محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

العالم العربي وصفوف الهروب إلى الخلف

بالتأكيد الجميع يريدنا أن نموت عبيداً بمنظار عصرها القديم عصر آبائها، وهي تعلم أننا أول من حرّر العبيد في الأرض بأمر ألهي، ومقولة سيّدنا عمر بيّنة واضحة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وتعلم "كوندو ليزا رايس" أن التطرّف الأميركي أسوأ من أيّ تطرّف آخر.

تعلم "كوندو ليزا رايس" أن التطرّف الأميركي أسوأ من أيّ تطرّف آخر

في شهادة لأكبر مفكّر أميركي وأكثر قرّاء في العالم اليوم، عالِم اللسانيات والناقِد الاجتماعي "ناعوم تشومسكي"، يقول وبلسان المُتأمّل في الأحداث الدولية والقارئ المُتفحّص للواقع السياسي الأميركي"سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية هي الحرب"، نعم هي الحرب والفوضى المُدمّرة، لقد مرت هذه السياسة وفي أوج الحرب الأخيرة على المقاومة في لبنان مُتباهية بها ورافِضة لوقفها إلى إن سقطت إسرائيل في المحنة الكبرى، وعرفت أنها إمام حرب وجودية قد تدفع بها كالأشلاء وإلى عمق المأساة، وكادت أن تقع في منعرجاتها باسوأ ما يمكن أن توصف لولا إن تدارك الأمر مجلس الأمن الدولي بصيحات مؤلمة، حتى إن "جون بولتون" ممثل أميركا في مجلس الأمن قال لأحد الدبلوماسيين العرب وهو يمشي في رواق المجلس "سنوقف الحرب هذا المساء و مجلس الأمن سيقرّر ذلك هذا المساء"، فردّ عليه الدبلوماسي العربي "أنت في الصباح كنت ترفض توقيفه" فأجابه "نعم ولكن إسرائيل طلبت ذلك إنها في خطر".


تغيّرت اللعبة وما عاد لإسرائيل قدرة على مقاومتها، لكن ما الذي كان يريده وقتها "جون بولتون" و"كوندوليزا رايس" من العرب وفي لهيب الحرب؟ وما الذي تريده اليوم تلك الطيور الموظّفة في القصور العربية من سياسة أميركا من المقاومة وبالتحديد حزب الله وحماس، ومن ولائها الأعمى للغرب عموماً. 

بالتأكيد الجميع يريدنا أن نموت عبيداً بمنظار عصرها القديم عصر آبائها، وهي تعلم أننا أول من حرّر العبيد في الأرض بأمر ألهي، ومقولة سيّدنا عمر بيّنة واضحة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وتعلم "كوندو ليزا رايس" أن التطرّف الأميركي أسوأ من أيّ تطرّف آخر، تعلم هذا وهي تدير بشمالها سياسة بلادها الخارجية، وبيمينها بواخر البترول لها ولمن نصّبوها على عرش الدعاية ضد العرب أو ضد الأوطان العربية، مرة تقول لنا في وقاحة سياسية إن الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير أو الجديد كما كانت تدعو إليه وتسميه أحياناً و"التسمية هذه لأحد جنرالات أميركا لسنة 1912"، تعيش أزمة الغياب للفعل الديمقراطي، غياب أنتج التطرّف والإرهاب، والديمقراطية التي تريدها هي لا نحن، وكأننا من وجهة نظرها مجرّد لصوص في عالم تدّعي فيه أميركا أنها الإله البشري الذي يأمر فيُطاع، تقول في أبجدياتها السرّية إني آتية من عصر العبيد وأريد إن تكونوا عبيداً لسياستنا فهذا دوركم، وتنتقل من دولة إلى أخرى بابتسامة تشبه أوراق الخريف، ومع ذلك لا أحد قال لها "لك سياستك ولي سياستي"، ألسنا إذن في عصر العبيد، قالت أكثر من مرة "على سوريا إن تغيّر نظامها وأن تتعاون مع لجنة القابران (ميليس) ، وأن تفتح له الأبواب بما في ذلك أبواب القصور الرئاسية .. وأن تسلّم له قادتها العسكريين لاستجوابهم قصد محاكمتهم حتى لو كانوا أبرياء"!، ثم قالت في جلسات سرّية في البيت الأبيض إن نظام السعودية نظام إرهابي لأنه فقّس أسامة بن لادن وغيره، وعليها (السعودية) أن تلغي كل مؤسّساتها الخيرية والدينية. وأرسل البيت الأبيض إلى آل سعود سرياً كل هذا الكلام وغيره. وقاموا بتنفيذه ومحاكمة كل من قالت عنه أميركا بأنه ينتمي إلى تنظيم القاعدة ولو كذباً، وقالت إن إيران لديها القنبلة النووية وقد تحصّلت على الأورانيوم المُخصّب من روسيا عن طريق المافيا. 


قالت هذا الكلام سرّياً أيضاً مثلما قالته الدوائر الأخرى في أميركا، وذهب بوش الذي أصبح يؤمن كما يقول ويؤكّد، بأنه الوصيّ باسم -المسيح عليه السلام- على العالم كله إلى القول بأن إيران خطر على العالم كله ويجب محاصرتها ولو عسكرياً وهو ما يدعو إليه اليوم "دونالد ترامب " وإن بالخطأ الاستراتيجي لأنه يعلم أن إيران هي جدار الشرق الأوسط وقاعدته الأمامية في مواجهة العرب، لأن إيران عرفت اللعبة الأميركية بتفاصيلها من خلال أرشيف الوثائق السرّية التي صادرتها في السفارة الأميركية حين احتلها الطلاب بعد الثورة الإيرانية مباشرة، عرفت بعد ثلاثين سنة من الحصار إن جرائم أميركا ليس في ما تقوله وتفعله مع عملائها المنتشرين في المنطقة، سواء كانوا أميركيين أو عرب إنها مجرّد جرذ بكعب عال.


عرفت أيضاً أن ميزان القوى لن يكون لمنطقة الشرق الأوسط خارج إسرائيل ما لم يتم بناء قاعدة عسكرية شرق أوسيطة للعرب تضع إسرائيل على فوهة بركان حال قيامها بأية حرب جديدة في الشرق الأوسط. وقد تم ذلك فعلاً على يد حزب الله ثم محور المقاومة لاحقاً، وتبيّن لإسرائيل بعد فوات الأوان أنها في عين الإعصار العسكري، وتأكّد لها جلياً بعد أن شاهدت طائرة بلا طيّار لحزب الله تدقّ أوكار "داعش" في جرود عرسال  في القلمون الغربي، ما جعل "ضباطاً إسرائيليين يعترفون بتآكل الردع لدى إسرائيل"، وكانت إيران لوحدها تضع لنفسها البدائل العسكرية التي تعرف البعض منها أميركا وإسرائيل ولا تنطق بها لا أميركا ولا إسرائيل، لقد قال عالِم الذرّة أينشتاين قبل موته بقليل "إن الحرب القادمة لن تكون بالسلاح النووي وإنما ستكون بالحجارة والعصي"، وما يجري الآن في فلسطين هو هذه الحرب وما تخشاه أميركا هو هذه الحر ب وهي قادمة لأميركا لا محالة مادامت تؤمن بالطغيان وتحرّض على الإجرام الدولي وبها عرقيات ليس لها الحق مثلما للرجل الأميركي الأبيض، لذلك أسرع بوش ذات مرة إلى دعوة محمّد علي كلاي المسلم -عليه رحمة الله- إلى البيت الأبيض وتكريمه أمام عدسات كاميرات العالم، ولكن ليس حباً فيه ولا في لون بشرته إنما لدرء حرائق الحجارة والعصي التي تنبّأ بها عالِم الذرّة أينشتابين، المهم، ما الذي أسكت حكام الخليج العربي في هذه الفترة العصيبة من تاريخنا وقد كانوا يجرّون أذيالهم وراء الغرب ناسين أنهم ليس غيرهم من يوزّع الأموال على  "كاباريهات" لاس فيغاس "ومونتي كارلو"ويدعون للسجود للخالق فلا يجيبون إلا للحظات عابرة فهل "كوندوليزا رايس" أو "جون بولتون" أهم من الملوك والأمراء حتى لا يردّوا عليهما وعلى بهتانهما، وظلّت "كوندوليزا رايس" خلال رئاستها الخارجية الأميركية توجّه الإنذارات تلو الإنذارات لهم، وهل هي أشرف من حاكم مصر آنداك حتى لا يقول لها ممنوع عليك دخول مصر.


والقائمة طويلة والأسئلة قد تكون محرجة ألسنا إذن في عصر سيادة العبيد من بقايا العبيد، وهذا ما يعمل  على تأصيله "دونالد ترامب" فهو مع الإرهاب لابتزاز ملوك الطوائف وأمراء المؤامرات وكان له ذلك، وضدّ روسيا وإيران بالعقوبات الاقتصادية وعلى المستوى السياسة  الخارجية!! وهو ضدّ نصف مجتمعه ممن يرفض سياسته الخارجية والداخلية معاً والتي يمارسها بعنصرية ما قبل عصر العبيد وكما يقول هو ويؤكّد "إما انأ وإما الحرب الأهلية"! وحين يتصرّف رئيس دولة عظمى بهذا المستوى السياسي تبدو السياسة وكأنها بقايا جمرة من العهد الحجري، ربما ما أشارا إليه المذيعان الشهيران الأميركيان في إحدى مقالتهما أنهما "لم يصدما ولم يتعرّضا للإهانة بسب تعليقات ترامب الشخصية ضدهما ولكنهما "قلقا حيال سلوكه الجامح أكبر من كونه أمراً شخصياً". لكن الأخطر من هذا ما يواجه العالم اليوم بسبب سوء تصرّفه حيال القضايا الجوهرية التي تخصّ الصراع الدولي ببؤره المنتشرة في القارات الخمس وبتلويح من كوريا الشمالية بالاستعمال النووي، وكما قال الرئيس بوتين إذا وقعت حرب نووية فلا أحد بعدها باق.. ومع كل هذا سارعت قبل الأوان بعض الأطراف العربية المشكوك في رؤيتها وانتمائها العربي في إخراج ورقة الضعف الأميركية على المنطقة من الظاهرة السياسية إلى الظاهرة العسكرية ضد المقاومة، ولكن المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله كانت أقوى وأدارت الصراع بحنكة حتى أن ما قاله السيّد حسن نصر الله قبيل الحرب "لو اجتمع العالم كله لن يتم إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين إلا وفق مطالبنا"، وأصيب العالم كله وقتها بالدهشة بل هناك من شدّ على بطنه وتأكّد أن الوضع في الشرق الأوسط يسير باتجاه الانفجار الكبير. 
لقد خسرت إسرائيل الحرب وخسرت الولايات المتحدة الأميركية أوراقها وغادرت"كونداليزا رايس" منصبها، حتى أن "جون بولتون" ممثل أميركا في مجلس الأمن الدولي آنداك قال لأحد الدبلوماسيين العرب وهو يمشي في رواق المجلس سنوقف الحرب هذا المساء ومجلس الأمن سيقرّر ذلك هذا المساء ، فرد عليه الدبلوماسي العربي أنت في الصباح كنت ترفض توقيفها فأجابه نعم ولكن إسرائيل طلبت ذلك إنها في خطر..واليوم تعاد نفس المأساة مع سوريا فقد خسرت الرهان أميركا وحلفاؤها وعادوا جميعهم  إلى خلف الطاولة يتساءلون عن أسباب الخسارة  فتجيب "فورين بوليسي "على لسان نيكولاس فان دام"  إذا كان السياسيون الغربيون يتساءلون عن أسباب تحقيق القليل من أهدافهم في الحرب الأهلية السورية فإن عليهم أن يبدأوا بالتدقيق في قراراتهم الخاصة. إن مقاربة الغرب للانتفاضة السورية هيمنت عليها منذ البداية جرعة زائدة من التفكير الرّغبوي"  وربما الأوهام الزائدة.

 


 

التعليقات