فريد باعباد

كاتب صحفي

بعد كل ما جرى.. كيف حال أميركا؟

لجأ القائمون على إعلام الفتنة والتضليل إلى عادتهم وكأن أميركا في عرفهم وقوانينهم دولة لاتُهزَم أبداً، وكأن ما حصل في فيتنام وأفغانستان قد نسيتها ذاكرتنا.

  • أين كبرياء أميركا هنا أمام مَن وجّه لها صفعة ستسجّل عليه في التاريخ؟

حرب نفسية رافقت أيام الأسبوع الماضي وما شهدته من شدّ وجَذْب أعقب اغتيال الفريق قاسم سليماني. تذكّرنا عندما اتهمت أميركا العراق زوراً بامتلاكه لأسلحة كيماوية، ما برّر لها غزو العراق.

الإعلام الموالي بشكلٍ واضحٍ لتلك الجريمة بالتعريف القانوني، صالوا وجالوا في تحليلاتهم بشكلٍ مؤيّدٍ لها عَلناً وموارِب في بعض الأحيان، وبررَّوا كلّ ذلك التشفّي مرّةً باسم ضحايا الحرب السورية ومرّةً باسم العراقيين، ولم يتبقّ إلّا أن يلصقوا بسليماني تهمة الحرب الأهلية في راوندا.

ما آلمني هو التضليل والتزييف والتزوير للمُشاهد البسيط في هذه الأيام، وكأننا نعيش في فترة الستينات حيث النوافذ الإعلامية لا تزال مغلقةً ولا توجد فضائيات حرّة ولا مواقع تواصل اجتماعي.

سار بعض المُطبّلين العرب لفعل هذه الجريمة خلف مُنفّذيها تأييداً، بل ودعماً أكثر ممّا ينبغي بعيداً عن الشفافية في نقل الخبر وتحليله ونقل الأحداث، وكانوا أميركيين أو صهاينة أكثر من الأميركيين والصهاينة أنفسهم، إذ لا يخفى أن الكثير من الإعلاميين داخل أميركا وأعضاء في الحزب الديمقراطي توقّفوا مليّاً عند صوابيّة هذا القرار وشكّكوا في مدى حكمته.

لكن مُزيّفي الأحداث والتاريخ في منطقتنا العربية لم ينظروا بعينٍ فاحِصة لمدى الهَلَع والخوف الذي انتاب الأميركيين وحلفائهم في المنطقة لا سيما "إسرائيل"، خوفاً من ردَّة فعل الإيرانيين. وخوفهم هذا مردّه إلى أحداث التاريخ القديم والحديث وآخرها إسقاط طائرة التجسّس الأميركية المُسيَّرة.

هنا لجأ القائمون على إعلام الفتنة والتضليل إلى عادتهم وكأن أميركا في عرفهم وقوانينهم دولة لاتُهزَم أبداً، وكأن ما حصل في فيتنام وأفغانستان قد نسيتها ذاكرتنا. والحقيقة أنّهم بينما كانوا يروّجون لضعف الجانب الإيراني، كان في أميركا من هم أكثر واقعية وصدقاً منهم حيث عرفوا منذ زمن أن الإيرانيين ليسوا لقمة سائِغة ولا يمكن الإستهانة بهم مُطلقاً.

المُتابِع للصحافة الأميركية يُدرِك ذلك جيّداً والأغبياء من الإعلاميين العرب نسوا إسقاط إيران لطائرة التجسّس الأميركية الحديثة جداً وبكل جرأة وشجاعة.

ونسي هؤلاء أيضاً عشرات الاتصالات واللقاءات المؤثّرة طالبة من الإيرانيين ألّا تكون لديهم ردَّة فعل غاضِبة ومُدمّرة للمنطقة، سعياً إلى عدم اشتعال المنطقة لأنهم جميعاً يُدركون أنّ إيران قادرة وستنتقم. وما الصمت الذي لازَمَ المسؤولين الأميركيين والصهاينة إلّا دليلٌ على أن الفعل ستتبعه من دون خوف ردَّة فعل. 

ولم تمضِ سويعاتُ على الانتهاء من دفن جثة سليماني والعزاء الرسمي إلّا وقد توجّهت مجموعة صواريخ إلى القاعدة الأميركية الكبرى في العراق.

كنت مُتوقَّعاً الردّ خلال شهور 3 فجاء الردّ الإيرانيّ مُبكِراً جداً.

وجاء ظهور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لقاءٍ صحفي خجول انتظر منه الصحافيون تحدياً وخبراً بحملة انتقام مُضادّة من إيران ردّاً على انتقامها وحفاظاً على مكانة وسمعة وكبرياء أميركا التي تشدّق بها رئيسها الحالي كثيراً، فإذا به يذكر أن سليماني قد حارب الإرهابيين وإن إدارته مُستعدّة للقاء مع إيران وأن الشعب الإيراني يستحق كل احترام، مطالباً حلف الناتو والدول الخمس بالانسحاب من اتفاقية (5+1)، وختم ظهوره أن كل شي في القاعده التي هاجمها الإيرانيون على ما يُرام.

أين كبرياء أميركا هنا أمام مَن وجّه لها صفعة ستسجّل عليه في التاريخ؟ ومَن يمتلك كل هذه الهيمنة في العالم وآلاف الطائرات والدبابات وملايين الجنود ومئات القواعد العسكرية والتكنولوجيا، هل سنستمر في أن نسمّيه نمراً أم بات نمراً من ورق؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً