غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

الجيش السوري يطرق أبواب إدلب

تعتبر سوريا أن معركتها مع الإرهاب أضحت محسومة وواضِحة النتائج، وقرارها الثابِت هو عدم التخلّي عن أيّ شبرٍ سوري، ولذلك نرى جيشها يتقدَّم بسرعةٍ وبفائضٍ من المعنويات العالية والقوَّة القِتالية والتسليحيّة، وبدعمٍ كاملٍ من الحلفاء وخاصة الروسي

كثيرةٌ هي الأسئلة التي تُطرَح بعد تحرير مدينة خان شيخون
• هل بلغ اليأس الروسي ذروته من سياسة "أردوغان" المُراوِغة، لذلك دعمت الحلّ العسكري؟
• في ظِلّ شبه الصمت الأميركي، هل نضج القرار الدولي بإنهاء الحرب في سوريا؟
• هل تخلَّى الأتراك عن خان شيخون ولماذا؟
• ما هو موقف الدول الأوروبية؟
• لماذا لم تتدخّل إسرائيل لنجدة جماعاتها؟
سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات من خلال تحليل موقف الدول الفاعِلة في الحرب السورية.
روسيا:
منذ اتّخاذ القرار السوري-الروسي بتنفيذ مُقرَّرات مؤتمر "سوتشي" بالقوَّة العسكرية، وذلك بعد أن أخلَّت تركيا بوعودها التي تقضي بسحب المجاميع الإرهابيّة من المنطقة المنزوعة السلاح، بتنا نُلاحِظ تغييراً في طريقة التعامُل بين الروسي والتركي، سواء كان ذلك التغيير في السياسة أو على الأرض، ففي السياسة لم تستطع اللغة الدبلوماسية والمُصافحات التي تجري فوق الطاولة إخفاء دخان الاشتباك تحتها، أمّا على الأرض فالاشتباك قائِم ويظهر جليّاً من خلال الطيران الروسي الذي يستهدف كلّ ما يخصّ تركيا على الجغرافيا السورية، أو من خلال الطائرات المُسيَّرة التي تستعملها الجماعات الإرهابية بإشرافٍ تركي مباشر، والتي تعتبر أن القاعدة العسكرية الروسية في حميميم هي هدفها الأول.
لقد عملت روسيا طوال الفترة الماضية بأعصابٍ مضبوطةٍ، وتمكَّنت من تفكيك مُعظم الألغام العالمية التي زُرِعت في طريق تحرير إدلب، كما استطاعت جَذْب التركي جزئياً إلى خارج منطقة السيطرة الأميركية، ويبدو الآن أنها وصلت إلى قناعةٍ بأنّ هامِش التنازُلات التركية قد أصبح ضيّقاً، وأنّ أيّ تنازُلٍ لن يكون إلا باستخدام القوَّة العسكرية، ولذلك زادت من زُخمها العسكري لدعم الجيش السوري، الذي استطاع تحرير ريف حماه الشمالي وأجزاء من ريف إدلب الجنوبي بما فيها خان شيخون، والمؤشّرات تدلّ على مواصلة التقدّم السوري باتجاه مدينة إدلب مع مواصلة الدعم الروسي بنفس الزُخم، وهذا ما بدا واضحاً من خلال كلام الرئيس الروسي بعد لقائه مؤخّراً مع الرئيس الفرنسي، كذلك كلام وزير الخارجية الروسي خلال المؤتمر الصحفي مع وزيرة خارجية غانا، ولعلّ الرسالة الروسيّة الأقوى هي مُلاحقة طائرة روسيّة لطائرتين تركيّتين حاولتا مَنْع الطيران الحربي السوري وقف الرتل العسكري التركي المُتّجه لدعم إرهابيي خان شيخون.
الولايات المتحدة الأميركية:
الولايات المتحدة الأميركية فقدت الأمل في أيّ مكسبِ راهنت على تحقيقه في الحرب على سوريا، ويبقى هدفها الأول هو إطالة هذه الحرب زيادةً في القتل والتدمير، ولذلك نراها حتى الآن مُتمسِّكةً بالورقة الكردية رغم قناعتها بأنّها ورقة مؤقّتة، تاركة تركيا تفقد نقاط قوَّتها نقطة بعد أخرى، الشيء الذي يجعلها أكثر ليونةً في الملف الكردي، كما أنّها أصبحت على قناعةٍ بأنّ مواجهة روسيا في سوريا هي مواجهة خاسِرة، لذلك نراها تنتقّل إلى المواجهة معها من خلال العقوبات الاقتصادية والانسحاب من مُعاهدات سباق التسلّح وما إلى ذلك.
تركيا:
لا يختلف إثنان بأن الورقة التركية الأقوى وربّما الورقة الوحيدة المُتبقيّة هي مُحافظة إدلب، وبفُقدان هذه الورقة تكون قد خرجت من حربها على سوريا خالية الوِفاض، ولكنّها أعجز من أن تمنع تحرير هذه المُحافظة، ولاسيما في ظلّ القرار الروسي الحاسِم بإكمالِ هذه الخطوة حتى لو أدَّت إلى مواجهةٍ مع تركيا، ولذلك نسمع تصريحات كبار المُعارضين الأتراك الذين يُعبِّرون عن رغبتهم بزيارة سوريا لإيجاد تسويةٍ للأزمة السورية التركية، يحدث ذلك في ظلّ صمت الرئيس التركي عن هذه التصريحات بعكس عادته، وهذا ما يوحي بأنّه مُطّلع بل ومُرحِّب بهذه المُبادرات، كذلك اللقاءات المُتكرِّرة لرئيس المُخابرات التركي مع قيادات في أجهزة الأمن السورية، وذلك حسب ما نقلته عدّة وسائل إعلاميّة، ويبقى سقف الطموح التركي هو تغيير ديموغرافي في الشمال السوري، يتمّ بموجبه تراجُع الكرد عن الحدود السورية التركية ليحلّ مكانهم سوريون يُدينون لها بالولاء ممَن أخذتهم كلاجئين منذ بداية الحرب ليُقيموا هناك وليكون دورهم لاحقاً هو تشكيل حاجِز بين تركيا وبين الكرد.
الدول الأوروبية:
حالها كحال الولايات المتحدة الأميركية، مع فارِق الهمّ الذي يبدو بالنسبة إلى الأوروبيين هو فقط مَنْع آلاف الإرهابيين من العودة إلى الدول الأوروبية، وهذا ما صرَّح به وزير خارجية فرنسا.
إسرائيل:
فقدت إسرائيل كلّ الآمال التي عقدتها على المجموعات المُسلّحة، وأيقنت بأنّ هذه المجموعات قد أصبحت بحُكم المُنتهية، لذلك لم تهرع لنجدتها كما كانت تفعل مع كل تقدّم للجيش السوري.
سوريا:
تعتبر سوريا أن معركتها مع الإرهاب أضحت محسومة وواضِحة النتائج، وقرارها الثابِت هو عدم التخلّي عن أيّ شبرٍ سوري، ولذلك نرى جيشها يتقدَّم بسرعةٍ وبفائضٍ من المعنويات العالية والقوَّة القِتالية والتسليحيّة، وبدعمٍ كاملٍ من الحلفاء وخاصة الروسي، الشيء الذي يُسهِّل العمليات العسكرية القادِمة والتي ستكون مدينة إدلب أحد أهدافها إن لم يقتنع المُشغِّل الخارجي بأنّه وصل إلى نهاية الطريق، وأنّ ما عليه سوى السماح بتسوياتٍ تُتيح للجيش السوري دخول كافّة المناطق كما حدث ذلك في أكثر من مكان.