محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

إلى رجلٍ هناك.. التجزيئية والطيور الموظّفة

المسار التاريخي لأيٍّ منا، مهم التذكير به في زمن الفوضى، لكن دعني أقول لك.. هناك واقِع يصنع الذات، وهناك واقِع تضيع فيه الذات. هناك تساؤل مستمر، هل نحن أمام حركة التاريخ مثل الجغرافيا؟ أم نحن أمام الجغرافيا، مثل ما يدَّعيه دُعاة التجزيئية، مُجرَّد كائنات تكشط الحياة ومن دون أن تقبض الثمن؟

  • إلى رجلٍ هناك.. التجزيئية والطيور الموظّفة

لست أريد هنا أن أدخل في فلسفة سارتر، ولا دخان الكنيسة الأبيض المُبشِّر بالتوافق بين الكاردينالات على زعيمٍ جديدٍ للفاتيكان.

بالتأكيد أريد أن أقول لك بأنني فهمت أنك تتألَّم لبعض الأخطاء الواقِعة، وأنت أحدها وما تقوم به فرقة الاغتيالات للحلم في زمن العصافير.. إن الدول التي يحتمون بها من وراء الجدار هي ذاتها التي تحفر لهم مقابرهم من وراء الستار... هم بالتأكيد يصارعون تحت قوّة الآخر لا من أجل بناءِ سقفٍ فكري يضمن الاستمرار لعقل الماضي، ولا هم يتساءلون مثلنا حول الصفوف التي نجد فيها أنفسنا، إن بقينا نردِّد الأخطاء للتغطية على ما هو أسوأ.

حين يقول "فرحات مهني" الداعي إلى "الانفصالية" أنه يريد دولة مستقلة – بالطبع هو رئيسها- يكون قد أوجد للتاريخ دليلاً وللجغرافيا أسناناً.
أمر مهم أن نسمع مثل هذه "الحَكي"، لأننا نعرف مُسبقاً أن أنصار الغَضَب الفاحِش بأنهم لن يكونوا من ذوي الحسّ الإنساني ولا من أصحاب الفِعل الخلاَّق أمثال "فرحات مهني" والذي هو زاهِد في معرفة الحقيقة، ومُتعطّش للخطيئة، لكنه – بالتأكيد - يجرُّ وراءه سنين مُتراكِمة من الخطايا، يؤمِن بأنها – ولعلّها كما يظنّ - تمكِّنه من اللعب في أوساط نار بلا دخان، ذلك أن جهاز المخابرات الفرنسي يُحيطه بكل تفاعُلات المُنجَز وغير المُنجَز في سياسة التخريب في الجزائر.
دعني أقول لك مرة أخرى، وأنا مُتأكّد أنك لن تُخالِفني الرأي، هناك موقف مُريب، يُحيط بالكثير منا من حيث الموقف الأوروبي من قضية الإرهاب، إذ لا شيء عنده من هذه الظاهِرة غير ما يخفيه خلفها.

صحيح أنها ظاهرة عالمية، وأن موجاتها تجاوزت في أغلبها صوت العقل والضمير، فما تحصده من أبرياء ليس بالأمر الهيِّن، ولكن مَن يقف خلفها أيضاً ليس أمراً عادياً فإلى جانب أسباب الاختلال الحاصِل بين دول الشمال والجنوب، هناك رؤية قائِمة على مفهوم إن الاستقرار العالمي يضرُّ بمصالح دول الشمال، وأن مصالحها أيضاً في مجموعة دول الجنوب لن تكون هي أيضاً بمنأى عن الضمور، وعن مُطالبة الدول فيها بحقّها في السيادة على كل مُدخَّراتها وثرواتها.
الظاهِرة من حيث الأساس نِتاج السياسة الاستعمارية في قالبها الجديد، صناعة الثورات وصناعة الفوضى، وهي ما تُعبِّر عنه أميركا بمُصطلح الفوضى الخلاَّقة.

لقد ظلّت دول الشمال تنظر إلى الاستقرار الذي تنعم به بعض دول الجنوب على أنه بداية النهوض لها، وبالتالي بداية لزوال مصالحها خاصة وأن الثقافة السلمية في هذا الجنوب أخذت في بعض دوله نهضة لا تقلّ عن النهضة في دول الشمال.

لقد عَمل الغرب برمَّته، على بناء قوَّة "إسرائيل" لا حبّاً فيها ولا لأنها ديمقراطية كما يدَّعي، بل أجزم أنه يعلم أنها دولة إرهابية بما في الكلمة من معنى، لكنه أتاح لها الفرصة كي تكون كما هي عليه الآن، لإدراكه أن الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، إذا ملك زِمام أموره اقتصادياً، وبقي بعيداً عن الصِراعات الداخلية لن يكون إلا صخرة في وجهه.. ولأسبابٍ اقتصاديةٍ وحتى جغرافية كان لا بدّ وأن توضَع في وجهه كل أدوات التضليل وكل موجات الفِتَن، والذي يصنع هذا نيابة عنه هو "إسرائيل".

