مقالات - عبد الله سليمان علي

تطوّرات دراماتيكية هامّة تشهدها العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا في جميع الملفات العالِقة بين البلدين، وعلى رأسها إن لم يكن أهمّها الملف السوري. لغة الشدّ والجَذْب تتصاعد على خلفيّة التسخين في شرق الفرات مُهدّدةً بإمكان انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة، وهو ما يتناقض مع الاتفاق الضمني بين سياسة أنقرة وواشنطن حول إدلب وارتياح كل طرف لموقف الطرف الآخر، وكذلك مع عودة تفعيل خريطة الطريق بينهما بخصوص مدينة منبج.

جوشوا لانديز الخبير الأميركي البارز، المُتخصّص بالشأن السوري، سارعَ إلى وصف القمّة الرُباعية في إسطنبول على حسابه على "تويتر" بأنها "حقيقة تعبّر عن نفسها بعد انتصار الأسد عسكرياً"، مُعتبراً أن "الأهمية الحقيقية لمشاركة ألمانيا وفرنسا في قمّة إسطنبول هي النأي بنفسيهما عن واشنطن والانضمام إلى عملية أستانا".

ويشكّل المسعى الأميركي للانخراط بفعاليّة أكبر في العملية السياسية الخاصة بإيجاد حلٍ للأزمة السورية، مُستجداً هاماً يدلّ على أن هذه الأزمة ما زالت مسرحاً صالحاً لاستعراض التناقُضات الدولية والعمل على تصفيتها وفق صِيَغ مُتدحرِجة تتغيّر وتتبدّل حسب طبيعة التطوّرات الميدانية والسياسية، واتجاهات مصالح الدول.

إذا كانت ترويكا أستانة (روسيا إيران تركيا) قد خرجت بأقل الخسائر من "مصيدة إدلب" التي كانت تستهدف أميركياً وغربياً تفكيك هذا الثلاثي وضرب أسفينٍ عميقٍ بين مصالح أطرافه، فإن قمّة سوتشي الثنائية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيّب أردوغان (في 17 أيلول/ سبتمبر) حملت في خِتامها العديد من المؤشِّرات على أن ما تمّ الاتفاق عليه بين الرئيسين تعدّى موضوع إدلب على أهميته، واضعاً أنقرة للمرة الأولى في مواجهة المشروع الأميركي في الشرق السوري بشكلٍ علني غير مسبوق.

في سيرة التنظيم تجربة من شأنها زيادة المخاوف من موضوع عودته، إذ كان التنظيم قد تعرض لهزيمة ساحقة على يد "الصحوات" بين العامين 2007 و 2009 ولم يبق من مقاتليه سوى بضعة مئات كانوا شبه مشردين في صحراء الأنبار.

وهنا ترتسم أكثر من علامة استفهام لماذا هذا التركيز على مكاتب ومنشآت مركز البحوث العلمية في مصياف ، الذي كان يقوده الشهيد عزيز إسبر؟ لماذا تستهدفه غارات مُتتالية سواء من قِبَل إسرائيل أو من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها؟ ثم لماذا هذا الإصرار على التخلّص من الشهيد إسبر عبر تنفيذ عدّة محاولات لاغتياله أجهضت معظمها أجهزةُ الأمن السورية قبل أن يتم اغتياله فعلاً في المحاولة الأخيرة؟.

الوقت لا يسير في صالح أنقرة، وقد يكون الاجتماع المُرتَقب بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيّب أردوغان على هامش قمّة دول "بريكس" في أواخر الشهر الحالي ، آخر فرصة مُتاحة أمام أنقرة لبلورة موقفها النهائي من أجل حل ملف إدلب بما لا يخرج عن الخطوط العريضة التي حكمت مختلف مناطق خفض التصعيد ، بما فيها منطقة الجنوب التي كانت برعاية أميركية. فهل تقتنص أنقرة الفرصة أم تستمر في تخبّطها بإدارة الملف بما يُهدّد آخر ما تبقّى لها من مصالح محفوظة في المنطقة؟.

التجربة السورية في المُصالحات لم تطرح نفسها مثل التجارب السابقة حلاً سياسياً نهائياً للأزمة التي تضرب البلاد وإن كانت تطمح إلى ذلك، إذ ما زال هناك الكثير من العوامل والتعقيدات الداخلية والخارجية التي تمنع ولادة مثل هذا الحل في سوريا. بل يقوم جوهر التجربة السورية على تطويق الأزمة وحصرها تمهيداً لايجاد حلٍ سياسي لها يكون بعيداً عن تأثيرات الأجندات والمشاريع الخارجية.

من طرفٍ خفيٍّ قد يكون أحد أهداف الغارة الإسرائيلية، ولا سيما إذا تكرّر مثلها في المستقبل، هو إرسال إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الفصائل العسكرية المُعارِضة في المنطقة أنها على استعداد للوقوف معها ودعمها ضد الجيش السوري في أي وقت، وتأمين مظلّة لتواجدها في المنطقة سواء انسحبت القوات الأميركية أم لا.

ولا يقتصر التحدّي الذي يمكن أن تواجهه أنقرة على متغيرات المعادلات الدولية وانعكاساتها الاقليمية وحسب، بل بدا من الواضح، بعد مضي حوالي 20 يوماً على حصول تركيا على تفويض لتسوية وضع محافظة إدلب أن أنقرة لا تملك أدوات هذه التسوية وليس لديها القدرات ولا الامكانيات لتفكيك العُقد التي تحيط بها.

من البديهي أنه بعد استكمال تطهير الداخل الذي لم يبق منه إلا بعض معاقل "داعش" في الحجر الأسود ومخيّم اليرموك، فإن بؤر التوتّر ستكون مُقتصِرة على ثلاث نقاط أساسية هي شمال شرق سوريا حيث قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً. ومنطقة شمال غرب سوريا ذات النفوذ التركي الذي يكاد يصبح شبه صافٍ خاصة بعد وقف الدعم الأميركي. وجنوب غرب سوريا الخاضعة للتأثيرات الأميركية والإسرائيلية والأردنية.

منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى سدّة الحُكم في بلاده، ارتفع مستوى التدخّلات الفرنسية في الشأن السوري. بدءاً من مشروع خطة إنشاء "مجموعة الاتصال" حول سوريا، مروراً باجتماعات "المجموعة الخماسية" وما تمخّض عنها من "اللاورقة" التي تشبه في مقرّراتها محاولة إعادة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على سوريا منتصف شهر نيسان المنصرم، وما تلاه من سعي باريس إلى تعزيز تواجدها العسكري في شرق سوريا.

وقد يكون احتدام الصراع بين موسكو وواشنطن حول الشرق السوري والذي تبدّى بشكلٍ خاص في شباط الماضي من خلال قصف الطائرات الأميركية لما قالت أنه أرتال عسكرية تضمّ "مرتزقة روس"، حاولت الهجوم على حقل كونيكو للغاز، أحد العوامل المعقّدة التي ساهمت في الابقاء على تنظيم "داعش" ومنع توجيه الضربة القاضية لوجوده في المنطقة. حيث يشكّل التنظيم من خلال هجماته المُتكرّرة نافذة للضغط على القوات السورية والقوات الحليفة لها جنوب نهر الفرات لمنعها من التفكير في التوجّه نحو مناطق النفوذ الأميركية لاستعادة آبار النفط التي تشكّل جزءاً كبيراً من الدخل الوطني للبلاد.

ثمة شُبهة بضلوع الولايات المتحدة في تحريك أحداث إدلب، خاصة لجهة الحديث عن تنسيق عمليّاتي كان قد بدأ بالتنامي بين "حركة الزنكي" من جهة و"جيش الثوّار" أحد مكوّنات "قوات سوريا الديمقراطية" في مدينة عفرين، بذريعة مُحاربة الجيش السوري والقضاء على "جبهة النصرة".

المزيد