حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

كيف يُطفئ الحزن اشتعال المُقل؟

يقولون إنه اكتئاب، يخرج على شكل حزن عميق، يحتل ضفتيّ هذا العقل، ويغزو ما تبقى منه، تاركاً لي شذرات قليلة من الفرح والأمل.

  • كيف يُطفئ الحزن اشتعال المُقل؟

-        كيف يترسّب التعب إلى عينيك فتغدوان بهذه الوحشة؟ وكيف يصنع تشابك الأفكار قلقاً مزمناً تتغرب معه عن نفسك؟ فلا تعود وتألف لا حيز ولا زمن ولا أحد؟ أخبرني قليلاً، ماذا يفعل هذا الوخز في روحك؟

-        قالت سائلتي، التي أرسلت إليّ سؤالها، وهي لم تعد تدري عن الكائن الذي في داخلي. تبحث عن جواب لكل تساؤلاتها، في كومة من فوضى المشاعر والأفكار. فعيوني التي غدت بهذه الوحشة، لأنها تعبت من الرؤية، ومن الواقع.

مشاهد يومية من الظلم والقهر والفساد والحزن، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا. تعبت من نقل كل هذا الحزن إلى ذهني المتشابك بالأفكار. فأغرق تارة في الواقع وتارة أخرى في الخيال. هذا الذهن الذي أبرم اتفاقًا مع الحزن منذ وقت طويل، تعاهدا أن يتعايشا معاً في هذا الدماغ. يقولون إنه اكتئاب، يخرج على شكل حزن عميق، يحتل ضفتيّ هذا العقل، ويغزو ما تبقى منه، تاركاً لي شذرات قليلة من الفرح والأمل.

كل هذه المظاهر التي تمّر أمام مقلتيّ المتعبتين، يترجمها عقلي إلى حزن ويبقيها معتّقة في أحد مخازنه في الذاكرة البعيدة، ويصنع منها نبيذ الكآبة. لم أعد أفقه تعريف الفرح. لم تعد تألف روحي هذا الشعور. فالفرح بالنسبة لي مجرد لحظة عابرة في دهر من التخبط، يمكث هنيهة، وبعدها يمضي ويتبعثر، لأنه يعلم أن لا موطن له يمكث فيه مرتاحاً.

أما عما يسمونه باضطراب القلق وتشابك الأفكار، الذي يغرّب النفس عن صاحبها، فلا يعود ويألف زمنًا أو مكانًا أو أي شخص، فهذا القلق سند الحزن ورفيقه. يتلازمان تلازم صاحبين في وحشة الدرب، فكما للحزن مقاليد الحكم في ذهني، كذلك للقلق المواجهة في الميدان بين أفكاري. فيتصدى لأي فكرة إيجابية، أو بصيص أمل، ويلجمهما لينتصر حزني أخيراً. إنه القلق من كل شيء، من الخطوة التالية، من اللحظة العابرة، من الوقت.

تتقدم الأفكار، تقاوم، تحاول، فيأتي القلق بجلاديه وزبانيته، يلجمونها لكيلا تتحقق، وبهذا يبقى الحزن قائمًا في هذا العقل. الحزن داهية، مخادع، يعرف كيف يتشبث بمقاليد السلطة ويبعد عنها الشكوك. فيظهر تارةً ببعض مظاهر الفرح، بين ضحكة وابتسامة ونشوة، ليوهم الجميع بأن الأمور تسير بشكل جيد، فيما يسيطر هو على كيان مخفي باطني.

هذا، بعض من كياني، لكن وبالرغم من هذا الواقع المقيت، وهذا الاحتلال من الحزن والقلق لروحي، يبقى حيّزٌ في هذا العقل للمقاومة. حيّزٌ صغير، ولكنه كفيل بمقارعة هذا الاحتلال، حيز مليء بالغضب، بالثورة، وبالأمل.

أمل يحدثني بأن كل هذا الواقع سيتبدل يوما ما، سيدحر احتلال الحزن من العقل، وستتبدد الوحشة من العيون المتعبة، في سبيل التغيير، في سبيل يوم جديد. يوم غائم ينقشع فيه سراب حزني بينما يتلاشى.

لتشتعل الروح بعد هذا الوخز كله، وتحرق حزنها الجاثم طويلاً، ويغدو رمادًا... ومن الرماد سيبعث الأمل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً