مقالات - محمّد لواتي

إن سياسية التجديف التي مارستها أميركا وتمارسها على مربّعات الموت لا تقبل الرأي الحر ولا تؤمن بالرأي الآخر خارج أرضها. وما يحدث في البحرين شاهد على هذه السياسة. العرب أمام تحوّلات هي من صميم حركة التاريخ ومن منطق التطوّر الحاصل في المجال الفكري والمعرفي، بعد أن أصبح الغرب كله يستنجد بالإطارات العربية في ارتهان فاشل، المقصود منه تعرية المجتمعات العربية من قوّة وثروة مواردها البشرية ذات التكوين العالي.

لست بالتأكيد ممن يجيدون العودة إلى الوراء في مصافحة التاريخ بعيداً عن المستجدات من الأحداث، لأن المستجدات هي أكثر نضجاً في الأحداث من حولنا في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي بالخصوص إذ ما كان مخفياً يصبح لاحقاً الشاهد الأكثر سوءاً، والأكثر مطالبة بالقراءة والتحليل خاصة والقضية الفلسطينية هي من أهم القضايا التي لعبت بها دول عربية، وكثيراً ما اختفت تلك الدول تحت شعارات مزيّفة لقضاء مآربها وحماية المصالح الأميركية من خلفها حماية لعروشها بناء على مقولة "الحماية لكم والنفط لنا" وأياً كان الأمر فإن بلدان المغرب العربي سيظل إحساسهم مشدوداً بها ووجدانهم متقداً تجاهها لاعتبارات دينية، وقومية، وإنسانية، ونحن على مشارف نهاية مئوية وعد بلفور نذكر بشيء من تلك المتآمرات وبعض المواقف المشرفة، لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين..

تساءل مَن تساءل عن الخلفيات التي أعادت بها القناة الوطنية جزءاً من مشاهد العشرية السوداء على قسوتها، وقد أدارت قناة الميادين ندوة في الحدث مشكورة، لكن يبدو أن الكل فَهِم الموضوع خطأ..؟

إن افتراض مواجهة عسكرية بين الغرب وإيران يبدو ضئيلاً، وربما غير مقبول أميركياً، وإن إسرائيل أمام هذا الضعف الغربي تبدو هشّة، وهي بالتأكيد الآن تحرص على حدودها خوفاً من حزب الله، والحال هذه فإن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغيّرات في الاستراتيجية نحو السلام وربما إدخال إيران أميركياً ضمن القوى الفاعلة في المنطقة قصد الحد من تأثيراتها السلبية على إسرائيل.

ما نطق به الرئيس "فرانسوا هولاند" عن سوء نيّة قبل نهاية عهدته في حق الجزائر هو نتيجة حقد دفين منه ضدّها، لأن الجزائر رفضت السير في قراءاته السياسية لإحداث مالي والحرب عليها، خاصة ما تعلّق منها بقضية الشمال أو حتى في قضية التدخّل الفرنسي في إفريقيا الوسطى .

البديل السياسي لا يمكن الأخذ به لوحده في عهد صناعة الموت التي تمارسها أميركا من دون النظر بجدية إلى البديل العسكري، هذا هو منطق العصر ومنطق التاريخ أيضاً، إن السؤال المطروح الآن على إيران هو ما مدى قوة إيران في مواجهة السؤال الأميركي الذي يفترض الحل العسكري، وإن كان سؤالاً لا يزال بعد في مرحلة الافتراض...أن أميركا تعيش حالياً أزمات ـ وهي من صنعها ـ أزمة الإرهاب وأزمة كوريا الشمالية. ثم ظاهرة انتشار محور المقاومة، خاصة وأن السلاح متوافر لدى المقاومة والأهداف الأميركية لديها واضحة وعلى فوهات هذا السلاح.

لاشك أن التاريخ يسير ببطء لكنه يُسجّل كما يقول "نهرو"، ولكن يبدو واضحاً أن المستفيدين من هذا السير البطيء هم محور الروس ،والصين، وإيران، والمقاومة، وأن الذين يردّدون نغمات الماضي المشحون بحب الهيمنة وسوء التقدير لمفهوم الصراع على أكثر من ساحة هم الذين لا أقول يتملّكهم الفزع من تسارُع الأحداث ولكن يدفع بهم إلى التواري فيها بشكل فجائي.. إن مسايرة غبار الأحداث بتواطؤ معها بدل مسايرة الجرح الدامي فيها هو بالتأكيد علامة من علامات الغباء المُنظّم، وأن الذين يتصرّفون بمنطق التاريخ وقوة الجغرافيا هم بالتأكيد القادرون على استيعاب الواقع والانتصار لنتائجه كما تفعل روسيا والصين وإيران اليوم.

إن هناك الآن ما يشبه الشلل الكلّي في الموقف العربي اتجاه ما يجري من أحداث مُدمّرة للأمن القومي العربي، بل إن هناك مَن يؤكّد على أن هناك حرباً استعمارية غربية تمرّر من طرف الغرب كله تحت غطاء محاربة الإرهاب، و إن ما يجري في المنطقة من أحداث وراءها مؤسسات غير منظورة ولكنها محسوسة ، مؤسسات أميركية وأوروبية، وإن السؤال المُحيّر والمُثير للتقزّز هو سكوت العالم العربي بأنظمته وليس بشعوبه اتجاه تلك التصرّفات المُشينة لأميركا، وبريطانيا، وفرنسا على الخصوص تجاه ليبيا، والعراق، وسوريا، واليمن، إذ كيف يُفرَض الحصار على دول عربية في تجاوز حاد للقانون الدولي، وتساوم أميركا على سيادتهم من دون أن يكون هناك موقف عربي موحّد.

بالتأكيد الجميع يريدنا أن نموت عبيداً بمنظار عصرها القديم عصر آبائها، وهي تعلم أننا أول من حرّر العبيد في الأرض بأمر ألهي، ومقولة سيّدنا عمر بيّنة واضحة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وتعلم "كوندو ليزا رايس" أن التطرّف الأميركي أسوأ من أيّ تطرّف آخر.

هل إن حزب الله يحتاج إلى شهادة من السعودية أو من الرئيس الأميركي" دونالد ترامب" أو من الماكنة الإعلامية الأميركية لكي يُصنّف كحزب سياسي مُقاتِل من أجل القضية الحق،إن في لبنان أوفي فلسطين وسوريا في مقابل اتّهامه بالإرهاب والميليشيا الشيعية؟

مع أن انتصار المقاومة في أية جبهة أطلّ العدوان برأسه منها هو انتصار للبنان وفلسطين وبقيّة المُستضعَفين، إن الذين وقفوا ضدّها وحرَّضوا عليها يبدو أنّهم مازالوا بعد رغم تراجعهم إلى الخلف بمسافات طويلة يتوقّعون مساحة أخرى للفوضى خارج مساحتها، وهم لا يُدركون أصلاً أنّ حركة التغيير من سنَن الكون ومن حكمة التاريخ.

إن الحياة البشرية ليست محصورة في الوعظ السياسي كما يبدو في الدول الغربية اليوم كذباً، وليست محصورة أيضاً في الجانب الديني كما يروّج له أدعياء الإسلام، هناك أمور قرّرتها الشريعة بل الشرائع، ولا يجوز التعاطي معها بما يخالفها.

إن الأمة العربية بما تملك على الخارطة السياسية والاقتصادية بإمكانها أن تقلل من الأخطار التي تلاحقها، إذا أخذت بمبدأ الإصغاء للرأي العام. فالشعوب التي أطاحت بالطغاة في أكثر من مكان في الماضي، هي أيضاً اليوم قادرة على إعادة ميزان القوى لصالحها في أي مواجهة، وإن الانتصار إذا أخذناه بالمسلمات الدينية فإنه دائماً للمؤمنين وهذا وعد مؤكد من الله، وإذا أخذناه بمسلمات التاريخ فإنه لن يكون إلا إلى جانب من يعي حقيقة الصراع ويتفهم جذوره ومقاصده وبالتالي لما كانت أمم صغرى وأخرى كبرى.

في المنظور المبني على التلاشي في الفضائح والدسائس، يمكن رسم الموقف الروسي الصيني من الأحداث الجارية في سوريا ورفضهما التدخل العسكري فيها من أي طرف كان. وقد فهمت أميركا بقدر كبير من التراجع هذا المواقف، لذلك رفضت التدخل في الحل السوري بل إنها دفعت تركيا والسعودية وقطر إلى المحرقة، وبقيت هي تتفرّج من بعيد.

ثمة حقيقة في التاريخ تقول "كل احتكار يتعفّن" والأخطاء بالتأكيد، في المواقف بداية التعرية للمواقف، وفي التاريخ ثلاثة مواقف، أولها للاستهلاك وثانيها للاستهداف وثالثها للبناء و رسم معالم جديدة...والذين لا يميّزون بين هذه المواقف أو عنها غافلون هم الذين احتضنتهم الأخطاء وبنوا حياتهم على اللهو سواء داخل بيوت الفكر أو داخل القصور.