كورونا يعمّق أزمة المديونية.. ماذا عن العالم العربي؟

عوضاً عن الاعتماد على القدرات الذاتية، والقطع مع تبعية مالية مدمرة تجاه المؤسسات المالية الدولية، ستعمق الأزمة مديونية بعض البلدان.

  • البنك المركزي الأوروبي يطلاق خطة شراء طارئة لدعم الدول الأوروبية

فرض انتشار وباء فيروس كورونا تحركاً استثنائياً غير مسبوق من قبل البنوك المركزية الفيدرالية والأوروبية والوطنية لاحتواء الخسائر المحتملة للاقتصاد العالمي. 

الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) لم يتردد في خفض نطاق نسبة الفائدة مرتين على التوالي، ليستقر في نطاق 0 – 0.25 %.

كما أنه انخرط في سياسة ضخّ السيولة في سابقة ربما هي الأولى من نوعها بعد تركيز النظام المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فبعد أن أعلن يوم الخميس 12 آذار/مارس 2020 عن ضخّ 1500 مليار دولار، بادر يوم الأحد 15 آذار/مارس 2020 إلى إطلاق برنامج للتيسير الكمي بقيمة 700 مليار دولار، للوقوف إلى جانب المؤسّسات الاقتصادية.

من جهة أخرى، وفي سابقة هي الأولى من نوعها أيضاً، أعلن البنك المركزي الأوروبي ليلة 18-19 آذار/مارس 2020 عن إطلاق خطة شراء طارئة بقيمة 750 مليار يورو لدعم الدول الأوروبية الأعضاء في مواجهة تداعيات انتشار الوباء على الشركات والاقتصاديات الأوروبية، إلى جانب ضخ 120 مليار يورو تم الإعلان عن ضخها يوم الخميس 12 آذار/مارس 2020، ستوظف أيضاً لشراء ديون الدول والشركات في منطقة اليورو، ونجد في مقدمة هذه الدول إيطاليا الأكثر تضرراً في منطقة اليورو. 

ولئن يتم الترويج لخطط الإنقاذ المالية التي تقوم بها البنوك المركزية، الفيدرالية منها والأوروبية، وأيضاً الوطنية، على غرار ألمانيا وفرنسا، على أنها ترمي إلى حماية الشركات من الإفلاس وتوفير السيولة النقدية لها وللدول لتمويل ميزانياتها من جهة، ورفع الضغوط المالية عن الشركات والدول المدعوة إلى تسديد ديونها للقطاع البنكي من جهة أخرى، فإن هذه السياسة لا تخلو من مخاطر عديدة، بل هناك من يصفها بالانتحارية.

إن خطورة هذه السياسة تكمن في مضاعفة حجم عملتي اليورو والدولار المتداولين في العالم من دون مقابل في الإنتاج، بما يهدد بدخول العالم في أزمة تضخّم غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، ترشّح بعض الدراسات بلوغ حجم المطبوعات من الدولارات في نهاية شهر آذار/مارس 4 تريليون دولار (أي 4 آلاف مليار دولار) من العدم، ومن دون مقابل في الإنتاج، ستضاف إلى 4 تريليون دولار موزعة على العالم، وهو ما سيعمّق تبعية البلدان والشركات للقطاع المصرفي، الرابح الأكبر من كل أزمة عالمية، باعتبار أن هذه السياسات تأخذ بعين الاعتبار كل المخاطر المحتملة على القطاع البنكي، من خلال وضع معايير صارمة تحمي البنوك وتحافظ على استقرار الأسواق.

أما بالنسبة إلى البلدان النامية والعربية تحديداً، على غرار تونس، فالوضع مختلف تماماً، فهذه البلدان التي تخضع منذ ثمانينيات القرن الماضي لوصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المتمثلة في تبني سياسات تقشّف حادة دفعت إلى إفقار شعوبها، وسياسة نقدية متشددة دفعت إلى الترفيع اللامتناهي لنسبة الفائدة المديرية لبنوكها المركزية، أدت إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطن، وتدمير الاستثمار الوطني ومنظومة الإنتاج الوطنية.

وتبقى سيادتها النقدية مبتورة، ولا مجال أمامها لتبني خطط إنعاش لاقتصاداتها، على غرار ما يقوم به الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، من خلال ضخّ الأموال بصفة جنونية.

هذه البلدان تعيش تبعية تجاه الخارج بالنظر إلى عجز ميزانها التجاري الهيكلي. ففي تونس، مثلاً، تبلغ نسبة تغطية الواردات بالصادرات 26% فقط، وهي نسبة تعكس هشاشة الاقتصاد الوطني وعجزه عن تغطية حاجياته من إنتاجه الوطني. وتسعى الحكومة إلى توفيرها عبر الاقتراض بالعملة الصعبة من الخارج بالدولار واليورو خصوصاً. هذه البلدان لن تجد موارد ذاتية لمواجهة تداعيات فيروس كورونا، في ظل قطاع صحي متدهور وسيولة نقدية مفقودة، لن تجد بنكاً مركزياً عربياً يساعدها ويضخّ لها أموالاً بضماناته.

هذا الوضع ترجم إلى تردّد وتأخر في اتخاذ الحكومة التونسية، مثلاً، الإجراءات الوقائية اللازمة والضرورية، ودفع المواطن التونسي إلى التذمّر من هشاشة هذه الإجراءات وقدرتها على حمايته وحماية أبنائه من خطر داهم. 

كالعادة، ومن خلال طريقة التعاطي مع هذه الأزمة، يبدو أن حكومة إلياس الفخفاخ لن تخرج عن الأعراف المدمرة التي أحكمت المؤسَّسات المالية الدولية تكريسها في بلداننا، وستتوجّه إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للاقتراض منهما، وخصوصاً أن الأخير أعلن عن تخصيص اعتمادات للبلدان النامية لمواجهة هذا الوباء.

ولئن أقدم البنك المركزي التونسي على خفض نسبة الفائدة المديرية 100 نقطة، فذلك يبقى غير كافٍ للعمل على خفضها نحو الصفر لإنقاذ المؤسّسات ومواطن الشغل القائمة.

مرة أخرى، وعوضاً عن الاعتماد على القدرات الذاتية، والقطع مع تبعية مالية مدمرة تجاه المؤسسات المالية الدولية، ستعمق الأزمة مديونية هذه البلدان. وحتى لو حاولت الإفلات منها، فإن الوقوع في فخها، أي المؤسسات المالية، يبقى جاثماً عليها في ظل غياب وجود بنك مركزي عربي.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
جنات بن عبد الله

رئيسة تحرير في جريدة الصحافة، وخبيرة اقتصادية، وعضو لجنة العلاقات الثنائية بين تونس والاتحاد الأوروبي في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

إقرأ للكاتب

نهب أفريقيا.. فخّ الاتفاقيات المنمّقة لسرقة الشعوب

أكّدت الدراسات أنّ اتفاقية التبادل الحر القارية الأفريقية ستفسح المجال أمام توسّع رقعة انسياب...

سابقة في عالمنا العربي.. كيف نقرأ موقف حسّان دياب؟

هي سابقة محفوفة بالمخاطر والتحدّيات والتهديدات من قوى داخلية وخارجية ستعمل على إجهاضها وعرقلتها.

لمواجهة "كورونا".. لماذا لا يخفّض البنك المركزيّ التونسيّ نسبة الفائدة؟

على الرغم من إقرارنا بعدم استقامة المقارنة بين الاقتصاد الأميركيّ والاقتصاد التونسيّ، فإنَّ منطق...