مقالات - موفق محادين

أن أرادوا من احتلال عاصمة عربية أخرى، هي بغداد وتحطيم العراق وتمزيقه إلى كانتونات طائفية، ومن العدوان على سوريا وحشد كل القَتلَة والمرتزقة في العالم، اقتطاع أجزاء منهما (الأنبار وحوران) وضمهما إلى كونفدرالية الأقاليم المُبعثرة في الأردن والضفة الغربية في إطار مشروع هرتسليا (الأردن الكبير)، كان للمقاومة العراقية، ولسوريا، الجيش والشعب والقيادة، الكلمة الفاصلة، فسقط المشروع واستدار مهندسوه جنوباً إلى البحر الأحمر وما يُعرَف بوادي السلام ومشروع نيوم وكل ما يتعلق بصفقة القرن.

ظهور أية قوّة بحرية غرباً أو شرقاً من شأنها أن تضع الإقتصاد الأميركي كله في مرمى الخطر الداهِم وثمة ما يُقال أن الخطاب الأخير للرئيس الروسي، بوتين، تضمّن إشارات عن أسلحة بحرية قادرة على إنهاء السيطرة الأميركية على البحار، ما فسّر ويُفسّر حجم الحملة الأميركية وأعوانها الأوروبيين على روسيا في القضية المزعومة حول الجاسوس الهارِب إلى بريطانيا.

ولم يكن لهذا النجاح السوري أن يتحقَّق لولا الوقفة الوطنية للدروز أنفسهم، وتأكيدهم على هويّتهم العربية، وعلى وحدة وسيادة الدولة السورية.

يبدو مشروع العدوان الصهيوني الأميركي حول تهويد القدس، كمشروعٍ لإعلان هذه المدينة كأورشليم الجديدة وعاصمة لما يُسمّى في العقل اليهودي بـ كونفدرالية الأراضي المُقدّسة (شرق الكانتونات الطائفية من كل الأديان).

لم يكن للإستحقاقات الصهيونية، أن تترك كل هذا التأثير لولا البيئة الأردنية الحاضنة لها، وتركيبتها الإقتصادية، الإجتماعية المشوهة منذ تأسيس الإمارة وحتى اليوم، ومن استراتيجية التخادم السياسي، التي قامت على تهميش الخيارات الإنتاجية لصالح تحالف من البيروقراط - الكمبرادور، وسمحت لاحقا للصندقة، أن تضع يدها على قرارات الأردن الإقتصادية ونهب موارده الكبرى، مثل البوتاس، والفوسفات والإتصالات باسم الخصخصة.

كان الأطلسي كله في المعركة، الأميركيين والأوروبيون، وكذلك النفط كله، حتى أن محميات الغاز والنفط المتورّطة دخلت في أزمة مالية جرّاء ذلك، سبع سنوات عِجاف ولم ترضخ سوريا مدعومة من قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن روسيا وإيران وحلف المُمانعة. وها هي تحصد هذا الصمود الأسطوري قوّة اقليمية قادمة وجيش لا يُقهر..

في ضوء ما سبق ومع استمرار الحراك الذي لن يتوقف وقد يُطيح بأكثر من حكومة، فلا بديل عما يسمّيه غرامشي الكتلة التاريخية أو الجبهة الشعبية الواسعة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مبادرة عاجلة لعقد مؤتمر وطني واسع، يؤطّر الحراك الشجاع المستمر ويحافظ على زخمه، ويصيغ أهدافه تحت شعارات الانتفاضة نفسها، التي تدعو إلى إلغاء نهج التبعية برمّته وفي أبعاده المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وليس إلى استبدال حكومة بأخرى.

تمزيق العراق يسمح بتمرير ضمّ الأنبار إلى الأردن الكبير، وتوسيع ذلك بكونفدرالية مع حكومة في أربيل، وسيناريو تمزيق سوريا يسمح بضمّ حوران وسيطرة العدو على كامل حوض اليرموك وطيّ ملف الجولان إلى الأبد.

بالرغم من أن غالبية دُعاة اللاعنف والكفاح السلمي ماتوا قتلاً مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ وسان جو ست، إلا أن مانديلا وغاندي كانا على حقٍ تماماً وهما يخترعان الحلول المختلفة، منها العِصيان المدني، لأن هذه الحلول تستجيب لطبيعة الصراع الاجتماعي والوطني المُركّب هناك.

ظلّت النقابة ولاتزال (الأخت الكُبرى) في مجمع النقابات، الذي كان يوصَف في عهده الذهبي (قبل الإخوان) بأنه قلعة الحركة الوطنية والمعارضة، فقد كان نقباء المهندسين والمحامين (طابع ناصري وقومي) والأطباء (حضور كبير سابق للشيوعيين) وغيرهم عنواناً لمعارضة مدنية كبيرة وفعّالة.

إن التحديث الإداري هنا وهناك، إذا صحّ حدوثه، لا علاقة له البتّة بالحداثة، فالأول تقنيات مجرّدة لا تُحدِث أية تبدّلات في البنية العامة، أما الحداثة فهي تحوّل شامل ينقل البنية برمّتها ويحوّلها إلى بنية رأسمالية، سواء كانت مُنتجة في الشمال العالمي، أو تابعة جنوباً، وتمثّل العقلانية والعلمانية والأحزاب والنقابات والثقافة الحد الأدنى من ملامح أية حداثة.

قبل أن يسمع العالم بصفقة القرن التي أعقبت زيارة ونهب ترامب لمليارات النفط في السعودية، ظهر هذا المصطلح قبل ذلك بعدّة عقود مرتين، الأولى، 1974 عندما وقّعت السعودية وأميركا اتفاقية عُرِفت بصفقة القرن، اشترطت بيع النفط بالدولار، في ما عُرِف بالبترودولار وذلك وفقاً لما جاء في كتاب اعترافات قاتِل اقتصادي لـ جون بيركنز، من ترجمة د. بسام أبو غزالة. أما المرة الثانية ففي أيلول/ سبتمبر 1994 في باكو، عاصمة أذربيجان.

حقوق الإنسان ليست مُطلقة ولا تُقاس بالمقياس نفسه عند كل الشعوب، فهذه الحقوق تنتهي بالنسبة للمتروبولات الرأسمالية حيثما تتهدّد مصالحها، ويصبح الاعتداء على هذه المصالح أو أدواتها ومرتزقتها خطيئة مقدّسة يُعاقب عليها بالمذابح، وتصبح الشعوب والقوى المُستهدَفة مُستباحة، باعتبارها وفق الجذر التوراتي والداروينية الاجتماعية البريطانية والأميركية كائنات لا ترقى إلى مستوى البشر، فيحل قتلها وسفك دمها.

وبصرف النظر عن التوجّهات النهائية للغُزاة الأميركان والأتراك، الأميركان سواء بمواصلتهم لعبة الابتزاز المزدوج، أو استعادة تركيا الأطلسية على حساب الكرد، والعثمانيون بالإذعان لسيد الأطلسي أو لشهيّة البرجوازية في غاز أوراسيا الروسية وأسواقها، فإن حال الاضطراب المذكورة بحد ذاتها، تصب في خدمة الحلف السوري – الروسي – الإيراني، وتؤسّس لمحاولات جديدة على مستوى الإقليم وخرائط النفط والغاز واللاعبين الجُدُد في شرق أوسط آخر غير شرق الغرب.

في غياب الشروط التاريخية لتشكّل الدول الحديثة، كنتاج للثورات البرجوازية الصناعية وتعبيراتها القومية، وإلى ما قبل معاهدة وادي عربة 1994، ظلّ الأردن أسير الجغرافيا السياسية، التي جعلته حالة أخرى من حالات ما يُعرف بدول "البافر ستيت"، شأن بلجيكا في أوروبا وأفغانستان في آسيا الوسطى.

المزيد