فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

الأشياء التي تموت في وقتها المناسب

كل اليوميات التي نمضي بها هي عبارة عن تراكُم للحزن، وليس الحزن بالضرورة حالة شعورية خاصّة، إنما يصير جزءاً من طباعنا اليوميّة، حتى نتمكن من تمييز الفرح حين يحلّ ونستلذّ به. هذا الحزن هو جزء من اكتئاب، وليس بالضرورة اكتئاباً مرضياً إنما مُجرَّد "حالة اكتئاب"، وعادة الحالات أنها تمرّ.

مليئون نحن بالأمراض النفسية، من المهد، منذ أن قرّر أهلنا أن ينجبونا
مليئون نحن بالأمراض النفسية، من المهد، منذ أن قرّر أهلنا أن ينجبونا

كل شيء مُنحَرِف عن المسار، كل شيء يحتاج ضبطاً، لليمين، لليسار، للأعلى ربما، للأسفل غالباً، كل شيء مُنحَرِف.

الطُرقات التي تمشي بها لا تؤدّي إلى المكان الذي تودّ الوصول إليه، الجرائد تعرض كل الأخبار إلا تلك التي تهمّك، الشتاء ينهمِر عندما تغسل سيّارتك، تستيقظ باكِراً حينما لا يكون لديك موعد، تتأخّر عن الذهاب إلى العمل إلا لو كان المدير غائباً، الأشياء تختفي عندما تريدها بشدّة، تأتي بعدما تؤمن أنك لا تحتاجها، الحب الذي تلهث وراءه يغيب، يعود بعدما تألف غيابه، توقيت الأشياء مُريب، تقاطع الرغبات التي تريدها ولا تحتاجها، تريد أن تتزوّج لكنك خائِف أن يقتل زواجك حبك، تريد أن تُنجِب طفلاً لكن ذلك لا يتمّ من دون زواج، تتخرَّج بعد أن تؤمن أن الوظائف في بلادك لا ترتبط بالكفاءة، أصدقاؤك يرحلون عندما تحتاج وجودهم، كل الأمنيات التي تحلم بها تأتي في غير أوانها، قهوتك ليست "مزبوطة" أبداً، سكرها كثير، أو قليل، لا يهم، لا تعدّ أمّك الأكلات التي تحبها إلا بعد أن تقرّر القيام بنظامٍ غذائي، المُرتّب أقل من المصاريف، المصاريف أضيق من الحاجة، الحاجة أم الاختراع، الاختراع يطوّر الشعوب، لكن ليس في بلادي.

العالم يغلّي، بالمعني الحَرْفي للكلمة، الحروب مُشتعِلة في بلاد، وتنتظر أن تشتعل في بلاد أخرى، الموتى شهداء هنا، وقتلى هناك، وضحايا في مكانٍ آخر، لكلّ تعريفه الخاص عن الموت، كذلك عن الحياة، الصحافي لا يلفته في انفجار كبير حدث في ثقب الكرة الأرضية إلا أن يعرف العدد الصحيح "للقتلى"، التاجر يبحث عن طريقة لإعادة إعمار ما تكسَّر، المُستثمِر يلهث كي يشتري بيتاً قد رخصت أسهمه في زمن الموت، المبادئ مُجزّأة كلُ بحسب مصالحه..

الطفل يخرج من رَحْم أمّه يحمل إسماً مُختصاً بتاريخ العائلة، ربما إسم جدّه الذي عفا عنه الزمن، المستقبل لا يهم، نحن شعوب تعيش في الماضي، سيحمل الطفل كنيته على ظهره طوال حياته، سيرث عقد أمّه، وملامح أبوه، وأسى جدّته، سيحمل وِزْرَ العائلة، وسمعتها، أمّه تريده طبيباً، ووالده يريده مهندساً، جدّه يحلم أن يراه مُحامياً، وهو لا يعرف مَن هو، وماذا قد يكون، سيختارون له دينه ومذهبه، وسيرضع حب الريّس والزعيم، سيُنادي بإسمه عندما يكبر، ويمشي بين صفوفه، سيولَد مجزّءاً بين رغبات والده وأمّه وجدّه وزعيمه وبلده ومذهبه ومنطقته، سيشوّه حتماً، سيكون ما أرادوا له أن يصبح عليه، رأيه مجموعة آراء سمع بها وعنها، تشبه كل شيء، إلا نفسه، تائه بين أروقه الصواب والخطأ، يأتي إلى العالم ليركل أكثر بكثير مما فعل ببطن أُمّه، إن نجا من الأمراض التي تجتاح بيوتنا ومجتمعنا وذكرياتنا كيف ينجو من مرضه الخاص، مرضه النفسي الذي رُبيَ عليه، والذي لا يُقدِّر ثقله أحد.

مليئون نحن بالأمراض النفسية، من المهد، منذ أن قرّر أهلنا أن ينجبونا. نعجّ بالغصَّات، بالحزن المَنطقي، نُراكِم الخيبات خيبة خيبة حتى تكبر. الاكتئاب يسيل في نفوسنا، يفرز الحزن ويجمّله لنا، حتى يخبرنا العقل أن الانتحار خيار مطروح، وهو منفذ وطريق إلى الخلاص، لكنه ليس كذلك. الحزن حالة، والاكتئاب حالة، والأسى حالة، وعادة الحالات إنها تمرّ...  


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً