فاطمة موسى

حائزة على شهادة ماجستير أدب إنكليزي, طالبة صحافة في الجامعة اللبنانية.

هل يكفي أن تكون مشجعًا لنادي برشلونة لكي تدعم إستقلال كاتالونيا؟

تُعتبر أزمة كاتالونيا من أصعب الإختبارات التي واجهت الحكومة الإسبانية في فترة ما بعد فرانكو منذ وفاته عام 1974.

مطلب الكاتالونين كان قد حاز في السنوات االأخيرة على دعاية أكبر خارج الإقليم

   إن أزمة كاتالونيا تكاد تكون من أصعب الإختبارات التي واجهت الحكومة الإسبانية في فترة ما بعد فرانكو منذ وفاته عام 1974. فوفقاً للدستور الديمقراطي الإسباني الذي تمت الموافقة عليه عام 1978، والذي يحمي "وحدة الأمة الإسبانية غير القابلة للتفكك" والذي صوت لصالحه أكثر من 90% من الكاتالونيين حينها، يعد إستفتاء الإنفصال غير قانوني. ومع هذا، لا يبدو أن بعض الكتلان معنيين بهذا الأمر وما زالوا مصرين على قرارهم.

   في اليوم الأول من أكتوبر، تفاقمت أحداث العنف في كاتالونيا بعد أن قامت قوات الأمن الإسبانية بعرقلة عملية التصويت عبراستخدام القوة، وذلك بعد أن كانت قد قامت مسبقًا بمصادرة صناديق وأوراق الإقتراع. إن الحركة الإنفصالية المعاصرة، والتي كانت قد انطلقت عام 2006، قد ووجهت منذ ذلك الوقت، ولو بتحفظ، بترحيب من بضع جهات دولية ، وبإدانة من أخرىز إلا أن الأساليب التي لجأت إليها السلطات الإسبانية حديثًا قامت بوضع الأزمة تحت المجهر وأمام مرأى المجتمع الدولي بأسره مما قدّم سببًا إضافيًا للحزب الإنفصالي بالإستمرار بمطلب الإستقلال مع دعم دولي أكبر ولو من قبل الشعوب فقط.

   لكن هذا السبب ليس بالوحيد الذي دفع بالبعض إلى الوقوف مع الكاتالونيين. فجميع متابعي العالم الإفتراضي الرياضي على وسائل التواصل الإجتماعي يمكن لهم أن يلاحظو الدعم الأعمى للإقليم من قبل بعض الجماهير وذلك لسبب ليس له أي وزن سياسي وهو التعصّب الرياضي.

   بعيدًا عن السياسة والتاريخ، إن مطلب الكاتالونين كان قد حاز في السنوات االأخيرة على دعاية أكبر خارج الإقليم وذلك بفضل سفير كاتالونيا الأول للعالمية نادي برشلونة الرياضي. من منا لم يرى تشافي وبويول يلوحان بعلمي إقليمي كاتالونيا والباسك بعد نهائي كأس الملك الإسباني عام 2012 في ملعب فيسينتي كالديرون في العاصمة مدريد؟ ومن منا لم يسمع صيحات الإستهجان الكاتالونية في نهائي نفس البطولة لكن بعد 3 سنوات والتي كانت موجهة ضد ملك إسبانيا والنشيد الوطني الإسباني؟ يكفي على المرء أن يرى الجو الكروي في مقاهي الكرة الأرضية بأسرها ليلة الكلاسيكو بين برشلونة وخصمه التاريخي ريال مدريد ليتساءل عن خلفية ذاك التوتر الذي يضع عشاق كرة القدم في حالة إستنفار لمدة 90 دقيقة.

   إن الأزمة المستمرة في كاتالونيا ليست بلعبة بل هي وضع جدي سيؤثر على بلد دولة وشعبًا أيًّا كان ما ستآل إليه الأمور. إنه لأمر واجب انتقاد العنف الذي وقع ضحيته مئات الجرحى يوم الإستفتاء، إلا أن الظاهرة المستفزة، إذا ما صح التعبير، هي دعم طرف من طرفي الأزمة على أساس فريق كرة القدم المفضل. هو بعيد كل البعد عن المنطق دعم حركة سياسية بدون معرفة الأسباب التاريخية والتركيب الإجتماعي الذي أودى إليها. لتقريب الصورة المثيرة للضحك أيضًا، خذ جمهوري ريال مدريد وبرشلونة ولنضع الأمور بشكل أوضح.

   عدد ليس بقليل من جماهير ريال مدريد الأجانب يعبرون عن أنفسهم بكونهم "anti-Catalan" أو "anti-Catalan independence" وذلك فقط بناءً على خصومة ناديهم مع النادي الكاتالوني. وفي الطرف الآخر، عدد ليس بقليل أيضًا من جماهير برشلونة الأجانب يدعمون الإستقلال فقط لأن تشافي هيرنانديز، نجم برشلونة والمولود في الإقليم، يدعمه أيضًا.

   من الضروري الإستفسار "لماذا". لماذا على المشجع الذي لا يعنيه الأمر لا من الناحية السياسية ولا الإجتماعية أن يبدي دعمه أو شجبه؟ أم هل أمسى الجميع بين ليلة وضحاها مختصين بالتاريخ الإسباني والتكوين السياسي لشبه الجزيرة الإيبيرية؟ كم "مدريدي" يعلم أن كاتالونيا كانت بالفعل دولة مستقلة عن إسبانيا في ما مضى؟ كم "مدريدي" على دراية بالسياسات القمعية التي مارسها فرانكو للقضاء على الهوية الكاتالونية وثقافة الإقليم الخاصة، من محاصرة للغتهم إلى سيطرته حتى على أسماء المحلات التجارية؟! في الوقت نفسه، كم "برشلوني" يعلم أن إستقلال كاتالونيا قد يمنعها من الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي بما أن إسبانيا يمكنها الحؤول دون حصول ذلك عبر حق النقد الفيتو؟ كم منهم يعلم أن الشركات متعددة الجنسيات التي تستخدم عملة اليورو قد تقوم بنقل مراكزها إلى خارج كاتالونيا وإلى أماكن ضمن الإتحاد الأوروبي مما سينعكس سلبًا على الإقاصاد الكاتالوني وبالتالي على الكاتالونيين أنفسهم؟

   كم من مشجعي الفريقين فكروا بالتبعات السلبية على الشعبين الكاتالوني والإسباني إذا تم أو لم يتم الإنفصال؟ البعض من كلا الطرفين قد يعلم ما يكفي عن تاريخ إسبانيا ليخوله التعبير عن رأيه. ولكن الأكثرية لا يدركون جدية الأمر ويتعاملون مع الأزمة بإطار "تصفية حسابات". الخصومة الكروية ليست سببا كافية للوقوف مع طرف معين. إن مصير بلد وسكانه لربما يتدلى على حافة هاوية، وليؤخذ أي رأي بعين الإعتبار، يجب على المرء دراسة الوضع بشكل موضوعي من جميع جهاته. فهذه ليست إحدى منافساتكم بين ميسي ورونالدو.