مقالات - محمّد لواتي

باتفاقٍ شبه عام أن الرئيس الأميركي ''دولاند  ترامب'' يُعتَبر الأسوأ في تاريخ الرؤساء لا أميركياً فقط بل عالميا ..إنه يؤمن بالخيال مثل إيمانه بالأوهام ، وأن أميركا بنظره هي شرطيّ العالم بلا مُنازِع !! يتغيّر في الساعة مرة أو مرتين فضلاً عن الكذب الذي يبدو من المُسلَّمات لديه، إنه ضد إيران ولكنه يصدَح صباح مساء طلباً لمُصافحة زعمائها ومستعد لإلغاء كل تهديداته وكل عقوباته بلقاء ومن دون شروط بمحاورين إيرانيين

لقد أصبح الدين لدى حكاّم السعودية والبحرين والإمارات مفصولاً عن السياسة، ومفصولاً عن المال، ومفصولاً عن الاقتصاد، أي أنهم سقطوا في الأخلاق الجاهلية من دون إحساس منهم بهذا السقوط، فأصبحت السياسة من اختصاص الحاكم وحده على جهله بالسياسة.

على العالم الحر وغير الحر أن يتعلّم الحرية والديمقراطية واحترام الرأي الآخر من الحراك الشعبي الجزائري، وعلى قادة الجيوش العربية أن تتعلّم من الجيش الوطني الشعبي الجزائري كيف تُساس الشعوب باحترام مطالبها وكيف تُصان أعراضها ودماؤها..بالاعتراف بمطالبها.. ربما لأول مرة في التاريخ تظاهرات في حماية الجيش وبلا هراوة ساخنة..

في المشهد التاريخي الأسوأ لأميركا أكيد ثمة محطات سيّئة.. لقد جنَّدت أميركا كل قواتها العسكرية لمواجهة الأطلال في بلاد الأفغان ودول أخرى، ومن أجل شخصٍ واحدٍ إسمه " أسامة بن لادن "فهل أميركا بهذا الفعل دولة عُظمى ..؟

مبدئياً لا أحد بإمكانه الادّعاء بالعصمة، وليس من حقّه الإبقاء على تصوّره السياسي من أجل الاحتفاظ بمنصبه إلى آخر العُمر، أو على الأقل لسنواتٍ عدّة...

بعض بقايا حزب فرنسا في الجزائر يحاول أن يتغنّى بالديمقراطية وهو عدو لها، في دعوته إلى محاربة "الإرهاب الفكري والسياسي". لكنه يمارسهما بدرجةٍ فجّة وكأن الدنيا ليس فيها مَن يتكلّم بغير الصمت. البقايا نطقت بالسوء طوال سنين كحملة نَهْب للمال العام هنا وتهجّمات على الأغلبية هناك!

حروب أميركا تُقاس بالآلام ولها نصيب في هذه الآلام. حروب الإبادة الجماعية للأمم والشعوب هي إحدى السِمات البارزة في تاريخ أميركا ، وحروب الخسارة هي أيضاً مميّزات هذا التاريخ ، انتصرت أميركا على حساب الأطفال والنساء والشيوخ ، وخسرت لحساب المواقع والمبادئ والأديان ، وتراجعت في العراق وسوريا تحت ذلّ الهزيمة رغم التلويح بما تملكه من تقنيات العصر والسلاح النووي.

الحراك الشعبي وبحماية الجيش الوطني الشعبي – بكل بساطة – يصنع التاريخ لأمّتنا ولغيرنا، من أحرار العالم المقهور إن بسياسات الولاء الأعمى للحاكِم- أيّ حاكِم – أو بالإقصاء ولو كانوا حُكَّاماً خائنين .. التاريخ يتجدَّد بالمؤمنين به وليس ذيلاً يشدّ المُستضعفين – باستمرار – إلى الأزمات الكبرى..

توجّه ترامب هذا سيدفع لا محالة العالم نحو تبنّي مواقف حادّة وبالتالي ،" فإنّ الاشتباك سوف يكون حادّاً وساخِناً جداً، وسوف يكون بشعاً. لذا فإنّ التعبير عن بعض فصوله لن يكون بعيداً عن تينك السخونة والحدّة أو تلك البشاعة" كما يقول خالد العبّود..

ما ينتظر العالم الإسلامي اليوم أكثر مما مضى، العالم يتغيّر فالأفكار الجديدة تكاد تغطّي المساحة الأرضية كلها.. والخوف من الإسلام لم يعد مقتصراً على أعدائه التقليديين، بل أضيف إليه الخوف من الداخل، خاصة في الدويلات الخليجية التي لا تملك قرارها السياسي في ظل الاتفاقيات السرية المُبرَمة بينها و بين الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية. كل الدول الإسلامية تقريباً تعاني من عقد الماضي. الماضي المملوء بالثقوب، وتخشى أن تزول المفاهيم الوثنية التي ظلت عالقة ببعض أنظمتها، فالدول العربية التي تدّعي الإسلام بالحُكم السلالي، الأموال العامة فيها تعبث بها طائفة بإسم "صاحب الجلالة" و "النسب الشريف"!

أمّة شريفة تحكمها نخبة فاسدة لا يهمّها من القرار السياسي غير ما يحفظ تواجدها على هرم السلطة.. نخبة تجني من عظام شعوبها التي تسحقها الآليات الاستعمارية الجديدة، وآليات الفقر التي وضعت فيه، حاكم مصر لا يهمّه إلا نصب المشانق لمعارضيه وهو الأولى بها ، والأهم في المساحة الجغرافية المصرية .

في الجزائر رفض شعبي للظلم وللخروج بالسلطة عن مبادئ أول نوفمر 1954، نعم حراك والشباب ينظفون الأرض ويقبلون الشرطة، بل إن بعض المجروحين من الشباب المتحمس وأصيبوا في الزحام عولجوا في مستشفى الأمن الوطني، وهو ما يعبر بصدق عن التماسك الاجتماعي وفي الظروف المتأكلة.

إن روسيا تستثمر اليوم الفوضى الاقتصادية الأميركية الأوروبية لصالح النظام الدولي الجديد الذي صاغته بداية من مواقفها الثابتة مع سوريا، وإن الصين وإن كانت لا تظهر مواقفها إلا قليلا هي مع صلابة الموقف الروسي بل إنها جزء فيه لان التحالف الاستراتيجي بينهما تحالف مبدئي ويبدو ذلك واضحاً في أن" موسكو وبكين على موعد مع عقد صفقة تاريخية تغير وجه العالم.

هناك دول لديها من أجهزة الرصد، ما يكفيها لحماية شعوبها من هذه الظاهرة المزدوجة ، ومن هذه الدول الجزائر، وهناك دول احتلّتها المجموعات الآتية من الغرب تحت يافطة المعارضة مثلما حدث في العراق وليبيا وسوريا بمباركة أميركية ودول الخليج.

ربما كان" ترامب" صادقاً في مقولته" البقرة الحلوب.." وربما عدم الرد عليه يؤكد أن المقصود فيها وكأنه مجرّد عريف عسكري في ترسانته العسكرية.. ربما ما لا يدرك بالثقافة السياسية يدرك بالثقافة العسكرية عند الأمم التي تحضر نفسها وثرواتها للمستقبل، لكن المؤلم في ثقافة دويلات الخليج هو الهرولة المتتالية للنصير الأميركي على قبح ساسته، مقابل كل ذلك وفي سلوك بائس، المحافظة على العرش ولو أذلّت أمماً بكاملها.. وربما أكثر، فما تقوم به دويلات الخليج من تسويق للخراب لا ضد ليبيا وسوريا فحسب بل ضد أغلب الدول العربية هو الوصف المشين لكلمة البقرة الحلوب..

المزيد