي الجديد الذي أعلن الحمل به عام 2007 وأعلنت ولادته الرسمية عام 2018. وستكرس تسميته عبر المعارك الانتخابية المنتشرة من الصين إلى روسيا إلى كوبا إلى فنزويلا .... وغداً إلى سوريا.

المزيد