مقالات - عبد الله سليمان علي

من طرفٍ خفيٍّ قد يكون أحد أهداف الغارة الإسرائيلية، ولا سيما إذا تكرّر مثلها في المستقبل، هو إرسال إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الفصائل العسكرية المُعارِضة في المنطقة أنها على استعداد للوقوف معها ودعمها ضد الجيش السوري في أي وقت، وتأمين مظلّة لتواجدها في المنطقة سواء انسحبت القوات الأميركية أم لا.

ولا يقتصر التحدّي الذي يمكن أن تواجهه أنقرة على متغيرات المعادلات الدولية وانعكاساتها الاقليمية وحسب، بل بدا من الواضح، بعد مضي حوالي 20 يوماً على حصول تركيا على تفويض لتسوية وضع محافظة إدلب أن أنقرة لا تملك أدوات هذه التسوية وليس لديها القدرات ولا الامكانيات لتفكيك العُقد التي تحيط بها.

من البديهي أنه بعد استكمال تطهير الداخل الذي لم يبق منه إلا بعض معاقل "داعش" في الحجر الأسود ومخيّم اليرموك، فإن بؤر التوتّر ستكون مُقتصِرة على ثلاث نقاط أساسية هي شمال شرق سوريا حيث قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً. ومنطقة شمال غرب سوريا ذات النفوذ التركي الذي يكاد يصبح شبه صافٍ خاصة بعد وقف الدعم الأميركي. وجنوب غرب سوريا الخاضعة للتأثيرات الأميركية والإسرائيلية والأردنية.

منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى سدّة الحُكم في بلاده، ارتفع مستوى التدخّلات الفرنسية في الشأن السوري. بدءاً من مشروع خطة إنشاء "مجموعة الاتصال" حول سوريا، مروراً باجتماعات "المجموعة الخماسية" وما تمخّض عنها من "اللاورقة" التي تشبه في مقرّراتها محاولة إعادة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على سوريا منتصف شهر نيسان المنصرم، وما تلاه من سعي باريس إلى تعزيز تواجدها العسكري في شرق سوريا.

وقد يكون احتدام الصراع بين موسكو وواشنطن حول الشرق السوري والذي تبدّى بشكلٍ خاص في شباط الماضي من خلال قصف الطائرات الأميركية لما قالت أنه أرتال عسكرية تضمّ "مرتزقة روس"، حاولت الهجوم على حقل كونيكو للغاز، أحد العوامل المعقّدة التي ساهمت في الابقاء على تنظيم "داعش" ومنع توجيه الضربة القاضية لوجوده في المنطقة. حيث يشكّل التنظيم من خلال هجماته المُتكرّرة نافذة للضغط على القوات السورية والقوات الحليفة لها جنوب نهر الفرات لمنعها من التفكير في التوجّه نحو مناطق النفوذ الأميركية لاستعادة آبار النفط التي تشكّل جزءاً كبيراً من الدخل الوطني للبلاد.

ثمة شُبهة بضلوع الولايات المتحدة في تحريك أحداث إدلب، خاصة لجهة الحديث عن تنسيق عمليّاتي كان قد بدأ بالتنامي بين "حركة الزنكي" من جهة و"جيش الثوّار" أحد مكوّنات "قوات سوريا الديمقراطية" في مدينة عفرين، بذريعة مُحاربة الجيش السوري والقضاء على "جبهة النصرة".

لم يعد أبو محمّد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" المُصنّفة على قائمة الإرهاب الدولي، يمتلك الكثير من الوقت للقيام بالمُناورات التي اعتاد عليها سواء مع خصومه أو حتى مع حلفائه. فقد تعرّض الرجل لهزيمة ساحِقة أمام الجيش السوري في منطقة شرق سكة الحجاز وعجز عن الصمود، حتى كاد الجيش يصل إلى مدينة سراقب. كما انكشف ظهره من خلال تخلّي جميع الفصائل عنه بما فيها تلك التي كانت مُتحالِفة معه ضمن "هيئة تحرير الشام"، وآخر الطعنات التي تلقّاها في هذا السياق كان من "جبهة أنصار الدين" بزعامة عبدالله الشامي التي أعلنت انشقاقها التام عن الهيئة بعد أن كانت الفصيل الوحيد الذي اندمج فعلياً ضمن صفوفها وكوادرها.

يسيطر "داعش" في الجنوب السوري على منطقة حوض اليرموك التي تحتل مثلثاً استراتيجياً بين الحدود الأردنية من جهة والأراضي المحتلة من جهة ثانية، ما يمنحها أهميةً كبيرة لا تقلّ عن أهمية بعض المناطق التي شهدت تنافساً محموماً بين مختلف الأطراف لانتزاعها من يد التنظيم كمدينة البوكمال على الحدود السورية العراقية أو منطقة التنف الحدودية مع العراق والأردن على سبيل المثال. غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية لم تحرّك شهيّة الولايات المتحدة التي كادت طائراتها في أكثر من مناسبة أن تنخرط في مواجهة مع الطائرات الروسية في الشرق السوري الغني بالنفط ، بذريعة تجاوز خط منع التصادُم المُتّفق عليه بين الطرفين.

المزيد