مقالات - ميشال كلاغاصي

في عالمٍ هيمن فيه البعض على البعض، وانقسم العالم إلى عالمين، غنيٌ يلتقي ويجتمع لزيادة الغلَّة، وفقيرٍ يدفع ضريبة وحشية وجَشَع الأغنياء، في وقتٍ يتحدَّث فيه البعض عن النتائج الباهِتة لقمّة أوساكا، وسط استغراب البعض الاّخر من الإتفاق على عقد القمّة المقبلة في السعودية، إذ يبدو المشهد مقرؤاً من عنوانه، فلا إقتصاد يُرتجى هناك ولا حريات ولا حقوق المرأة وحقوق الإنسان، في معقل النظام الأكثر إرهاباً حول العالم وبشهادة العالم نفسه، وهو الباحِث عن استقرار النظام العالمي عبر مجموعة العشرين!.

قصة ٌبدأت فصولها الجديدة مع الإنسحاب الأميركي من الإتفاق النووي مع طهران ، وتدحرجت ما بين موجات الخلافات والصراعات الأميركية الداخلية وما بين التحريض الإسرائيلي – الخليجي، واتخذت طابعاً إقتصادياً  تجارياً وتهويلاً عسكرياً وبفرض عقوباتٍ قاسية غير مسبوقة ضد الدولة الإيرانية، وصلت حد منعها من تصدير نفطها إلى العالم.

دائماً هو الخائف "نتنياهو" والذي يخشى خسارة متطرّفي الرأي العام والمتحكّمين من النُخَب السياسية في الولايات المتحدة ، وهو الذي أصدر تعليماته لوزرائه وكبار مسؤوليه السياسيين والعسكريين بالصوم والصمت عن التصريحات المباشرة الواضحة لتوريط واشنطن في المواجهة الشاملة مع إيران.

في الوقت الذي يستمر فيه الرئيس الأميركي بالإستهزاء وبتوجيه الإهانات للنظام السعودي تحديداً , ولأنظمة الخليج عموماً , يتابع صهره ومستشاره استخدام الأسلوب ذاته, ويتمادى في سخريته وخداعه, وبوعده بتأجيل الإعلان عن صفقة القرن لما بعد شهر رمضان المبارك ... هل حقا ً يهتم طفل الصهيونية المدلل بعقائد وطقوس وعبادة الآخرين, في الوقت الذي يرى بأمّ عينيه كيف يستبيح المئات من الصهاينة ساحات المسجد الأقصى لتدنيسه, وإرسال جيش الإحتلال الإسرائيلي مجموعاته المتطرفة لتدنيس حائط البراق ... فيما يتهيأ بعض العرب للمشاركة في مؤتمر وورشة البحرين لتشريع "صفقة القرن" ولإقرار الموافقة على اغتصاب فلسطين....

ومن الملاحظ أن إدارة الرئيس ترامب لم تكتفِ بنقل السفارة إلى القدس، بل إنها عمدت إلى ممارسة ضغوطها على عديد الدول التي تدور في فلكها وتخشى غضبها، في وقتٍ لم تفلح فيه الإتصالات الإسرائيلية المُكثّفة بالحكومات اليمينة وغيرها حول العالم في إقناعها بإرتكاب هذه الجريمة السافِرة التي تتجاوز القانون الدولي والقرارات الأممية التي تعترف بأراضي القدس الشرقية على أنها أراضٍ فلسطينية.

يوماً بعد يوم تتالى المشاهد التي تُثبِت حال الوَهْن والضعف التي وصلت إليها سلطة الكيان الإسرائيلي الغاصِب، والتي أخذت تضرب أساسات وجودها وبقائها، بما يقضّ مضاجعها ويرفع مستوى ترجمة وتجسيد كوابيسها التي أخذت تُرخي بظلالها وبشكلٍ واضحٍ على قادة الكيان السياسيين والعسكريين والمستوطنين أيضاً، على الرغم من امتلاكها لأقوى الترسانات العسكرية ، وتلقّيها الدّعم الأميركي والأوروبي المالي والعسكري والسياسي اللا محدود ، بالإضافة إلى حال الإنقسام التي يعاني منها الصف العربي عموماً ، وهرولة بعض أنظمة وعروش التخاذُل العربي نحو التطبيع المجاني، لإنهاء حال الصراع عبر تصفية القضية الفلسطينية من خلال "صفقة القرن"، والتي أعلنت فصائل المقاومة أنها لا تقبل بأية صفقة وبهذه التسمية جملةً وتفصيلاً.

هل حقاً ينحصر الهدف الحقيقي للولايات المتحدة في تعديل بعض بنود الاتفاق النووي أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها؟ وهل للأمر علاقة بصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، والإعتراف الأميركي بالقدس عاصمة  للكيان الغاصِب، وبسيادته على الجولان السوري المحتل، وبالضغط على مسار الحرب على سوريا وعلى كل أطراف محور المقاومة بما فيها إيران؟

لن يمرّ هذا المُخطّط اللعين، ولم تعد الشعوب العربية تعوِّل على هذه الأنظمة الخانِعة، ويبقى الحل الوحيد هو باستمرار المقاومة طالما هناك مَن يحملون السلاح، ويواجهون العدو الإسرائيلي والهيمنة الأميركية، ومَن يرفضون كل تطبيع، ومَن يرون أن أميركا ليست قدراً للشعوب العربية، وأن ما أُخِذ بالقوّة لا يُستَردّ إلا بالقوّة، وأن مصير أوطاننا و"مصير المنطقة تقرّره الشعوب مهما تعاظمت التحديات" – بحسب قول وتأكيد الرئيس بشّار الأسد.

يبدو أن ترامب يستعجل نهاية الكيان الإسرائيلي، فتوقيعه للقرار لن يمرّ مرور الكرام، وستبقى الكلمة الأولى والأخير للدولة السورية ولمحور المقاومة.

لم يعرف التاريخ ظلماً أبشع مما تعرّض له السوريون والدولة السورية وعناصر الجيش العربي السوري، جرّاء الاعتداءات الإرهابية والعدوان العسكري، والهجوم الدبلوماسي.

اليوم تنشغل وسائل الإعلام الأميركية بالحديث عن أغنى رجلٍ في العالم، ومالك صحيفة ال "واشنطن بوست"، التي اعتنت بنشر مقالات الصحافي جمال الخاشقجي وكل ما تعلّق بمقتله، فقد تعرّض السيّد "جيف بيزوس" للابتزاز من صحيفةٍ صفراء تعود ملكيّتها إلى صديقٍ مُقرّب من الرئيس دونالد ترامب

لن تنال الولايات المتحدة من صمود الشعب والدولة السورية، على الرغم من خطورة وقساوة الحروب الاقتصادية.

على طريق تحقيق أطماعها، ومنذ العام 2013 بدأت تركيا بالسعي والمطالبة بإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، والتي قوبلت دائماً برفضٍ أميركي، لكن هذا لم يُثن أنقرة عن متابعة بثّ أكاذيبها ومُرواغتها الأردوغانية، للإدّعاء بأن سعيها لإنشاء هذه المنطقة يهدف إلى حماية المدنيين من "النظام".

جاؤوا منذ عقودٍ قليلة، مُعذّبين مقهورين مُطارَدين، سكنوا أرضنا وعاشوا بيننا، زرعوا وحصدوا وأكلوا وأنجبوا أولادهم، لم يحملوا أصلاً واحداً ولا ديناً واحداً ولا عرقا ً واحداً ، هنا توحّدوا وهنا اجتمعوا وهنا أصبحوا عائلةً صغيرةً وجزءاً من عائلةٍ سوريةٍ كبيرة، تحمّلوا ما تحمّلنا ونالوا ما نلنا، لم يكونوا إلاّ ضيوفاً أعِزاء وأصبحوا إخوة وأشقاء...

مع إنتهاء الانتخابات الأميركية النصفية، وما بين حرائق كاليفورنيا وفظاعة جريمة قتل الخاشقجي، واقتراب الإدارة الأميركية من إعلان وليّ العهد السعودي مسؤولاً مباشراً عنها، ومع إنكسار شوكة التحالف السعودي في العدوان على اليمن، وخسارة "داعش" آخر معاركه في تلول الصفا السورية، وسط عودة النازحين الطوعية الآمنة، وتوازن الإنتصارين العسكري والسياسي تمضي سوريا واثقةً مسرعةً نحو رسم حصّتها الكبيرة من ملامح المرحلة والعصر الجديد، على وقع تصدّع القبّة الحديدية وحاجة "إسرائيل" إلى الحماية أكثر من قدرتها على حماية وقيادة المُطبّعين معها, على ضفاف زحمة الأحداث الإقليمية والدولية الموازية...

المزيد