مقالات - موفق محادين

على مَدار العقود الأولى من القرن الـ20، وإثر معارك مع خصومهم القبليين وانتصارهم عليهم في (روضة مهنا) مع آل رشيد في نجد، وفي معركة تربة مع الأشراف الهاشميين في الحجاز، كان تحالف آل سعود وآل الشيخ (الوهّابيون) يُثبت نفسه بدعم تيار شركة الهند الشرقية وجون فيلبي في الحكومة البريطانية، ويمدّ سيطرته على ما يُعرَف بشبه الجزيرة العربية، بما فيها الإحساء الشرقية (منطقة النفط ذات الأغلبية الشيعية)، وعسير التي كانت تحت سلطة الأدارِسة.

احتلّت سوريا والعراق أهمية قصوى عند الطرفين، التركي والصهيوني، بل أن أنقرة وتل أبيب تكاملتا بصورةٍ كبيرةٍ لتحطيم هذين البلدين ومحاولة تمزيقهما طائفياً: سوريا بما تُمثّله من ركيزة لبناء سوريا التاريخية، أو سوريا الكبرى، مقابل (إسرائيل الكبرى)، والعراق بما يُمثّله من تاريخٍ وموارد.

إذا كانت الجمهوريات قد استهدفت قبل غيرها، فمصير الملكيات من حيث النتائج الموضوعية ليس أفضل حالاً، مضافاً إلى كل ذلك الأجندة الخارجية وفي مقدّمها الأجندة الصهيونية التي لا تريد سلاماً أو اتفاقاً مع أية قوى لا بيروقراطية ولا ليبرالية، بل مناخات من الكانتونات الطائفية والجَهوية المُتناحِرة في إطار الاستراتيجية الصهيونية الجديدة (مركز إسرائيلي ومحيط من الكانتونات المُتناثِرة على شكل جغرافيا بلا سيادة).

تقدّم داعش وجبهة النصرة والقنصلية السعودية الخدمة نفسها لأقلام الاستخبارات الغربية، وتصبح لوحات قاطعي الرؤوس ولاعقي الدم عن سيوف السلاطين، ولوحات الجواري والخصيان في البلاط العثماني الإقطاعي، مجرّد خلفيّة لصورة الشرق المذكورة: شرق الهذيانات الجنسية والإجرامية.

تحوّلت عواصم الأعراب الرجعيين إلى مراكز للمخابرات البريطانية والأميركية للإطاحة بحكومة مصدق والتحريض عليها، ولم يكن مصدق من حزب الملالي، بل كان أقرب إلى العلمانية السياسية، ومن المؤسف أن تجربته سقطت بانقلابٍ عسكري 1953 أعاد الشاه الهارِب  وحظيَ بدعم القوى الرجعية العربية التي كانت تنتظر عودة الشاه لتحرير الأطلسي الجنوبي، كما أخذ لاحقاً إسم حلف بغداد – أنقرة.

أن أرادوا من احتلال عاصمة عربية أخرى، هي بغداد وتحطيم العراق وتمزيقه إلى كانتونات طائفية، ومن العدوان على سوريا وحشد كل القَتلَة والمرتزقة في العالم، اقتطاع أجزاء منهما (الأنبار وحوران) وضمهما إلى كونفدرالية الأقاليم المُبعثرة في الأردن والضفة الغربية في إطار مشروع هرتسليا (الأردن الكبير)، كان للمقاومة العراقية، ولسوريا، الجيش والشعب والقيادة، الكلمة الفاصلة، فسقط المشروع واستدار مهندسوه جنوباً إلى البحر الأحمر وما يُعرَف بوادي السلام ومشروع نيوم وكل ما يتعلق بصفقة القرن.

ظهور أية قوّة بحرية غرباً أو شرقاً من شأنها أن تضع الإقتصاد الأميركي كله في مرمى الخطر الداهِم وثمة ما يُقال أن الخطاب الأخير للرئيس الروسي، بوتين، تضمّن إشارات عن أسلحة بحرية قادرة على إنهاء السيطرة الأميركية على البحار، ما فسّر ويُفسّر حجم الحملة الأميركية وأعوانها الأوروبيين على روسيا في القضية المزعومة حول الجاسوس الهارِب إلى بريطانيا.

ولم يكن لهذا النجاح السوري أن يتحقَّق لولا الوقفة الوطنية للدروز أنفسهم، وتأكيدهم على هويّتهم العربية، وعلى وحدة وسيادة الدولة السورية.

يبدو مشروع العدوان الصهيوني الأميركي حول تهويد القدس، كمشروعٍ لإعلان هذه المدينة كأورشليم الجديدة وعاصمة لما يُسمّى في العقل اليهودي بـ كونفدرالية الأراضي المُقدّسة (شرق الكانتونات الطائفية من كل الأديان).

لم يكن للإستحقاقات الصهيونية، أن تترك كل هذا التأثير لولا البيئة الأردنية الحاضنة لها، وتركيبتها الإقتصادية، الإجتماعية المشوهة منذ تأسيس الإمارة وحتى اليوم، ومن استراتيجية التخادم السياسي، التي قامت على تهميش الخيارات الإنتاجية لصالح تحالف من البيروقراط - الكمبرادور، وسمحت لاحقا للصندقة، أن تضع يدها على قرارات الأردن الإقتصادية ونهب موارده الكبرى، مثل البوتاس، والفوسفات والإتصالات باسم الخصخصة.

كان الأطلسي كله في المعركة، الأميركيين والأوروبيون، وكذلك النفط كله، حتى أن محميات الغاز والنفط المتورّطة دخلت في أزمة مالية جرّاء ذلك، سبع سنوات عِجاف ولم ترضخ سوريا مدعومة من قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن روسيا وإيران وحلف المُمانعة. وها هي تحصد هذا الصمود الأسطوري قوّة اقليمية قادمة وجيش لا يُقهر..

في ضوء ما سبق ومع استمرار الحراك الذي لن يتوقف وقد يُطيح بأكثر من حكومة، فلا بديل عما يسمّيه غرامشي الكتلة التاريخية أو الجبهة الشعبية الواسعة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مبادرة عاجلة لعقد مؤتمر وطني واسع، يؤطّر الحراك الشجاع المستمر ويحافظ على زخمه، ويصيغ أهدافه تحت شعارات الانتفاضة نفسها، التي تدعو إلى إلغاء نهج التبعية برمّته وفي أبعاده المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وليس إلى استبدال حكومة بأخرى.

تمزيق العراق يسمح بتمرير ضمّ الأنبار إلى الأردن الكبير، وتوسيع ذلك بكونفدرالية مع حكومة في أربيل، وسيناريو تمزيق سوريا يسمح بضمّ حوران وسيطرة العدو على كامل حوض اليرموك وطيّ ملف الجولان إلى الأبد.

بالرغم من أن غالبية دُعاة اللاعنف والكفاح السلمي ماتوا قتلاً مثل غاندي ومارتن لوثر كينغ وسان جو ست، إلا أن مانديلا وغاندي كانا على حقٍ تماماً وهما يخترعان الحلول المختلفة، منها العِصيان المدني، لأن هذه الحلول تستجيب لطبيعة الصراع الاجتماعي والوطني المُركّب هناك.

ظلّت النقابة ولاتزال (الأخت الكُبرى) في مجمع النقابات، الذي كان يوصَف في عهده الذهبي (قبل الإخوان) بأنه قلعة الحركة الوطنية والمعارضة، فقد كان نقباء المهندسين والمحامين (طابع ناصري وقومي) والأطباء (حضور كبير سابق للشيوعيين) وغيرهم عنواناً لمعارضة مدنية كبيرة وفعّالة.

المزيد