واشنطن والثُقب الأسود في شمال شرق سوريا

الثقوب السود لواشنطن في سوريا، لا تتمثَّل فقط بمُحاربة "داعش"، وجَذْب المزيد من اللاعبين الدوليين إلى المشهد السوري، واحتواء تركيا، واستمرار تقديم الدعم للكرد.

  • قوات تركية وأميركية شمال شرق سوريا

 

تكهّنات كثيرة تركَّزت في الآونة الأخيرة على مستقبل شمال شرق سوريا، وقد شكَّلت التطوّرات السياسية والعسكرية، ركيزة أساسية لجُلّ وجهات النظر التي رافقت القرار الأميركي بالانسحاب من شمال شرق سوريا، وما تبعه من تدخلٍ عسكري تركي في مناطق الكُرد، وعطفاً على التفاهُمات بشقّيها السوري الكردي، والروسي التركي، وصولاً إلى القرار الأميركي بتعزيز التواجد العسكري حول حقول النفط السورية، تحت ذريعة استمرار مُحاربة "داعش". ضمن ذلك يبدو أن هذه التطوّرات هَنْدَستها واشنطن، لتخلق الثُقب الأسود الذي يجذب كافة التعقيدات، ويؤطّرها بتأثيرٍ سياسي أميركي، في سياق مشهد الحرب على سوريا.

يبدو أن الإدارة الأميركية قد تأثّرت بفرضيّة العالِم الفيزيائي ستيف هوكينغ، وأفكاره عن الثُقب الأسود الذي يبتلع الضوء والزمن. وبإسقاط هذه النظرية على التطوّرات السورية، يُمكننا استنتاج مدى تأثّر واشنطن بها. فالفوضى في منطقة الشرق الأوسط لم تكن إطلاقاً وليدة الصُدفة، وإنما هي تدبير أميركي وفق استراتيجية مُحْكَمة. فالعوالِم التي توصّل إليها هوكينغ عبر نظرية الثقب الأسود، تُوصِلنا مباشرة إلى حال الجَذْب في سوريا، التي لا يُمكن للإدارة الأميركية مقاومتها، ضمن الاستراتيجية الأميركية لإبقاء المشهد السوري في حالٍ من الضبابية والغموض، واستعصاء التوصّل إلى استنتاجاتٍ حياله. فالذرائِع التي تسوّقها الإدارة الأميركية لجهة البقاء في شمال شرق سوريا، تُمثّل معبراً للدخول في الثُقب الأسود.

ولا شك بأن الترابُط بين استمرار تقديم الدعم الأميركي للكرد، على اعتبار أنهم شركاء لواشنطن، وبين ذرائع مُحارَبة الإرهاب والتخوّفات من عودته إلى المشهد السوري، تسبر عُمق التوجّهات الأميركية المُظلِمة حيال سوريا والمنطقة. والواضح أن ذريعة الإرهاب وضرورة مُحارَبته باتت مدخلاً لكافة السياسات الأميركية في المنطقة. من هنا يبدو واضحاً أن المُغذي الرئيس للتوجّهات المُظلِمة للإدارة الأميركية وشركائها من كردٍ وفصائل إرهابية، تُشكّل مسرحاً بثقوبٍ سود مُتعدّدة. وعليه فإن الخطورة لا تكمُن في فعل الجَذْب السياسي والعسكري الذي تُكرِّسه واشنطن واقعاً سياسياً وعسكرياً في شمال شرق سوريا، وإنما الخطورة الحقيقية تكمُن في عدم القدرة على الحد من استمرار واشنطن بالغَوْصِ عميقاً في شمال شرق سوريا، وبلورة تفاهُمات ذات تأثير مُعطّل للحل السياسي السوري.

فالكرد وتنظيم "داعش" استمدا قوّتهما من واشنطن، وقدرتها على صوغ مشهد يناسب تحرّكات كليهما لبناء معادلة تُمكِّن واشنطن من الولوج عبرها إلى سوريا، فهما ركيزتان أساسيتان للبناء السياسي والعسكري الذي تتّخذه واشنطن في جُلّ سياساتها. فـ"داعش" مثلاً اعتمد على الماكينة الإعلامية المُتطوِّرة ذات المؤثّرات البَصَرية الهوليوودية، ومعزوفات موسيقية تُغازِل المشاعِر لصوَر مجازر المدنيين، الذين يُقتَلون في غاراتٍ يشنّها الطيران الأميركي أو دول حليفة لواشنطن، كما أكَّدت ذلك منظمة "إيروورز" المعنية برَصْدِ آثار الضربات الجوية للتحالف الدولي على المدنيين والتي مقرّها لندن.

المشهد السابق هو من إخراجٍ أميركي جاذبٍ للإرهابيين ومُحرِّض لهم للدخول في تنظيم "داعش"، والتوجّه إلى سوريا، والكرد أيضاً قد اعتمدوا في محاربتهم لـ"داعش" على مؤثّرات أميركية لكن في إطارٍ مُختلف، يتناسب وطبيعة تحالفهم مع واشنطن والغرب عموماً. وبين هذا وذاك، هناك هدف أميركي لتحويل الساحة السورية إلى بوتقةٍ للتجاذُبات الإقليمية والدولية، مع إمكانية فتح المشهد في شمال شرق سوريا، على ثقوبٍ سود إضافية، جاذِبة للغرب وإسرائيل.

الرابحون في مشهد الثقوب السود شمال شرق سوريا، هم أميركا وبعض الدول الأوروبية، حيث وجدت حلبة الصراع في المنطقة وبعيداً عن أراضيها فرصة تاريخية لتصفية ذوي الميول الإرهابية، وما كشف عنه التحقيق المُشترَك لكلٍ من صحيفة "صاندي تايمز" ومكتب التحقيقات الصحافية عن عملياتٍ أميركية نفسية، دفعت فيها وزارة الدفاع الأميركية نصف مليار دولار لشركة "بول بوتنيغر" البريطانية، لتُنْتِج أشرطة فيديو مزوَّرة منسوبة إلى تنظيم "القاعدة" في العراق، والتي يمكن استخدامها لمُلاحَقة الأشخاص الذين يشاهدونها، وكان الهدف من هذا المشروع السرّي بثّ روح الحماسة لدى الشباب المُتعطِّش للانتقام، ليتمّ استقطابهم إلى دائرة ضيِّقة من كل بلدان العالم بعد مشاهدتهم للمقاطع المُصوَّرة، التي تُظهِر حجم الاستبسال والشجاعة وعدم الرَهبة والخوف لدى مُقاتلي "القاعدة".

ما يُثير السُخرية أيضاً، أن الثقب الأسود الذي أوجدته أميركا في سوريا، تمّ أيضاً بتواطؤ ومساعدة أوروبية، وهو الأمر الذي كشفه تصريح لرئيسة قسم البحث في المركز الأوروبي للاستخبارات الإستراتيجية والأمنية "أفيغيني كوزديفا" قائلة: "إن بلجيكا هي الدولة الأولى في تصدير الجهاديين الأوروبيين"، فيما أكَّد  فؤاد أحيدار نائب رئيس برلمان بروكسل إن دولته تتحمَّل مسؤولية كُبرى، فقد تلقَّت الشرطة طلبات عدَّة من الأهالي بمنع أبنائهم من الذهاب إلى الجهاد في سوريا، لكنها كانت تردّ بعدم إمكانية ذلك. والحقيقة أن ما كان يجري هو فرصة للتخلّص من هؤلاء الشباب "لأنهم أجانب"، حيث كان يُنظَر إليهم كمُتطرِّفين سيذهبون ولن يعودوا.

تعوِّل واشنطن على ضرب العلاقة الروسية التركية، للتمكّن من إعادة المشهد في شمال شرق سوريا إلى نقطة البداية. وعليه فإن الثقوب السود لواشنطن في سوريا، لا تتمثَّل فقط بمُحاربة "داعش"، وجَذْب المزيد من اللاعبين الدوليين إلى المشهد السوري، واحتواء تركيا، واستمرار تقديم الدعم للكرد، لإحداث خرقٍ في بنية التفاهُمات التي أعقبت القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا. كل هذه المُعطيات هي روافِع لاستمرار تعقيد المشهد السوري، ولتحقيق مآرب واشنطن في تقسيم وتحويل شمال شرق سوريا إلى ثقبٍ أسود تعمّه الفوضى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً