مقالات - رفعت سيد أحمد

لايتوقف النظام السعودي عن محاولاته الدؤوبة لاختراق الأزهر وزرع الفكر الوهابي التكفيري بداخله، تارة يأخذ الاختراق شكل دعوة لعلماء الأزهر ليدرسوا في جامعات السعودية بمقابل مادي سخي للغاية، لإفسادهم وإخضاعهم لقبول ذلك الفكر الذي يقف خلف (الريال) المدفوع لهم.

كانت هناك أيضاً المؤامرة الدولية والخليجية ضده والتي كشفتها الوثائق الجديدة التي خرجت من أميركا وإسرائيل قبل عدّة شهور، لتؤكد تعدّد أسباب الهزيمة والتي بالتأكيد ورغم وجود المؤامرة. إلا أنها لا تعفيه من المسؤولية، ولا تجعلنا نؤمن بأنها كانت نكسة بل كانت هزيمة في معركة غير متكأفئة. سرعان ما استعد لها جيش عبد الناصر برجاله العظام وقتها (الشهيد الفريق عبدالمنعم رياض .. وإبراهيم الرفاعي _ والفريق محمّد فوزي .. وغيرهم ) ليثأروا بعدها سريعاً في حرب الاستنزاف (1968-1970) ثم في حرب 1973.

مع ولاية حكمه الثانية، والتي تبدأ رسمياً في 8/6/2018، وبعد نجاحه بنسبة97 في المائة في الانتخابات الرئاسية التي جرت أيام 26/3-28/3/2018، لا نتردّد في القول بأن واحداً من أكبر التحديات التي ستواجه نظام السيسي في السنوات الأربع القادمة، هو تحدي الإرهاب ولأن بعض مؤسّسات النظام ورموزه السياسية والإعلامية لاتزال تنظر- ومن ثم تتعامل– مع قضية مقاومة الإرهاب نظرة جزئية، وسطحية، فإننا هنا نعيد فتح الملف والتأكيد على ما قلناه كثيراً.

في أجواء شهر الصيام ومع نسماته الإيمانية العطرة نحتاج إلى تأمّل رسالة القرآن والدعوة المُحمّدية الطاهرة، وأن نُعيد فهم رسالة الدين في أبعادها الصحيحة وليس تلك المشوّهة، لماذا؟ لأنه وسط شلالات الدمّ التي أنتجتها تنظيمات الغلوّ والإرهاب بإسم الإسلام الذي هو براء من هكذا فكر، وسط ثقافة داعش والقاعدة القائمة علي الكراهية والكآبة والتي أنتجتها ثقافة البَداوة وما يُشبهها من دعوات تمتد إلى الخوارج في سنوات الإسلام الأولى، مروراً بكل الغُلاة من الفُقهاء ومَن تتلمَذ على أيديهم من الإرهابين، نقول وسط هذا المناخ الممتد من سوريا إلى ليبيا مروراً بمصر، نحتاج إلى أن نشير وبقوّة إلى أن هذه الثقافة المولّدة للعنف، ليست هي ثقافة الإسلام والقرآن.

إن هذه المقاومة الفلسطينية كان ولايزال هدفها دفع الإجرام الصهيوني بعيداً عن المقدّسات وهدفها إحقاق الحق لأهله بإعادتهم إلى أرضهم المُغتصَبة، وهدفها قبل هذا وبعده حماية الإسلام ذاته والذي تتعرّض قِيَمه ورموزه في فلسطين إلى التهويد والأسرَلة... إن مَن لا يُدرك القيمة الكبيرة والرائعة لمسيرات العودة المليونية من مثقّفي وسياسيي البترودولار.. لا يستحق أن يكون عربياً بل ولا حتى أن يكون إنساناً طبيعياً يرى الباطل يرتفع أمامه فلا يقول له: لا ولا يصدح بالحق ويُنافح عن أهله والله أعلم.

إن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه لشعوب وحكّام الأمّة وليس إلى الفلسطينيين هو "إلى متى سنظل نحيي ذكرى النكبة من دون مواقف وسياسات جادّة لاسترداد فلسطين وحقوق شعبها الصابر المقاوم؟"، إنه بالطبع ليس سؤالاً يبغي معرفة عدد السنين التي تنتظرنا من أجل تحرير فلسطين، لا، إنه سؤال استنكاري مقصود به توجيه اللّوم والعتاب والنقد الشديد لهؤلاء الحكّام وشعوبهم على تقاعسهم وضعف ردود فعلهم تجاه فلسطين والقدس.

لا يمر يوم إلا ونسمع عن جريمة اغتيال لأحد المجاهدين أو الناشطين الفلسطينيين والعرب، داخل فلسطين أوخارجها ؛الحالات بالمئات ، ولن يكون آخرها ما جري في ماليزيا من اغتيال العالِم الفلسطيني فادي البطش ؛ فمن قبله القائمة طويلة ومؤلمة من غسان كنفاني مروراً بأبي جهاد وفتحي الشقاقي وصولاً إلى المبحوح والبطش ..ومئات غيرهم من خيرة أبناء فلسطين والعرب ..في كل هذه الجرائم كان علينا دائماً أن نبحث عن (الموساد ) أو (عين داؤاد) كما يسمّونه في الكيان الصهيوني.

إن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي من وراء ذلك الدعم لمتمرّدي دارفور، كما كانت الحال مع متمرّدي الجنوب ولحُكام إثيوبيا وضلوعهم في مخطط سد النهضة، هو انفصال دارفور أولاً، ثم تفتيت السودان وغيره من دول القارة الإفريقية التي تمثل مجتمعة العمق الاستراتيجي لمصر التي لاتريدها إسرائيل قوية مستقرة مكتفية مائياً واقتصادياً، بغضّ النظر عمن يحكمها.

هي في عرفنا _ دون سواها من بلاد العرب _ كعبة العروبة .. إنها سوريا التي في رواية عروبية أخرى (قلب العروبة النابض ) كما أسماها قبل نصف قرن مضى .. جمال عبدالناصر وهي في رواية ثالثة (عزّ الشرق الذي أوله دمشق ) كما قال قبل مائة عام مضت أمير الشعراء أحمد شوقي في رائعته ( سلام من صبا بردي أرق .. ودمع لا يكفكف يا دمشق ) ..

إن الجديد ربما في مواقف وتصريحات محمّد بن سلمان، هو السرعة والاندفاع والجهل.. الجهل في ما يتّصل بهذا الصراع وطبيعته والجهل في أساليب تقديم، العلاقات الدافئة معه إلى الرأي العام الغاضب، على عكس ما كان يفعل جدّه وأعمامه من ملوك تلك المملكة، لقد كانوا يؤمنون بنفس أفكاره في حب الكيان الصهيوني ويرتبطون معه بعلاقات سرّية دافِئة، لكنهم كانوا أكثر منه، ذكاء وكياسة، في تغليف "الخيانة".

في يوم الأرض (30/3/2018) وما تلاه من أيام ارتقى عشرات الشهداء إلى السماء وأصيب بجروح عدّة آلاف من أبناء فلسطين ، في ملحمة عظيمة من ملاحم نضال هذا الشعب الفلسطيني المُعلّم، وفي المسيرة الكبرى للعودة وفي الوقت الذي أصرّ فيه الفلسطينيون على تقديم نموذجٍ راقٍ للنضال والتمسّك بالمُقدّسات وبأرضهم.

ماذا يعني كل هذا؟! إنه يعني أننا أمام كيان عدواني غاصب ليس للأرض (فلسطين والجولان ومزارع شبعا وغيرها) فحسب، بل للتاريخ والمخطوطات والآثار الفلسطينية والعربية، أي لأحد أهم المكوّنات للذاكرة العربية؛ وتلك جريمة تحتاج إلى ردٍ لا يقف فقط عند حدود القانون، ومنظمة اليونسكو، بل يحتاج إلى دورٍ للقوّة بأشكالها المختلفة.

قد كانت هذه المعاهدة طيلة الـ40 عاماً الماضية - ولاتزال - هي بيت الداء الذي ولّد وموّل الإرهاب الداعشي وهي منبع الانهيار للدور القومي وللاقتصاد الوطني، وأخيراً هي مصدر رئيسي لخلق نخب إعلامية وسياسية منافقة ومتلوّنة (للأسف) مع كل عصر، ولاتجد حرجاً في أن تطبّع مع كيان غاصِب وقاتِل وأن تروّج له، وكأنها إسرائيلية المولد والهوية.

لقد صدع المنافقون من أهل السياسة والإعلام- في مصر وخارجها _ خلال الأيام الماضية، رؤوسنا بالجدوي العظيمة التي سيجنيها الاقتصاد المصري من استيراد الغاز من الكيان الصهيوني لمدة عشر سنوات بـ 15 مليار دولار، بدعوى إننا سنصدّره ثانية إلى أوروبا ونجني مكاسب مالية تقدّر بالضعف، جرّاء عمليات الإسالة والتصدير.

في البداية فإن ما توافر لدينا من معلومات عن خريطة توزيع الجماعات المسلّحة في ليبيا يقول لنا أن ثمة عدّة مئات من التنظيمات المسلّحة تنتشر هناك، بعض المصادر الإعلامية يصل بالعدد إلى الألف والبعض الآخر ينزل به إلى المائة وعشرين، وفي كل الأحوال، نحن أمام ظاهرة تشظٍ للمجتمع الواحد وانتشار لتنظيمات الإرهاب فيه، وهي تنظيمات جعلت من ليبيا المكان الأكثر دموية والأكثر ملاءمة من أي مكان آخر في المنطقة العربية، لانتقال ومن ثم استقرار داعش والقاعدة وأخواتهما، حيث لا توجد هناك دولة بالمعنى المُتعارَف عليه قانونياً، وسيادياً، هذا وتتوزّع خريطة التنظيمات الإرهابية المسلّحة في ليبيا تحت عناوين ذات رنين إسلامي وهي أبعد ما تكون في جوهرها عن الإسلام وسماحته.

}