موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

لبنان والموجة الثانية من موسم الفوضى

ضرورة انتباه قوى التحالف الوطني المُشارِكة في الحُكم (عون – حزب الله) للصراع الاجتماعي وقضاياه والانخراط في الحراك الشعبي بدلاً من الانكفاء عنه أياً كانت القوى المُندسَّة وحجمها، وعدم السماح لهذه القوى باختطاف الحراك ووضعه في خدمة أجندتها المشبوهة.

متظاهرة لبنانية جالسة على رصيف أمام حائط ممتلىء برسومات وتعابير المتظاهرين في طرابلس (أ.ف.ب)
متظاهرة لبنانية جالسة على رصيف أمام حائط ممتلىء برسومات وتعابير المتظاهرين في طرابلس (أ.ف.ب)

كانت بيروت واحدة من العواصم التي شهدت لقاءات مُكثَّفة انتهت إلى تشكيل تنسيقيات وهيئات وشبكات تواصل اجتماعي لإطلاق الموجة الثانية من "الربيع العربي".

منذ عام 2011، والمشهد العربي في البلدان التابعة أو التي تعيش على المساعدات الخارجية وتحويلات المُغتربين في الخارج ومحميات النفط والغاز، يُكرِّر نفسه: حركة وطنية ضعيفة، وجماهير منهوبة مقهورة تتدفَّق على الشوارع من دون قيادة وبرامج وطنية، فتتلقّفها جماعات الإسلام الأميركي والتمويل الأجنبي الناشطة باسم حقوق الإنسان والدولة المدنية وغيرها.

هكذا، بعد الموجة الأولى من موسم الفوضى (الربيع العربي) التي اندلعت من جوع الناس وهَدْر كرامتهم وكَتْم حقّهم في التعبير والاحتجاج والتغيير، انطلقت في أكثر من عاصمةٍ دوليةٍ وعربية، مُراجعات مُستفيضة لهذه الموجة وتداعياتها التي تسبَّبت في تدمير البنى التحتية وتشريد الملايين.

وكانت بيروت واحدة من هذه العواصم التي شهدت لقاءات مُكثَّفة لمُمثّلين عن البنك وصندوق النقد الدوليين، وللأوساط الأكاديمية الأميركية والأوروبية، المرتبطة بأقلام الاستخبارات في تلك البلدان، إضافة إلى مراكز الدراسات ومنظمات حقوق الإنسان والنساء وجماعات التمويل الأجنبي (NGOs)، وانتهت إلى تشكيل تنسيقيات وهيئات وشبكات تواصل اجتماعي لإطلاق الموجة الثانية عبر خداع ملايين المحرومين والفقراء والمقهورين، كما الموجة الأولى.

وقد ساعدها على ذلك ضعف أو هَشاشة القوى الوطنية والقومية واليسارية بل ومَيْل بعضها إلى الأجندة المشبوهة ذاتها (أوساط يسارية وشيوعية وقومية).

وكما في الموجة الأولى، ظلَّت المرجعيات النظرية والسياسية هي ذاتها من فلاسفة ومهندسي (الثورات الملوّنة) وغالبيّتهم الساحِقة من اليهود، مثل جين شارب (فيلسوف الكفاح المدني) المزعوم وبيتر أكرمان وبرنار ليفي وجورج سوروس ونوح فيلدمان، إضافة إلى مراكز الدراسات وهيئات الـ(NGOs) العربية المرتبطة بهم وكانوا جميعاً يتحرَّكون تحت شعار (القبضة) الذي صُمِّم كبديلٍ لشعار (النجمة) اليساري المعروف خلال الحرب البارِدة.

