مقالات - محمّد لواتي

العقد المقبل، الثالث من الألفية الثالثة بالتأكيد، لن يكون أميركياً. ولن يكون أوروبياً. سيكون مفاجأة دولية وسيلعب فيها الصيني والروسي المفاجأة والريادة.. وستلعب فيه إيران الفاعلية التاريخية والسياسية..

يعود اتهام سوريا باستخدام السلاح الكيميائي ليذكّرنا بذكبة أسلحة الدمار الشامل في العراق، في تجاهل واضح للحقائق وسياسات عدوانية مستمرّة.

فشلت الولايات المتحدة في مواصلة السير في ما عُرِف ب "الربيع العربي"بعد أن عرفت أنها لم تعد القوّة الوحيدة التي تلعب على الساحة الدولية. إن الغباء السياسي أحياناً يكشف الأخطاء قبل حصولها، فغباء القطريين والسعوديين حين هرولوا إلى مجلس الأمن قصد إصدار قرار تحت الفصل السابع لضرب سوريا، وقد اتّضح للجميع أن مفتاح الحل الخارجي قد ضاع منهم بالفيتو الروسي الصيني، وأعطى سوريا حصانة لإقامة الدليل على فشلهم ومؤامرتهم، بل إنهما رجعا بالوجع اللامحدود للنّظر في سياستهم الداخلية.

يتّجه العالم صوب الحرب الباردة من جديد! ولا أظن- وليس كل الظن إثم – أنها ستكون هذه المرة حرباً بلا دخان، وبلا رماد.. ورمادها - إذا حدثت -  معروف مُسبقاً، فالعالم كله – قويّه وضعيفة - يشتعل إن بما يُسمّيه أكابر المجرمين فيه بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، أو بما يؤمن به الأقوياء من المقاومة - ولو بالأشلاء الجسدية - ضد الهيمنة الأميركية، والأضواء الكاشِفة، المُسلّطة على ثرواتهم وثقافاتهم.

الأزمة الأميركية فتحت عيون العالم كله على المُمارسات الإرهابية التي تمارسها أميركا، مالياً، واقتصادياً، وسياسياً وعسكرياً ضد دول لها سيادتها ومناهجها الفكرية والحضارية.. إن سقوط الأوثان الأميركية في الشرق الأوسط ليس ضربة قاضية لسياستها التي جنحت بها إلى الفساد الأخلاقي والإنساني، بل ضربة ضد منظومة فكرية صاغتها مجموعة من المُتطرّفين، والمُنظّرين لقوى الشر باسم المسيحية أحياناً، والحرية والديمقراطية أحياناً أخرى.

تعيش السياسية السعودية في فترة من الضياع والهزائم وسط ثقافة متطرّفة هيمنت على سلوكها في المنطقة.

من حق الولايات المتحدة الأميركية أو أية دولة أخرى أن تدافع عن حقوق الإنسان كظاهرة إنسانية يشترك فيها الجميع، ولكن أن تتّخذها مطيّة لضرب الدول أو تؤخَذ كظاهرة استعمارية إرهابية تخدم مصالح خاصة وتدمّر باسمها أوطاناً بكاملها أمر فيه أكثر من إهانة مُبتذَلة لحقوق الإنسان، بعد أن حوّلتها إلى حقوق للخراب والدمار، إن منطق حقوق الإنسان يقتضي إن لكل سكان الأرض أياً كان لونهم وقوّتهم الحق في المطالبة بمحاكمة مُجرمي الحروب تحت يافطاتها.

بالتأكيد هي تحتاج إلى تغيير جذري في التسيير على المستوى القاعدي وفي بعض المسؤولين عنه، هي أيضاً في حاجة إلى انفتاح سياسي أكبر يؤمّ الجميع ويصافح بشدوه الجميع أيضاً، ولكن ليس بمنطق الغرب أو بإيديولوجية "الفوضى الخلاّقة" التي جاءتنا بها المشؤومة "كوندوليزا رايس" ورئيسها "الكاربان بوش" الإبن.

الولايات المتحدة الأميركية وخاصة مع دونالد ترامب قد تجاوزت ظلال التاريخ وتوهّمت مع هذا التجاوز أنها قادرة على توجيه القارات الخمس باتجاه الجنون الذي تؤمن به، إن مَن سياستها الداخلية المبنية على اللبرالية المتوحّشة أو من سياستها الخارجية القائمة على مبدأ الاستعباد للسياسات المُناهِضة لعدوانيّتها، ربما توهّمت كل هذا التوهّم لطبيعة التاريخ الأميركي، الذي أسّس على مبدأ الإبادة الجماعية للشعوب.

في الطائفية لا مجال للرأي ولا مجال لإمكانية التفاهم مع دُعاتها وهنا يبدو الفرق بين محور المقاومة بقيادة إيران ومحور الموالاة بقيادة السعودية. وبين الصدى السعودي والصدى الإيراني خلاف سياسي وعقدي، فالصدى الآتي من السعودية مُتماهٍ مع الصدى الأميركي إن لم يكن جزءاً منه، أي أنه ليس صدى إسلامياً كما تدّعي بينما الصدى الآتي من إيران صدى تصادمي مع السياسة الأميركية في المنطقة والقائمة على مفهوم الاحتواء والتصادُم مع الآخر.

الأكيد، أن العالم العربي هو الآن أمام تهافت الزمن بلا زمن، لأن الخرافة تكاد تسيطر على خياله وتأخذ منه النصيب المهم من طموح شعبه المشروع، فالثقافة السياسية حين تُصاب بالنكسة على المستوى الفكري، وتتسلّل إلى العقول تعطي الغش كحاصل نهائي لما نؤمن به، وبالتالي لماذا العداء لإيران؟.

لكن ما عسى أميركا أن تفعل وقد تخلّصت من قيمها وأخلاقها باستثناء الشر، وماذا إذن تفعل مع حكّامها والذين يدّعون الوصاية المطلقة على الضمير العالمي. لقد صارت للوثنية محطات سياسية يؤمّها المدّعون التديّن على المذهب الوهّابي في الخليج وهم يسخرون من الملأ الأعلى باسم الدين أحياناً وباسم الديمقراطية أحياناً أخرى.

كل ادعاء بالحُكم الراشد في العالم العربي اليوم هو من قبيل الاستهلاك السياسي وكل ادّعاء بالديمقراطية خارج الأسوار هو ادّعاء للتغطية على القُبح السياسي الممارس في حق التاريخ والجغرافيا والأمّة، وبالتأكيد إن تواصلَ مسلسل هذا الإدّعاء فإن العالم العربي سيكون من جديد تحت تصرّف البيت الأبيض الأميركي والحكّام فيه مجرّد ممثلين لسياسة البيت الأبيض ومن فيه من المحافظين الجدُد من البيض والسود على السواء

إن إعادة ترتيب البيت السياسي في العالم العربي وفق رؤى نقدية للواقع وللذات تتطلّب إعادة النظر في ما هو حاصل الآن وليس في ما حصل في الماضي، وأنه وبعد جريمة "صفقة العصر" بأمر أميركي ومحاولة فرضها على أبو مازن تحت التهديد، كان ضحيّتها الأولى القدس الشريف وأصبح من الواجب تأصيل الواقع وفق متطلّباته وليس وفق أوهام فوقية تجاوزها الزمن وأضحت من رماد التاريخ. 

لم يكن التاريخ يسير ببطء في أحداث سوريا ولم تكن المؤامرة مجرّد رهان على إسقاط النظام فيها، بل كان المقصود إسقاط الدولة ولم يكن حمد بن جاسم آل ثاني وسعود الفيصل إلا مجرّد أدوات. ولم تكن سوريا في الحرب الكونية التي سلّطت عليها سوى واجهة للدخول في جوهر الصراع الحقيقي من أجل تفتيت المنطقة والدفع بها نحو المجهول.