علي السقا

كاتب ومحرر في موقع الميادين منذ العام 2012. عمل خلال الأعوام 2007 - 2016 في صحيفتي السفير والأخبار اللبنانيتين وغيرهما.

غيفارا "الراوي": سيرة ذاتية مُشبعة بالآخرين

بخلاف الكثير ممن دوّنوا سيَرهم الذاتية، لم يقدم "تشي" نفسه محوراً لما كتبه طوال السنين التي أعقبت انتصار الثورة الكوبية في العام 1959. فالأنا الموجودة في الكتاب المذكور على سبيل المثال، ليست تلك التي تتحدّث عن نفسها، بل التي تتفاعل مع محيطها حتى يدمج القارىء تلقائياً بين "أنا" الراوي و"أنا" الغير مجتمعين.

فراشة "تشي" لوحة للفنان أسامة بعلبكي

الكثيرون منا تعرفوا إلى الرموز التاريخية من الكتب التي تتحدّث عنها. لكن الراوي مهما كان قريباً من الرمز الذي يؤرّخ لمسار حياته، يظلّ يشعرنا بأن ثمة شيئاً ناقصاً. الإحساس بالنقصان هو الدافع لمخيّلتنا لإضفاء أبعاد إضافية على الشخصية محور القراءة، وذلك في مسعى شبه عاطفي إلى تشييد لوحة كاملة هي في المحصّلة، صورة مُشتهاة.

وهذا يعني أن القراءة أحياناً تتخطّى وظيفتها الغاية المعرفية، لتصبح فضاءً رومانسياً. لكن ذلك لا يعدم اختلاط اللونين في قالب واحد. هذا ما يجده أيّ قارىء عند اطّلاعه على ما كتبه الثائر الأممي الأرجنتيني أرنستو تشي غيفارا.

ولعلّ أول ما يتبادر إلى ذهن المتطلّع على سيرة غيفارا وتحديداً رحلة الانتقال الأولى من بلده الأمّ، هي تفصيل يمنح شخصه هالة طوباوية. الزهد بما كان قد يحقّقه من دراسته للطب، ثم سعيه لتوظيف تحصيله العلمي في معركة عسكرية سيكون فيها عرضة للموت أو للعذاب الجسدي الطويل.

لم يكن لأيّ قارىء أن يكون متيقّناً من تلك الفضيلة التي تميّز بها غيفارا، لو لم يرها بين السطور التي دوّنها الثائر بنفسه في أول رحلة جال بها أميركا الجنوبية، مستطلعاً حياة أهلها. فتلك التفاصيل التي تعكس شخصية وروح غيفارا كانت ستظل مكان أخذ وردّ لو كُتبِت بيد آخرين.

لكن ما حدث هو العكس. فغيفارا كان الراوي والبطل في آن. وهو إذ أرّخ لمرحلة من عمر أميركا الجنوبية من دون قصد التأريخ، أصبح لاحقاً جزءاً منه ومعبراً إليه. ولذلك لا يمكن اعتبار أحد أهم أعماله "يوميّات دراجة نارية"، مجرّد سيرة ذاتية.

فبخلاف الكثير ممن دوّنوا سيَرهم الذاتية، لم يقدم "تشي" نفسه محوراً لما كتبه طوال السنين التي أعقبت انتصار الثورة الكوبية في العام 1959. فالأنا الموجودة في الكتاب المذكور على سبيل المثال، ليست تلك التي تتحدّث عن نفسها، بل التي تتفاعل مع محيطها حتى يدمج القارىء تلقائياً بين "أنا" الراوي و"أنا" الغير مجتمعين.

وهذا لم يكن ليحصل، إلا لأن غيفارا عمل على نقل كل ما يشعر به ويراه بفعل الاحتكاك مع الآخرين، حتى أضحت أناه مرآة لهم، وذلك بأسلوب قصصي ممتع يختزن جمالية ونفساً شعرياً قوياً.

"يوميات دراجة نارية" تروي يوميّات غيفارا التي دوّنها شخصياً، وبدأها في العام 1951 مع صديقه ألبيرتو جرانادو في رحلتهما من بيونس آيرس وصولاً إلى كراكاس.

غيفارا، الضابط الطبيب الذي لم يحرم حتى جرحى جيش باتيستا من إسعافهم ليبقيهم على قيد الحياة، استطاع أن يكشف للقارىء الكثير من تاريخ أميركا الجنوبية وتقاليد شعوبها وحياتهم البائسة. وقد تمكّن من أن يؤدّي ذلك بلغة أدبية وعلمية.

ففي فصل بعنوان "القرن العشرين الغريب هذا"، وأثناء مروره بكراكاس آخر وجهة في رحلته الطويلة والمُرعبة، يقول واصفاً "تتبعثر على طول الطريق حاويات عربات نقل يستخدمها البرتغاليون بيوتاً سكنية. يمكنني أن ألمح في واحدة من تلك، حيث تعيش عائلة سوداء، ثلاّجة جديدة وتصدح في كثير منها موسيقى تبثّها أجهزة المذياع بأقصى الأصوات ارتفاعاً. عربات جديدة تقف خارج أكثر" البيوت" بؤساً. تمر من فوق الرؤوس كل أنواع الطائرات تبذر الجو بالضوضاء والانعكاسات الفضيّة، بينما على قدمي تستلقي كراكاس، مدينة الربيع الخالد، التي تهدّد مركزها أسطح الآجر الأحمر الغازية المجتمعة وأسطح البنايات الحديثة. غير أن شيئاً آخر يسمح للون الأصفر في بناياتها الاستعمارية بالبقاء، حتى بعد زوالها من خرائط المدينة: روح كاراكاس المُنغلقة على نمط حياة الشمال تمدّ جذورها بعناد في أحوال ماضيها الاستعماري المتقهقر شبه الريفي".

يميط غيفارا في هذا المقطع اللثام عن أكثر من قضية غذّت فيه لاحقاً جذوة التغيير. ويتجلّى ذلك بداية في عنوان الفصل نفسه، حيث تتبدّى غرابة القرن الماضي في تناقضاته الصفيقة. حيث يصف لنا تلك الصورة شبه السوريالية عن تجاور الفقر المُدقع بمظاهر الثراء الذي يكتسب سمة واحدة، سمة استعمارية. وهو تالياً، يتكلّم باسم كل الفقراء الذين ينظرون يومياً إلى كل ما يذكرهم ببؤسهم، وهم من دون غرابة، الأغلبية الساحقة من سكان البلاد الأصليين.

يُذكر أن في رصيد الثائر الأممي ما يربو على عشرة كتب، أشهرها "كلماتي"، "أحلامي لا تعرف حدوداً"، "بعد انتصار الثورة"، "مذكّرات الحروب الثورية"، و" يوميات بوليفيا"، فضلاً عن كتب كثيرة أنجزها كثيرون عن حياته.