مقالات - قاسم عزالدين

يبدو أن الحكم السعودي الذي يؤرقه إحساس عميق بخسارة حروبه ضد إيران وفي اليمن وسوريا والعراق، يستلهم "سفربرلك" العثمانية في مسعى تجنيد ما يراهم رعاياه وسوقهم إلى الحرب. ولا ريب أن ابن سلمان الساعي إلى وراثة عرش الرجل المريض، يرى الرئيس الحريري أحد رعاياه المحظيين الذين يخرجون عن "البيعة على السمع والطاعة" لحظة إعلانه الحرب ضد إيران وحزب الله.

الحركات السياسية الانفصالية لا تقتصر على كردستان وكاتالونيا وغيرها حيث يجري الاستفتاء أو تشتد المطالبة بالانفصال وإنشاء دولة "مستقلة"، إنما يبلغ عددها اليوم حوالي 5000 حركة إثنية وعرقية وطائفية تشمل كل بلدان العالم بما فيها كل "الدول العظمى" من الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واسبانيا. فالدول الكبرى والصغرى تعجّ بالأقليات التي يحدوها حلم وجداني بالتقوقع على نفسها حماية للجماعة الأقلية أو أملاً بأغلبية على رقعتها الجغرافية الضيقة. ومجمل هذه الأقليات هي ضحية أوهام مثالية غير تاريخية زرعتها ثقافة الطبقات السياسية منذ التحوّل التاريخي الكبير من منظومة الأمبراطوريات و"النظام القديم" إلى منظومة "الدولة ــ الأمة".

يحترم الكاتب النصوح حزب الله بالمقارنة مع تجاربه الحزبية والسياسية القديمة والجديدة. فهو لا يستطيع أن يتغافل عما يفقأ العين في سلوكيات وأخلاقيات الحزب وأهدافه. ويعترف بأن السيد حسن نصر الله "الوجه الوحيد غير التافه في صحراء السياسة اللبنانية بنى موقعه بالعمل والجد والسهر" كما عبّر في مقالته. لكن ما ينكأه ربما هو أن مقاومة الحزب تخلخل معتقداته التبسيطية التي أدّت به إلى أن يتقلّب باستمرار من خندق إلى خندق.

تدخل معركة تحرير الجرود أيامها الأخيرة، بينما تدور المعارك الصعبة على جبهات الحدود في سوريا مع تركيا والأردن وإسرائيل، وهي لا تزال قابلة للأخذ والرد بما لا يخلو من التباسات. أما على الحدود مع لبنان فقد حسمها حزب الله والجيش السوري بانتصار منجّز.

أبعد من التأثير الفكري والنضالي الذي أخذ كوربن وميلانشون إلى مناصرة القضايا العربية، يجد الزعيمان نفسهيما في خندق واحد لمواجهة عدو مشترك في داخل بلديهما سواء كان هذا العدو الإرهاب أو النيوليبرالية ومصالح الشركات متعددة الجنسية أو منظومة الطبقة السياسية المتحكمة بمصائر الشعوب في الشرق الأوسط وفي أميركا وأوروبا.

خمس سنوات من الكدّ عملاً وأملاً بتأسيس مدرسة إعلامية تكسر طوق ثقافة الانحدار، حتى صارت "الميادين" علماً في رأسه نار. لكن طموحات الإدارة والعاملين لا تُشبعها وثبة نحو أعالي المهنية الإعلامية الراقية، قبل أن تُسهم مدرسة "الميادين" في إرساء ثقافة إعلامية عربية تبدّد مألوف الردح الإعلامي والاحتراب. وعلى هذا الطريق تتقدم "الميادين" منذ خمس سنوات لها حكايتها.

ما كشفته مواكبة "الميادين" المكثّفة للحملات الرئاسية الفرنسية، يوضّح إلى حدٍ بعيد أن الثقافة السياسية التي أشاعها ردحاً بعض النُخب العربية عن مآثر الديمقراطية الغربية مبالَغة ترقى إلى التضليل أحياناً. فحجم المعلومات المعرفية التي نشرتها "الميادين"، استناداً إلى معطيات وتحليلات وفّرتها الحملات في العمق وفي قراءة الأحداث، تدل بما لا يقبل الشك بأن الدولة في فرنسا تتراجع عن الديمقراطية الاجتماعية التي كانت مألوفة بديهية، وتتراجع أيضاً عن أسس الجمهورية الضامنة للاستقرار الاجتماعي والسياسي.

انفجار الشعبويات اليمينية المتطرفة في أميركا وأوروبا، يشير إلى الفاشيات العنصرية تدق أبواب الحكم في "هذه الديموقراطيات العريقة"، كما دقت أبواب إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية عبر الانتخابات وصناديق الإقتراع. وربما يصعب على مؤسسات الدول الكبرى والهيئات الدولية أن تبلع بحصة الاستبداد أمام هذا التهديد الجديد في أميركا وأوروبا. لكن هذه المعضلة قد تكشف أن المصائب التي ارتمت بها بلدان منطقتنا، إذا لم تقضِ عليها فهي تحصّن مناعتها وتقويّها.

التناقض بين الخطاب الدبلوماسي ــ الإعلامي والسياسات الفعلية للدول الغربية، تتعدّى مجريات الأحداث السياسية. فالثابت في الأبعاد هو أن إدارات الدول الغربية تُلزم نفسها بالبحث الدؤوب عن حلول لإسرائيل وليس لفلسطين، في كل مرّة تنطق بكلمة. وفي هذا السياق يسكن الإدارات الغربية هوَس "حماية أمن إسرائيل" في محيط فلسطيني وعربي في مواجهة الاحتلال.

لعل أكثر المصدومين بإجراءات دونالد ترامب العنصرية ــ الفاشية، هم قوم من المثقفين التبسيطيين العرب المشدوهين "ألينَةً" بالديمقراطية التمثيلية الأميركية. فهم يظنّون أن ترامب سقط عنها على غفلة من الزمن ولا تلبث هذه الديمقراطية أن تعود سيرتها الأولى أو يخلق الله أمراً كان مفعولا. فمنذ عقود تجاوزت الأربعة أخذ هؤلاء، وراء كبارهم الدهاقنة في الغرب، بمعتقدات دين الديمقراطية الأميركية الجديد، ونشروا له طقوس عبادة تبشّر بوصفات السحَرَة للشفاء من الاضطهاد والاستبداد ومن كل داء. ومن بين ما تروي الحدّوثة في فصول حكايات الأطفال قبل النوم، يكفي التعبير عما "الشعب يريد" حتى يكون كل ما يريد من حريات وعدالة وكرامة على السمع والطاعة.

واقع الحال أن أحداث ــ ثورات العام 2011 هي لحظة انفجار تراكم طويل من أحداث صغيرة وكبيرة بدأت بشكل اضطرابات في منتصف السبعينيات موازية لبداية انهيار الدولة في العالم العربي. فنقطة تحوّل الدولة العربية من آثار حركة التحرر الوطني والاستقلال السياسي في أعقاب هزيمة 67، فتحت الباب واسعاً لردود فعل في أحداث شبه يومية تخللتها إضرابات واحتجاجات وانتفاضات لا تُعد على مستوى العالم العربي.

في مثل هذا المناخ الملوّث بالسموم لا ريب أن شهادات الوفد الفرنسي في سوريا وحلب تشير إلى هزّة عنيفة تخبط في السردية الرسمية خبط عشواء، أقلّها كما بدأت تسري في تعليقات بعض الجنرالات الديغوليين المتقاعدين الذين يتحمسون للإفصاح عن تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الحرب على سوريا والمنطقة.

كتب كاسترو رسالة إلى الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت عام 1935 يعرب فيها عن تعاطفه مع رئيس كسيح على كرسي متحرّك. لكنه سرعان ما اكتشف أن الجواب الذي تلقاه كان فعلياً من السفارة الأميركية في هافانا وأن الرئيس الكسيح مجرم حرب في هيروشيما وناغازاكي، فضلاً عن كونه سفاح اغتيالات. وكانت صدمة فيدل كاسترو أول بذرة اكتشاف امبراطورية الشرّ كما يكتب في مذكراته.

الدخول الروسي لإرساء توازن دولي ــ إقليمي يمكن أن يؤمن في المدييْن المنظور والأبعد حلاً سياسياً متوازناً باتت معالمه الإقليمية والداخلية من المسلمات على الرغم من مآسي الحريق التي تفتّح الولع بالنار.

ناهض حتّر يرى المصالح الأردنية في أولوية مواجهة الارهاب مع سوريا والعراق، لكن السلطات الاردنية ترى خيارات مغايرة في تحالفاتها الدولية والاقليمية. فهذه الخيارات يتداخل فيها نسيج من الخيوط مع جماعات حليفة ويتداخل فيها التخلي عن قرابين معادية. كان يحلو لناهض أن يردد مع أمل دنقل: فاشهد يا قلم/ أننا لم ننمْ/ أننا لم نضُعْ/ بين لا ونعمْ/.