ويُشار هنا إلى أنه من بين عشرات الجمعيات التي تتلقَّى تمويلاً من منظمة المجتمع المفتوح بزعامة الملياردير الأميركي اليهودي، جورج سوروس، الجمعيات والهيئات التالية: كاخ اليهودية – كمارا الجورجية – بورا الأوكرانية – ثورة الأرز اللبنانية – ما يُعرَف بالثورة الخضراء في إيران – الشريط الأبيض في روسيا – جماعة الياسمين في تونس – 6 أبريل في مصر – لجان التنسيق في سوريا – منظمة 2007 في فنزويلا.
أما الاستراتيجية العامة للموجة الجديدة في ما يخصّ الشرقَين، العربي والأوسط، فقد انطلقت من فكرة (شرق بلا دول سيادية) ومن تفكيك الدولة وتحويلها إلى بلديات كبرى أو اتحاد فدرالي لمُقاطعات لا مركزية مُتناثِرة، وقد تبلورت هذه الاستراتيجية تحت تأثيرين، هما: النمط الجديد للعولَمة الإمبريالية واحتكارها للقرارات السياسية (السيادية) مثل الخارجية والأمن والخطوط العامة للاقتصاد، وكذلك لدواعٍ تتعلَّق باستراتيجية العدو الصهيوني لتجديد نفسه كمركزٍ لمحيط كانتونات مُلحَقة به، وما يستدعيه ذلك من استنزافٍ لمعسكر المقاومة والمُمانعة.

هذا عن الاستراتيجية العامة، أما بالنسبة إلى الآليات والأدوات الجديدة فأبرزها:

1-حكومات التكنوقراط (أخطر تعبير عن الأوليجاركية المالية) بما يؤدِّي إلى تفريغ المجتمع السياسي (الدولة) والمدني وخاصة الأحزاب من أيّ مضمونٍ سياسي.

2-اللامركزية، التي تتخطّى الإدارة إلى ما هو أوسع (برلمانات وحكومات محلية) وذلك من خلال شيطنة فكرة الشمولية، التي تتخطَّى الإدارة إلى وجود قطاع عام ودعم حكومي للسِلَع والخدمات الأساسية.

3-خلط التناقضات الأساسية بشعاراتٍ مثل "كُلن يعني كُلن" وتعميم الموقف من الإمبريالية والصهيونية والرجعية النفطية لتتساوى مع التناقضات الثانوية.
وبالمُحصّلة، استعادة جون لوك في ظروف أخرى (الحريات السياسية مع حريات الأسواق) أي الخِراف مع الذئاب بلا راعٍ.

إلى جانب الآليات المذكورة، ترجمة كل ما سبق عبر أكثر من قاتِل وجبهة مثل:

1-الجبهة الاقتصادية عبر القاتِل الاقتصادي، حامِل جرثومة الخصخصة وتفكيك الدولة والقطاع العام وهو البنك وصندوق النقد الدوليين حسب جون بيركنز في كتابه (اعترافات قاتِل اقتصادي).

2-جبهة الليبرالية المتوحّشة وعناوينها المُتعدّدة من الشبكاتيين، وجماعات (NGOs) والجماعات التي تحتكر مفهوم الدولة المدنية والمواطنة ضمن إطار هذه الليبرالية.

3-الجبهة الثقافية كما فضحتها الكاتِبة البريطانية، سوندورز، في كتابها (مَن يدفع للزمار).


الحالة اللبنانية

قبل متابعة استحقاقات ما سبق على الساحة اللبنانية، لا بدّ من الإشارة إلى عوامل أخرى خاصة بهذه الساحة، في مقدّمها أن المقاومة بقيادة حزب الله وتحالفاتها هي المُستهدَف الأول من كل ما يشهده هذا البلد منذ عقود، ما يُفسِّر كل هذا التحشيد ضد رئيسين وقفا مع المقاومة هما ميشال عون وإميل لحود، ومن ذلك أيضاً (العودة الدورية) في كل مرة لما يُعرَف بحاجز البربارة ومحيطه كمنطقةِ نفوذٍ للقوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع.

ولن (تغفر) القوى الأطلسية أبداً لجنرالات من الجيش اللبناني وقفات مثل هذه، كما لن تغفر للجنرال عون تحديداً تحريره القسم الأعظم من المارونية السياسية من الثقافة الانعزالية والصهيونية وتنظيم هذا القسم في إطار التيار الوطني الحر.

وبالعودة إلى الموجة الثانية وتعبيراتها في لبنان، فقد برزت في المظاهر التالية:

1-لقاءات وندوات مشتركة مُسبَقة بين عشرات جماعات الـ(NGOs) وممثلي البنك الدولي وأوساط أكاديمية دولية (كارنيجي وغيرها) ومنها أيضاً مشاركون من منظمات ومراكز: البوصلة – حقي – حلّوا عنا – سمير قصير – المفكرة القانونية – كلنا إرادة – حزب سبعة – وهيئات بإسم حقوق الإنسان والنساء وغيرها.

2-تشخيص دقيق تجاوز اليسار والقوى الوطنية للحظة انفجار الشارع اللبناني بعد عقود من الفساد والتجويع والكذب، مارستها المنظومة الطبقية الطائفية الفاسِدة الحاكِمة وحوَّلت لبنان من حديقة الشرق إلى مجمعٍ للنفايات والاستقطابات الطائفية.

3-توظيف ما سبق في استغفال غير مسبوق لهذا التدفّق والإصرار الجَمْعي والتمسّك بالشوارع والساحات بما يُذكِّر بمتاريس المدن الأوروبية خلال ثورات 1848 التي انتهت لصالح البرجوازيات الليبرالية، بسبب غياب القوى الجذرية الحقيقية.

4-بدلاً من الشعارات والرموز الوطنية التي عرفتها الجماهير الوطنية خلال حرب التحرير والاستقلال ضد العثمانيين والاستعمارَين الأوروبي والأميركي، تمكَّنت الجماعات المشبوهة التي اختطفت شعار الدولة المدنية والمواطنة من نصب (شعارها) في قلب ساحة الشهداء في بيروت وهو شعار القبضة، شعار الثورات الملوّنة المشبوهة الذي صمَّمه مركز "الأتبور- كانفاس" لتدريب الشباب على هذه الثورات، ويتّخذ من قطر مركزاً إقليمياً له.

ويُشار هنا أيضاً إلى استبدال إسم ساحة رشيد كرامي، رئيس الوزراء الأسبق، المُتَّهم جعجع بقتله، بساحة النور.

5-إطلاق شعار حكومة التكنوقراط كما أحالته أقلام الاستخبارات الأطلسية إلى جماعات الـ(NGOs) وناشطي (الدولة المدنية) المزعومة.

6-خلط التناقضات الطبقية والسياسية (الأساسي والرئيسي والثانوي) (كُلن يعني كُلن) وتصوير القوى الوطنية، رغم كل الملاحظات عليها، كما عصابات الموساد والرجعية النفطية المعروفة.

7-رائحة شركة الإعلام العالمية، "ساتشي أند ساتشي" (ساعاتي ساعاتي) اليهودية البريطانية العراقية الأصل والتي سبق أن أشرفت على التظاهرات التي طالبت بخروج سوريا من لبنان، وقبلها تظاهرات الانفصال في السودان.

ملاحظات أخرى

-الملاحظة الأولى، وتتعلّق بوَهْم التحرّر من القَيْدِ الطائفي في الإطار الكولونيالي، وهو ما حذَّر منه مهدي عامل مُبكراً، عندما ربط التحرّر من الطائفية (كبينة آيديولوجية – اجتماعية) بالتحرّر من الكولونيالية (كحال تبعية كيانية).

-الملاحظة الثانية، أن بعض أوساط اليسار والقوميين لم تعد كذلك وأصبحت أقرب إلى خطاب الـ(NGOs)، بل إن بعض الشيوعيين يفضّلون إسم (اليسار الاجتماعي) على تاريخهم السابق، وقد سمعنا كلاماً يُمجّد (الطابع العفوي) من قائد شيوعي لبناني، مع أن الأدبيات الاشتراكية وخاصة مساهمات لينين تُحذِّر من تقديس العفوية.

-الملاحظة الثالثة: أهمية وضرورة انتباه قوى التحالف الوطني المُشارِكة في الحُكم (عون – حزب الله) للصراع الاجتماعي وقضاياه والانخراط في الحراك الشعبي بدلاً من الانكفاء عنه أياً كانت القوى المُندسَّة وحجمها، وعدم السماح لهذه القوى باختطاف الحراك ووضعه في خدمة أجندتها المشبوهة.

-الملاحظة الرابعة: عدم السماح للحريرية السياسية وتحالفاتها (جعجع – جنبلاط) باستغلال وجود القوى الوطنية المُشارِكة في الحُكم (حزب الله – عون) للتغطية على فسادها.

-الملاحظة الخامسة: إعادة الاعتبار لبرنامج حركة التحرّر الذي يتلازَم فيه الصراع الطبقي ضد الأوليجاركية والكومبرادورية وقوى التبعية وسيّدها الأعظم، البنك الدولي، مع الصراع الوطني ضد تحالف الإمبريالية والصهيونية والرجعية النفطية والطائفية والإقليمية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً