حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

دعوة إلى التمرّد

تمرّد على كل ما أحاط بك من فوضى وهراء وحقد وشعواء، هي معركة عليك أن تخوضها من دون حساب. قد تبدأ من ذاتك وتمتد إلى كل ما يحيط بك. معركة استقاء مفاهيم الحقوق وترسيخ الواجبات حتى تسدّ كل مداخل الظلم

حين تجد نفسك في مجتمع متمرغ في وحول الجهل، يسير إلى مستقبل مخفي ومجهول، قف معاكسًا لكل التيارات وتمرّد.

تمرّد على كل ما أحاط بك من فوضى وهراء وحقد وشعواء، هي معركة عليك أن تخوضها من دون حساب. قد تبدأ من ذاتك وتمتد إلى كل ما يحيط بك. معركة استقاء مفاهيم الحقوق وترسيخ الواجبات حتى تسدّ كل مداخل الظلم، من دون أن تفكرّ ما ستخسره في هذا الميدان من محاربين أو حلفاء أو أصدقاء، بل "لا تستوحشنّ طريق الحقّ لقلّة سالكيه"، متوسّلاً مجد الحقيقة ومعرفة الحقّ التي تستتبع معرفة أهله.

الحق الذي تقسم به سوط الجلاد بسيف مواقفك، من خلال الكلمة والصوت والرصاصة والريشة وكل أساليب الفعل المقاوم. أن تقاتل لأجل الحرية والمثل العليا. أن تسعى للمجد ‏إسبارطيًا، رافضاً المهادنة، كمقارع لحصار الإسكندر، أو كموسى عند الطوفان، أو كالمسيح في درب الجلجلة، أو كمحمد في غار حراء، أو كالحسين في كربلاء. أن تثور من داخلك، أن تتقطع أوصالك في درب الجلجلة، وللمجد الخالد، وللحرية المضرجة بدماء حمراء. تلك التي مشى على طريقها رجال أحرار رفضت نفوسهم الذل والهوان، في كل بقاع الأرض، فغدوا أيقونات لكل الأرواح الحرة التواقة لدحر الظلم أينما حلّ في العالم.   

إنه سبيل لا بد من سلوكه. إنه "لا" لا بد أن تُرفع بالسيف ‏وبالقلم، أن تُشغل جمر الثورة، التي قد تبدأ من فكرة تطرحها، لأن التغيير لابد أن ينطلق من شخص واحد ليؤثر على مجتمعات بأكملها، كما فعل رجال النضالات عبر التاريخ، ولا يزال اسمهم يصدخ في سماء المقاومة كقدوة للسير خلفهم. الثورة على الذات قبل المجتمع، على العادات القبلية وبعض الأعراف البالية، على الظلم وأنين النفوس المعذبة والمنسية. هي معركة تستحق الخوض دون تراجع، دون وجل، أن تكسر كل حواجز النفس، وتستقي من خيوط ضوء الشمس كل صباح قناديل طريقك، ولا ترضى بأقل من بزوغ فجر جلي على هدفك الواضح الذي خططته بالسيف والقلم والدماء.  

يترنح بعض الشباب اليوم بسبب ما أورثته إياه هزائم التاريخ، وبات راخضاً لواقع مرير، يقارع بلا جدوى، فيهاجرون تاركين وراءهم فجوة عميقة في مجتمع متهاوٍ يصفق لبعض أبواق ولا يرفع فأس ابراهيم، محطماً كل تلك الأصنام. وفي هذا الصدد يقول المفكر الإيراني علي شريعتي "إذا أراد الإنسان أن يفكر بحرية ويشاهد الأشياء بوضوح وبصيرة، فعليه أن يمارس بنفسه الكشف والتحليل والتحقيق ويجتهد حتى يتوصل لحقائق الأمور ويحذر التقليد واجترار قناعات الآخرين، وعليه ألا يتأثر بشخصية الأبطال والقادة والعظماء، لأن الحق هو المعيار في تقييم الرجال وليس العكس".

تمرّدوا أيها الشباب، لا تتمرّغوا بوحول الجهل، المستقبل لنا إن نحن تمردنا وعملنا وقلبنا المعادلة، سيشيخ حاملو الأفكار المهترئة ولن يذكرهم التاريخ وسيذهبون إلى مصائر وعواقب لا يدرونها. فهذه قصورهم لن يبقى لهم منها سوى الهياكل، وهذه قبورهم عبرة لما هو زائل. لن يبقى شيء سوى ما خُطّ في طريق المجد الخالد. المجد الذي أوله الحق وآخره الحق، وألا نخسر نفَساً إلا في سبيل نصرة المظلوم، أينما وُجد. وأن نخطف الضوء كل الضوء، لننير به طرقنا ونصون بلادنا وأولادنا، ونستقي من أحلامهم الأمل.