حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

إلى مرضي النفسي: أحتال عليكَ فتتلاشى!

في بداية الأمر أخفيت الموضوع عن الجميع سوى عن قلة قليلة ممن أثق بهم، ذلك لأنني أعرف التفكير السائد في هذا المجتمع المقيت، بأنني ألجأ إلى "طبيب المجانين" وأن هذه الحالات النفسيّة كلها "هراء".

منذ حوالى 4 سنوات، وأنا في تجربة مديدة مع الأمراض النفسية، ولا زلت. تابعت مع أطبّاء ومعالجين نفسيين، في مختلف المراكز المتخصصة في لبنان وإيران حيث أقيم. وأقول أمراضاً لا مرضاً واحداً، وفق تشخيص الأطباء، من القلق العام إلى الاكتئاب وغير ذلك. وبالطبع في بداية الأمر أخفيت الموضوع عن الجميع سوى عن قلة قليلة ممن أثق بهم، ذلك لأنني أعرف التفكير السائد في هذا المجتمع المقيت، بأنني ألجأ إلى "طبيب المجانين" وأن هذه الحالات النفسيّة كلها "هراء"، وأشياء أخرى يمكنها أن تخرج من العقول الصدئة.

وهذه الاضطرابات النفسية لم تأتِ من عبث، كانت لي في الماضي تجارب وأحداث بشعة جدًا، سببت لي بالاكتئاب، بعضها في إيران، من سوء معاملة البعض والعنصرية لدى فئة من الشعب وليس الجميع، مما كان له الأثر السلبي الكبير في نفسي. وفي الواقع، ليس لدي عداء أو كره لهذه البلاد وشعبها، بقدر هو كره لطريقة تعامل البعض. لذا أكملت رحلة العلاج، بين الأدوية وزيارات إلى المعالج النفسي، وأيضاً من خلال الكتابة، فهي وسيلتي للتعبير ولتترجم سوداوية الأفكار في رأسي إلى نص يمكنه أن يؤدي دور حبة الدواء. أنتقد وأبدي سخطي في ما أدونه، لأنني ببساطة غير راضٍ بكل هذا الواقع المرير، من ظلم وفساد وسوء معاملة، ولدي الشجاعة الكافية لقول الأشياء كما هي، ولا أختبئ خلف شيء. هذا الواقع الذي غالباً ما كان يحزنني ويؤثر فيّ بشدة ويعزز اكتئابي، لذا كنت أحاول أكثر وبكل الوسائل اللجوء إلى العلاج ورحلات المستشار النفسي، وقد تسببت بعض الأدوية في زيادة وزني.

طبعًا لا يعلم جهابذة المجتمع بهذا، إنهم فقط يفترضون أنك "تأكل كثيرًا". يلقون جملهم ويمضون من دون التفكير في مآلاتها. فهؤلاء لا يعلمون كم من الليالي المظلمة التي قضيتها، كم من الليالي الخالية من النوم، كم من الأفكار السوداوية التي قارعت رأسي حتى كاد ينفجر، وكم من الحوادث المحزنة التي عشتها، فيما أنا وحدي في الغربة. في كل تجربة مررت بها، على صعوبتها، كنت وحدي، أحارب بصمت، وأمضي بصمت. هكذا كنت وهكذا أنا. على الأقل لديّ الشجاعة لتحدي وهني وأي شيء يتطلب مني إنجازاً. أحارب وأكمل، لأتحدى سذاجة المجتمع، ولا إنسانية بعض الناس، وسوداوية الواقع.

لذا وددت أن أقول للمجتمع الذي يختبئ خلف إصبعه ولا يعترف بمشاكله لأن الإعتراف يعد "عيباً" بنظره، وددت قول إنه لا عيب في الاستشارة النفسية لدى المعالج أو الطبيب النفسي، والأدوية ليست "مخدرات" كما يظن بعض الجهابذة، بل هي تفعل فعلها كما أي دواء آخر لتعديل هرمونات الدماغ. لأن حقيقة الأمر أنه ليس "كلنا لدينا مشاكل" وأن الاضطرابات التي نمر بها ليس "كلها في رأسك"، كما يقول البعض، الذين يقررون أن المعاناة النفسية هي مجرد "دلع" وتتساوى مع كافة مشكلات العالم، وعلينا فقط الاستخفاف بأهميتها كي نجعلها تمضي، لكن ما لا يعرفونه أنهم يزيدون "الطين بلّة" بهذا الكلام.

إن لم تكونوا على قدر من الوعي الكافي ستخسرون الكثير من الشباب الذي باتوا يستسهلون الانتحار عوضاً عن المواجهة لأنه لا يوجد أحد يتفهم حالتهم النفسية. والناس ضحية هذا التفكير المقيت. وها أنا أقول وأنا على أعتاب الفصل الأخير من دراسة الهندسة الكيميائية في شيراز، حيث لم أتعلم فقط أكاديمياً بل تعلمت الكثير من تجارب الحياة، وعلوم الحضارات والشعر والأدب، وكيف تتقبل الناس بغير إسقاط الأحكام العشوائية. وقمت بذلك كله لوحدي، ملجأي الوحيد كان الله، ولطالما هو كذلك.

لذا أنا لا أحتاج التعاطف أو التأسف أو الحزن أو القلق أو لا أدري ما يقوله الناس، أنا قوي بما فيه الكفاية، أصارع سوداوية الأفكار والواقع والفكر الصدئ المنتشر وحدي، وأكمل علمي وآفاقي كلها مفتوحة إلى ما شاء الله، لأن لدي إرادة للتغلب على وحش المرض الذي يختار أن يغلبني أحياناً لكنني واع لذلك فأتحايل عليه بعملي ودراستي فأجده يتسلل مني ويتلاشى على مهل.

احزنوا وتأسفوا على أنفسكم ، لأنكم ترضون بواقع مقيت وتسمونه حياة، وتختبئون خلف الكلمات والشعارات، ولا تملكون الجرأة والشجاعة لمواجهة مشكلاتكم والاعتراف بها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً