"فأشارت إليه"..سأراك شاعراً يا ولدي

لو كان لي أن أغيّر الماضي لاخترتُ أن تبقى أمّي معي.. ولقدّمتُ شعري، وعينيَّ، ويديَّ قرباناً لعودتها، إنَّ اليتمَ علّمني أيضاً، أنَّ حضنَ "مريم" أغلى من كلِّ شيء..

  • "فأشارت إليه"..سأراك شاعراً يا ولدي

لا أذكر كم كان عمري لما كتبت أول خاطرةٍ في حياتي، كنت في العاشرة ربما. ولكنني أذكر جيداً أنَّ أمّي كانت أول من سمعها، يومها احتضنتني بدفء قلبها، قبّلتني وقالت:سأراك شاعراً ذات يوم.

هكذا، صارت دائماً أول من أقرأ له خواطري، كانت تقول أنّها تفضّلُ الرواية على الشعر، ولكنَّ لشعري طعماً مختلفاً. لا أدري، ربما لأنها أمي كانت تتذوق إحساسي بطريقة مختلفة. ولكي يكوِّن القارئُ صورةً وافية، سأخبركم قليلاً عن أمي.

أمّي لم تكن متعلمة. تركت المدرسة من الصف السادس - رغم تفوقها الدراسي- بعد أن تعرضت لحادثة أرقدتها شهوراً طويلة في المستشفى، وجدي رحمه الله كان بالتعبير الدارج (شغّيل فاعل) لا يكسب أكثر من قوت يومه، وله عشرة أولاد بين بنين وبنات، لذا فقد كانت هذه الحادثة آخرعهدها بالمدرسة.

ورغم تركها للدراسة -بل ربما بسبب ذلك- عشقت الكتب، فصارت تقضي وقت فراغها بينها، وهكذا خرجَ ابنها البكر إلى هذا العالم، فوجد الكتب إلى جواره، ووجد أمّاً علّمتهُ كيف يحبُّ الكتاب، ويصادقه.

قرأتُ بين يديها جبران وميخائيل نعيمة في عمر السابعة، وكان أبي -المحب للقراءة أيضا- ينصحني بكتب لعمري، أمّا هي فكانت تتركني أقرأ ما أشاء.

ورثتُ هذه (السوسة) وقضيت طفولتي في مكتبة جدي رحمه الله، ثم كان أن كتبت.

حتى الثامنة عشرة -ورغم أنّي كتبت الكثير- لم أكن قد امتلكت شعرية القلب بعد، رغم حساسيتي المفرطة منذ طفولتي.. رغم تخيّري لرقيق الكلمات. كان ينقصني شيء بعد.

ثمَّ كان..

في ليلةٍ من ليالي حزيران 2011 وبصورة مفاجئة صادمة، أخبرنا اتصال من المستشفى أنَّ أمّي "مريم" التي دخلت نتيجة توعك صحي ظهراً، قد رحلت.

رحلت. بهذه البساطة. بهذه السرعة. بهذه القسوة المفرطة. رحلت.

توقّف قلبها، واشتعل قلبي.

في الليلة الأولى التي تلت دفنها. الثانية بعد موتها، لم أنم. جلست خارجاً مع فنجان قهوتي وكثير من السجائر كتبتُ يومها:

"بالأمسِ بينا تمسكين بمعصمي

ناديتكِ..

ووددتُ لو أستطيع ردّكِ

ثانية!

وأعيدُ للماضي بريقهُ ثانية..

ورجوتُ لو.. قبّلتُ كفّكِ من جديدٍ

علَّ قلبَ الصّبِّ يوفي ساقيه..

كلّا فقدتكِ لا رجوع ولا مناص

احترتُ

هل حقّاً حياتي الباقية؟

ما كنتِ يا أمّي حياتي الباقية؟!"

ذرفتُ كثيراً من الدّموعِ في كلِّ حرف، تمزّقتُ على حافّةِ كلِّ كلمة، تركتُ شيئاً من روحي في كلِّ سطر..

يومها أحسستُ أنّي شاعر..

الآن.. وبعدَ ستِّ سنواتٍ على رحيلها، صرتُ أفهمُ جيّداً التغيير الذي طرأ على روحي منذ تلك الليلة..

وصرتُ أستطيع القولَ بصدق.. أنَّ أمّي ربّتني شاعراً منذ ولادتي، وكان رحيلها هو الحجر الأخير ليكتمل مبنى شعريتي..

أصبح طيفها حاضراً في كلِّ نصٍّ أودُّ كتابته، أصبحت ملهمتي التي تمنح الشعرَ حزناً ورقةً وصوراً..

أصبحت روح القصيدة، لذا كتبتُ بعد عامٍ من رحيلها:

"لأمّي مكانٌ بكلِّ قصيدة..

لها رغمَ بردِ الرّحيلِ حضورٌ

بكلِّ روايةِ عشقٍ جديدة

وكلِّ روايةِ حزنٍ جديدة"

صقلني الحزنُ ولم يكسرني، لقد عرّفني اليتمُ على مساحاتٍ واسعةٍ لم أكن ألحظها في العالم، وجعلني أرقَّ من زهرةٍ تعصفُ بها الرّيح فتؤلمها ولا تهزمها.

بلى وحملتُ لقبي "يتيم" هذا اللقب الذي لم يستسغه كثير من أصدقائي، لأنهم لم يدركوا أنَّ هذا اليتمَ تحديداً هو منبع الشّعر.

بلى وسمّيتُ ديواني الشعري الأول "فأشارت إليه" فكنّيت بالاسم عن "مريم" أمّي التي أشارت إلي، كما أشارت مريم الناصرة إلى مسيحها الطفل (1). ذاك قال آتاني الكتاب، وأنا قلتُ آتتني الشعر.

أنا الآن بعد أن شربت كأساً مترعةً بالحزن، صرتُ أتذوّقُ الفرح كما لا يتذوقه كثيرون، وأتقن الحبَّ كما لا يتقنهُ كثيرون، وأجيّرُ غضبي كما لا يجيّرهُ كثيرون، تعلّمتُ مراقبةَ الكون، شغفت بالتفاصيل، فهمتُ المطر بإحساس الغيم، أدركتُ العطر بإحساس الزهور، تلذذتُ بالبرد، تشهّيت الوحدة الخلّاقة، قرأت عيون النّاس، غصت في ما وراء زلّاتهم، ما وراء فرحهم وحزنهم، كلُّ هذا علمنيه الحزن. كلُّ هذا علّمنيه اليتم.

أنا الآن أعيش بروح الشاعر، وأثق بشعرية هذا القلب..

ولكنني سأبوح بسرٍّ أخير:

لو كان لي أن أغيّر الماضي لاخترتُ أن تبقى أمّي معي.. ولقدّمتُ شعري، وعينيَّ، ويديَّ قرباناً لعودتها، إنَّ اليتمَ علّمني أيضاً، أنَّ حضنَ "مريم" أغلى من كلِّ شيء..

"إن كانَ لي

قبلَ الرّحيلِ مساحةٌ -محدودةٌ-

لأقول فيها ما أشاء

بما أشاء..

سأقول: أمّي..

ثمَّ أمّي..

ثمَّ تنكسرُ السّماء"

* المقطوعات الشعرية من ديوان "فأشارت إليه" الصادر عام 2016 عن دار الأمير للثقافة والعلوم في بيروت.
(1) "فأشارت إليه قالوا كيف نكلّمُ من كان في المهدِ صبيّا"-  القرآن الكريم - سورة مريم - ٢٩

 

 

 

 

 

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن المقداد

شاعر لبناني