لذلك فوجود "إسرائيل" في المنطقة منذ البداية تمّ على هذا الهَوَس الاستعماري... وقد وضَّح هذا بما لا يفيد الشكّ رئيس وزراء إسبانيا الأسبق "أزنار" في ندائه الأخير (في حرب العراق) الموجَّه أساساً إلى الغرب كله، القاضي بـ"حماية إسرائيل وإلا فإن أوروبا ستكون أمام احتمالات المِحَن الكبرى".
إن محاولات ضرب الاستقرار في المنطقة العربية ومنها الجزائر لا تعني كما يدَّعي الغرب هو من أجل مُحارَبة الإرهاب، كان الأجدر بالغرب أن يرفع يده عن الغطاء الاقتصادي والسياسي والعسكري للكيان الإسرائيلي، لأن نِتاج الإرهاب هو قادم للجميع من هناك.

إن الغرب يعلم هذا وموجودة ملفاته السرّية في خزائنه، لكن يريد فقط بناء ذاته، واستمرار تفوّقه من خلال اللجوء إلى "إسرائيل" بدفعها كل مرة إلى إشغال الحروب، وإلى الاغتيالات السياسية.


تجمعهم الرغبة في سَفك الدماء 

إن فكرة بناء جِدار الصمت على الإرهاب هناك، ومُحاصَرة الدول العربية اقتصادياً تحت جرائم مجلس الأمن الدولي أمر مدروس ومُخطَّط، هناك إذن مواقف هي أقرب إلى الجناية منها إلى توضيحٍ آخر.

لم تكن الولايات المتحدة في الأصل وبموقفها إلا أداة من أدوات التخريب العالمي، وهي إنْ لم تكن كذلك، لن تكون أصلاً إلا شتاتاً لقوميات ووثنيات لا تملك مصادر بناء قوّتها خارج منظور الانحطاط الذي تسبح فيه، انحطاط تجرّه تيّارات وتوجّهات ما يُعرَف بالمُحافظين الجُدُد، وهم في الواقع اللاهوتيون الذين تجمعهم الرغبة في سفك الدماء وتخريب العالم، الخراب المتواصِل.

صحيح إن فكرة الانتصار للعولَمة كظاهرةٍ استعماريةٍ بمنطوق قادتها الأميركيين، هي فكرة تروّج لدُعاة الانشطار الفكري للقوى العالمية، وقد تتبنَّى رؤية واحدة هي الرؤية الأميركية، نعم رؤية أحادية ودولة كونيّة واحدة، لكن حسابات الفرضيات المُتماهية أو الرمادية هي التي تصنع اليوم أكثر الأخطاء السياسية لدى الولايات المتحدة الأميركية رغم إمكانياتها، فما بالك بهؤلاء الذين جرَّدهم التاريخ من أيّ غطاء.
لا أريد هنا أن أعود بك إلى كلامٍ ربما تحدَّثنا عنه قبل كثيراً، وأعود الآن إلى حديثك الذي تقول فيه إن بناء الداخل هو جوهر الصِراع بين مَن ينظرون إلى العالم الثالث على أنه بقرة حلوب لمصالحها، وبين مَن يُنظّر لهذا العالم إلى واقع بناء، الشخصية فيه والاستثمار البشري هو بداية لحلّ الأزمات ومواجهة الفكر "الكولونيالي" وهم مُجرَّد طيور موظَّفة بتعبير "سيشرون" لفكر الآخر في جغرافية لا تقبل ذلك.
من فترةٍ ونحن نقول إن بناء الداخل وبأدواته هو المجرى الذي يتحرَّك فيه المستقبل، وإن دواعي التفاعُل مع فكر الآخر لن تكون إلا دواعٍ استعمارية، وإن دواعي التفاعُل وفق دواعي الداخل هي دواعٍ قائمة على الشعور بالمسؤولية وبالثقافة الفاعِلة والمُتفاعِلة مع الوجدان الوطني، وإن أيّ تفاعُل يؤخَذ من تفاعُلاتٍ خارجيةٍ هو في النهاية علامة توجّه لإلغاء الذاتي، وهذا ما يحاول دُعاة الانعزالية الأخذ به وفقاً لسلسلة تقوم على الفصل بين أحداث التاريخ وقوَّة الجغرافيا، بحيث يطالبون بإلغاء حُقَبٍ تاريخيةٍ لحساب حُقَبٍ أخرى هي من مطويّات الماضي البعيد.

وهؤلاء يُمثّلون الجزء السابِح في الوَهْم، والذي يتطاول على الوحدة الوطنية ويرى في الانعزالية فرصة لتحقيق بعض المكاسب سواء من الداخل أو من الخارج، هو أيضاً غارِق في الفَهْمِ الخطأ... هنا أدعوك إلى التأمّل معي في ما تلجأ إليه بعض العناصر المُجرِمة ممَّن يدعون الأمازيغية كأداة تخريب، ويتحرَّكون من خلال طلاسِمها لضرب الوحدة الوطنية... هناك في ما أؤكّده تناغُم سرّي بينهم وبين صانعي الفكرة بالأساس منذ زمن الاستعمار. هناك أيضاً تواصُل بينهم وبين صُنَّاع فلسفة الغرب في منطوق الفكر المُجذِّر للإجرام والذين هم اليوم يمارسونه تحت مُصطًلح "المحافظون الجُدُد" أو المُنظّرون له لما بعد التاريخ!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً