مقالات - عناية جابر

أعياني الاختيار في عروض الكُتب التي لم تستملني عناوينها، فكان أن اشتريت كتاباً كيفما اتّفق، وجدت في عنوانه احتمالاً لتسليةٍ ما، أو بديل عن الأصيل فهي غلطتي على كل حال، وعقابي على نسياني وارتباكي حيال الانتقال إلى حيّزٍ جغرافي غير حيزّي المُعتاد. " صناعة السعادة" عنوان الكتاب اللقيط الذي حملتُه على عَجَل، لكاتبٍ أميركي غير معروف لذلك نسيت إسمه ، وقلت في سرّي فلأصنع سعادة من النوع الذي يرتأيه صاحب هذا الكتاب، ويدّل عليها في عنوان كتابه.

من كتب لليلى مراد، ومن لحّن لها، كان كمن خبرها وعرفها جيداً، مُتحررة من عمرها ومن الزمن، تنحو في الغناء إلى مشاهد وعاديات الحياة كما والسخرية منها، كما لو أنها لوحة مكشوفة.

اعتمدت نجاح سلام بالإضافة إلى فخامة الصوت إذن، على معرفةٍ غنائية، كوسيلةٍ فكريةٍ للتعبير، تتجسّدُ في مبادئ وقوالب موسيقية مُتعارَف عليها ولازِمة ضرورية لتميّز المطرب أو المطربة. سلام ربطت بين ما تؤدّيه، وبين الخلفية الثقافية للعصر الذي نبع فيه وتفجّر عنه، لأنها أدركت بحدسها الذكيّ أن مُميّزات المجتمع السائِدة على وجهِ الخصوص، المُميّزات الفكرية والثقافية والسياسية في مرحلةٍ من مراحلِ العالم العربي، تكون عادةً هي نفس السِمات التي تنطبع على العمل الفنّي، أو التي يتوجّب أن يُظهرّها العمل الفنيّ، ومنه الغناء الذي كان رسالتها وبرعت فيها.

ليست المُخيّلة العاطفية لدى رياض السنباطي، سوى وجه لرؤيا صراعية فنية، وتجتهد إلى رفض ونبذ دراميين عاصفين لكل ما هو استهلاكي في الفن ورديء.

في ملامح فن زكريا أحمد، وعلى غير ما قيل عنه، التطوير المُتبّصر لبعض أشكال الغناء العربي، لكن من دون المساس بالآلات الموسيقية العربية، أو المقامات العربية أو الإيقاعات، أي عدم الاستعانة بأية آلة أجنبية في "تخته" الموسيقي وفي تلحينه.

إن الحب، الحب بلا مقابل، الحب إلى حدّ اللعب صفة الطفولة ونُذرها. الطفل الذي يقدّم لنا مقطعاً غنائياً ( أو الطفلة ) نراه أثناء الآداء كما لو يطير إلى حيث كان الغناء غناء، يتسلّق الماضي بعد أن ضاق بالحاضر المُشوّه المريض. نسمعهُ يستدرج الغناء بلثغة الطفولة، ويتحايل على المقاطع، ويخّفُ من مقطع إلى آخر بثقة العارِف والفاهِم، يصل إلى السماء مُغردّاً، ويُلاعب الآلات الموسيقية العازِفة لا يهابها صوته ولا يخشاها.

المقاطع الغنائية عند الصافي تنهض شاهقة رقيقة منحنية ومائلة، في نوع من لعبة توازن مستمرة، لكنها أيضاً مُتعامدة مصطفّة في ما يشبه دائرة، تقوم فوقها مظلّة هائلة صوتية تسمح لسامعها بالظّن أنه وقع في الغرام فجأة. خسرنا الصافي، الغناء الخالص المقطوع عن كل الهنّات، المليء بذاكرة البيوت والحقول والأوطان والنساء الجميلات، الشبيه بقرية بالغة البداءة، في مكان وزمان مجهولين .

نكتب في شأن الراحل أو الراحلة، ما يُشبه التوريات والكنايات التي هي في ذات الوقت اتضاح لهول لحظة الموت وإشارة إلى حقيقتها أكثر منها كتابة عادلة في نتاجه وأدبه أو فنه. كتابة فورية ليست شيئاً سوى الفراغ، لا مفتاح ولا دليل. كتابة أغلبها عاطفية فجائعية وعلى قدر من الإيجاب لكل ما خلّفهُ الراحل وقدر كبير من اليقين بريادته، وكتابة عدمية تُشبه مآلات كل البشر، أدباء كانوا أو "عاديين".

ولا صورة يمنية ترسم انزياحاً ولو بسيطاً عن الموت. كل مشهد رُسم وحدهُ وإن بفكرة الفناء نفسها. صنعاء، تعز، صعدة... الغيوم اللولبية، والدوامات الفضائية. أكثر من ألف يوم من القتل، وأكثر من ألف ليلة أمام الشاشة، أبكي من دون صوت، والعالم من دون صوت!

يبدأ النهار البيروتي من حيث ينهض الأطفال إلى الشوارع. يبدأ النهار، في القيظ وفي البرد، من توّزعهم في الزوايا، بثيابهم الرّثة وهيئاتهم الخاوية وأجفانهم المُطبقة نُعاساً وقهراً.

يحدثُ أن أمشي الهوينا على غير عادتي، أقطع شارع الحمراء من محطة " أبو طالب" لغاية مصرف لبنان، أي أقطع الشارع الرئيسي من أولّه إلى آخره. الهوينا هنا، ليست للغوى، بل لتمّلي ما أحدثتهُ زينة الميلاد ورأس السنة المقبلين في الشارع ومحلات الشارع، ومطاعمه ومقاهيه وناسه.

منذ لحظة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، حضرت في رأسي وبقوّة، راشيل كوري. كوري التي قضت سنة 2003 تحت أنياب جرّافة إسرائيلية، لم تكن في ذلك الوقت تُجابه الجرّافة الإسرائيلية من أجل مجرّد تسمية ترامب لمدينة فلسطينية ما، عاصمة لإسرائيل.

كيف تردّ على سؤال أحد الأهل أو أحد الأصدقاء على الهاتف، حين تُباغتك العناوين التي تجعل أيامك اللبنانية مُعتّلة، ومُرّكبة، فلا تستطيع معها بالتالي سوى ترديد عبارة واحدة:"ماشي الحال" وذلك رأفة بالسائل، ورأفة بك أنت نفسك بالدرجة الأولى.

من المحتم، أن معارض الكتب تُتيح لك الفرص المحسوبة بدّقة، لاختيار ما ترغب من قديم، أو جديد الكُتّاب الذين تهوى أعمالهم. بضربة واحدة، أو زيارة واحدة في عبارة دقيقة، إلى المعرض السنوي للكتاب، تضمن أو تكفل مؤونتك السنوية إن شئت ممّا ترغب وتُحب لهذا الكاتب أو ذاك.

شادية (من شادية الكلمات لقب أطلقهُ عليها الممثل الراحل عبد الوارث عسر، ولعلّهُ الأقرب إلى صوتها الجميل) ممثلة غامضة إلى حد ورائعة، وكانت على اتصال فعلي بأدوارها، ما مكنّها من مقاربة الدراما الحزينة، والكوميديا حتى مُنتهاها، التي فاجأت جمهورها العربي على الإضحاك والمزاج " المعفرت" ولسنا في تعداد هذه الأفلام هنا أو في ذكر تسلسلها بل نتكلّم عن ممثلة استثنائية لن تغادر ذاكرة جمهورها الذي يحفظ جلّ أعمالها.