مقالات - محمّد لواتي

ما جرى ويجري في سوريا من إرهاب هو الآن قيد التوجّه نحو البلدان التي ساهمت فيه، بل وحسب رأي الكثير من الأجهزة الاستخباراتية سيكون أشدّ وربما سيُطيح بالكثير من الرؤوس، ومن الأنظمة خاصة في تركيا، والسعودية، إذ هما اليوم أمام ما يُعرَف بدولة الإسلام "العراق والشام"وجهاً لوجه. إنها على أبواب تركيا، بعد أن حوصِرَت في حيّزٍ من إدلب، وإذا فشلت تركيا في تطبيق ما تم الاتفاق عليه مؤخراً في سوتشي بين الرئيسين بوتين وإردوغان فإن كل الإرهابيين سيفرّون إلى تركيا، وإن رفضت دخولهم، فسيتوجّهون إلى مقاومتها لأنهم يصبحون بين ناريين أحلاهما مرّ، كما يقول المثل العربي.

إن الجغرافيا ليست لأميركا وحدها، وإن الحضارة ليست للغرب وحده، كل العالم له نصيب في الإثنين، تلك هي حقائق التاريخ وحقائق الجغرافيا. نحن إذن، في حاجةٍ إلى مؤسّساتٍ إعلاميةٍ مثل الميادين في توجيه المُشاهِد والقارئ كيف يتعامل مع عصره ومُنتجاته الفكرية، وكيف يبدأ من البسيط إلى البناء المركّب والمُفيد.

من الممكن أن نتعلّم كثيراً عن المجتمع والاقتصاد والسياسة، ولكن في إطار الفهم الواقعي للعالم المُتغيّر وفي إطار عالم مُتعدّد الأقطاب..القطبية الواحدة حاولت من خلال العولمة إيجاد مفهوم موحَّد لعالم متنوِّع فأوقعت أصحابها في الفخّ الإيديولوجي المتمرّد على الإصلاح وعلى حركية المعرفة في إبعادها  الإنسانية.. ربما ترامب حاول تكسير هذا المنحى بعفوية أو بحهل إيماناً منه بأن "أميركا أولاً" والعالم من خلفها مجرّد مساحة لنفايات السياسة..!!

نحن أمام احتمالات قوية بالمقاومة والصادقين فيها للخروج من الأزمات التي جابت مسيرتنا التنموية وحتى التحوّل نحو الديمقراطية، و لكن المهم من وجهة نظري على الأقل هو عدم الالتفات إلى الوراء

الكل في العالم من السياسيين أصبح يمارس الكذب وبالوثائق، والحقيقة أمامه واضحة وحجّة عليه.. أفلاطون قال"سقراط عزيز عليَّ لكن الحقيقة أعزّ منه"، وهؤلاء قالوا الحقيقة غير مُمكنة في الادّعاء الكيماوي ضد سوريا لكن  ترامب أعزّ منها.

مخاطر الغضب، ومخاطر المواجهة، ثم خطر الخوف من زوال مصالحهم بفعل  قوّة المقاومة التي دخلت المنطقة كمفهوم سياسي عسكري ذي أبعاد إستراتيجية، خاصة و أن قوى الرفض فيها تجذرت، و على مستوى الشعوب لا على مستوى الأحزاب والمؤسّسات، ذلك أن منطق الافتراض المبني على أساس-المُساءلة المُسبَقة، والفوضى الخلاقة- منطق شبيه بمنطق من يمشي في النوم وهو يتكلّم.

حاول ترامب الخروج من الأزمة بحروب الاقتصاد والخروج من كل الاتفاقيات الدولية (اتفاقية باريس للمناخ واتفاقية النووي) فإذا هو محاصر بها من شركائه ما عدا الدول المارقة مثل إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين.

ترامب  المُحال اليوم على القيل والقال  بتهمة الخيانة والكذب  وسوء التسيير دفع  زعيمة الديمقراطيّين في مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى القول وبصراحة غير معهودة "إن تصميم الجمهوريين في الكونغرس على التستّر على الرئيس وأتباعه المجرمين أمر غير واضح" ، وقال روبرت خوزامي، النائب العام ونائب المدّعي العام الأميركي"هذه تهم خطيرة للغاية وتعكس نمطاً من الأكاذيب وخيانة الأمانة على مدى فترة زمنية مهمة" ،يعد  ضرباً  من التستّر على الحقيقة  والوضع السيّئ الذي عليه أميركا  المُحاصَرة عالمياً.

صراعات داخلية تشهدها دول الخليج مثل البحرين، وهي الآن على حافة الإفلاس (تعيش اليوم على صدقات السعودية والإمارات)، وتتحدث التقارير الصحفية من داخل المنطقة أن بعضاً من هذه البلدان تعاني عجزاً في الميزانية أدّى إلى عدم تسديد مرتّبات الموظفين، فضلاً عن إعادة جدولة ديونها المتعلقة بصفقات شراء الأسلحة.

تحصّلت أميركا عل أكثر مما طلبت في بداية الأمر،أخذ ترامب 500 مليار دولار ولاحقاً أخذ صهره "كوشنير" ما لا يقل عن 20 مليون دولار وما وزّعه محمّد بن سلمان على مؤسّسا ت إعلامية أميركية ومراكز توجيه الرأي لا يقلّ عما أخذه " كوشنير"، أما ما أنفقه  في زيارته  تلك على إقامته في فندق يملكه ترامب لا يقل عن 5 ملايين دولار والقضية الآن محل تحقيق قضائي.

المشكلة لدى أميركا إنها لم تفهم بعد أن العالم يتغيّر من الأحادية القطبية إلى الثنائية القطبية كما تحاول أميركا التصدّي لها بحصار روسيا،لأن دخول الصين  بالفيتو في مجلس الأمن الدولي  يعني أنها هي أيضا شريكة فيها وبقوّة اقتصادية تتجاوز بعد سنة2019 القوة الاقتصادية الأميركية إن لم تكن تجاوزتها فعلاً مع بداية السنة الحالية.

قام أردوغان بتدمير عفرين وتوطين فيها مجموعات إرهابية من جنسيات عدّة من القوقاز وحتى الإيغور، بعد أن أعطيت لهم الجنسية التركية -وتجري تحقيقات دولية في الموضوع- وإعلانها أرضا تركية بحيث نصب عليها والياً تركياً

لم يكن التاريخ يسير ببطء في أحداث سوريا ولم تكن المؤامرة مُجرّد رِهان على إسقاط النظام فيها بل كان المقصود إسقاط المقاومة، والمنطقة لصالح إسرائيل.

فشلت أميركا في إسقاط الدولة السورية، وفشلت في حماية إسرائيل من حزب الله، وانهار التحالف الأميركي أمام القوى الصاعدة وحلف المقاومة، وبدا الكل أمام الصمود السوري يستنجد بالماضي وحدوده، والاعتراف بأن الكل نزل مهزوماً أمام سوريا والمقاومة من أعلي الشجرة تحت لعنة التاريخ السوري ولعنة الجغرافيا في سوريا. وصدق شكسبير حين قال"فإن الأمر ليس إلا ضجّة من لا شيء...".

لا أحد في واشنطن ولاسيما في موسكو يريد الحرب"لأن الحرب بين روسيا والولايات المتحدة ستعني إبادة البشرية جمعاء". أما فرنسا فإنها تعاني أزمات عدة اقتصادية وسياسية واجتماعية والحركات الاحتجاجية التي تلاحق "إيمانويل ماكرون " ما هي إلا بداية لتحولات سياسية جديدة فيها وربما تكون بشكل دراماتيكي من اليمين المتطرف فضلاً عن المشاكل الاقتصادية التي تلاحقها

المزيد