نواف الزرو

أسير محرر وكاتب صحفي فلسطيني

المرأة الفلسطينية في النضال وفي مُعتقلات الاحتلال (2)

بالتوثيق والشهادات الحيّة، فإن دور المرأة الفلسطينية ارتقى وتطوّر على نحو ملحمي، وتاريخي، واقتربت، أو ربما تجاوزت في روحيتها وتضحياتها خنساء المسلمين، حيث لم يعرف التاريخ العربي الإسلامي عملياً سوى خنساء واحدة، في حين عرف التاريخ الفلسطيني المعاصر عشرات الخنساوات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن في انتفاضات وهبّات الدفاع عن الوطن والوجود...!

قدمت المرأة الفلسطينية تضحيات لا يمكن تعدادها أو الإحاطة بها

بالتوثيق والشهادات الحيّة، فإن دور المرأة الفلسطينية ارتقى وتطوّر على نحو ملحمي، وتاريخي، واقتربت، أو ربما تجاوزت في روحيتها وتضحياتها خنساء المسلمين، حيث لم يعرف التاريخ العربي الإسلامي عملياً سوى خنساء واحدة، هي الشاعرة العربية المشهورة الخنساء أو تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية التي استشهد أبناؤها الأربعة في معركة القادسية سنة 14 هجرية، التي قالت حينما بلغها الخبر: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".

في حين عرف التاريخ الفلسطيني المعاصر عشرات الخنساوات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن في انتفاضات وهبّات الدفاع عن الوطن والوجود...!

عشرات الخنساوات الفلسطينيات التي تحكي لنا كل واحدة منهن قصصاً وحكاياتٍ بطولة وتضحيات وإباء لا مثيل لها في تاريخ المرأة على وجه الكرة الأرضية..!، ومن هذه القصص والحكايات نتابعها على جبهة الاعتقالات والمعتقلات الصهيونية. 

فعلى هذه الجبهة القمعية الاحتلالية ضد المرأة الفلسطينية، فقد انتهجت سلطات الاحتلال الصهيوني سياسية قمعية متصاعدة تتمثل في ازدياد حجم الاعتقالات في صفوف النساء الفلسطينيات، وذلك بهدف"نشر الرعب والخوف وإذلال الشعب الفلسطيني"، وقالت جمعية أنصار الأسرى في هذا السياق"إن المرأة الفلسطينية سطّرت أروع آيات البطولة والصمود والتحدّي فانخرطت في النضال والمقاومة وكانت بجانب مقاتلي الثورة واستشهد العديد منهن ، وسطرن صموداً في زنازين الاحتلال ومعتقلاته، وكانت تجربة الحركة النسوية الأسيرة جزءاً أساسيا من الحركة الأسيرة بشكل عام في نضالاتها وعلى مدار تاريخها".

وكشفت وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين من جهتها في تقرير لها "أن سلطات الاحتلال الإسرائيلى اعتقلت ما يقارب 15 ألف امرأة فلسطينية منذ عام 1967، وأن أكبر حملة اعتقالات جرت خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث وصل عدد المعتقلات إلى 3000 امرأة فلسطينية، مقابل 9000 امرأة في الفترة بين العام 2000 ونهاية العام 2009".

 


المرأة في ثورة 1936

واسمراراً لما جاء في الجزء الأول عن دور المرأة الفلسطينية في النضال-الميداني- وفي معتقلات الاحتلال، فلم يتصد حتى الآن أي باحث لدراسة دور المرأة الفلسطينية في ثورة 1936-1939، وما نجده عن هذا الموضوع لا يتعدّى شذرات بين طيّات الكتب والصحف والأرشيفات، ومنها يبرز بجلاء أن دور المرأة العربية في المدن اقتصر على القيام بتظاهرات حاشدة، وبإرسال مذكرات الاحتجاج على السياسة التي تنتهجها سلطات الانتداب، وبجمع التبرّعات لإغاثة المنكوبين والمتضررين من أعمال البطش الهمجية التي قامت بها القوات البريطانية في أرجاء فلسطين؛ بينما كان دور المرأة القروية في الريف أكثر فاعلية، إذ كانت تشارك في صنع أحداث الثورة ولولاها لما تمكّنت هذه الثورة من الاستمرار، بالإضافة إلى تبرّعها بحليها ونقودها من أجل إغاثة المنكوبين، وإذا كان شباب القرى ورجالها البسطاء هم لحمة الثورة فإن المرأة القروية كانت سداها، ورغم أنها لم تحظ بقسط من التعليم إلا أنها كانت تمتاز بحسٍ وطني مُرهف. لقد وجدت نفسها في قلب الثورة وأتونها فتفاعلت معها، لذا نالها من المكاره ما يعجز القلم عن وصفه.

وقبل ذلك، "شكلت ثورة البراق 1929 التي ألهبت المشاعر الوطنية الفلسطينية؛ دفعة جديدة للحراك النسوي الفلسطيني. فعقد، في إثرها، أول مؤتمر نسائي في القدس وهو المؤتمر النسائي الفلسطيني والعربي الأول. حيث فتحت السيّدة طرب عبد الهادي زوجة السياسي المعروف عوني عبد الهادي في 21/1/1929 بيتها لاستقبال وفود النساء الفلسطينيات اللواتي وصل عددهن إلى 300 امرأة من مختلف أنحاء فلسطين. ترأست المؤتمر السيّدة زكية الحسيني، والسيّدات محفوظة النابلسي وكاترين شكري ذيب ومتيل مغنم. وقد بحث المؤتمر قضيتين أساسيتين: الهجرة اليهودية وتمليك الأراضي لليهود. وشكلن وفداً زار المندوب السامي وزوجته وقدّمن عريضة طالبن فيها بإلغاء وعد بلفور ومنع الهجرة اليهودية، كما تضمنت احتجاجاً على إساءة الشرطة معاملة السجناء العرب وطالبن بإقالة المسؤولين عن تعذيب السجناء. وقد رفضت بعض عضوات الوفد شرب القهوة التي قدّمها المندوب لهن، بحجّة أنهن لا يشربن القهوة إلا في بيوت الأصدقاء. وبعد نهاية المؤتمر غادر الوفد بسيارت بلغ عددها ثمانين سيارة، جابت شوارع القدس كتظاهرة احتجاجية على رفض المندوب السامي السماح لهن بالقيام بتظاهرة احتجاجية ضد السياسات الانتدابية- المصدر السابق نفسه-"..

بينما "شكّلت ثورة عام 1936- 1939 بداية المشاركة الشعبية النسائية التي ما عادت تقتصر على النخبة وحدها. حيث أدّت النساء الريفيات دوراً أساسياً في دعم الثورة من خلال تقديم المساعدات للثوار في الجبال، وسقط منهن عدد من الشهيدات، كما حُكم على كل من السيّدات صبيحة الجلاد من طولكرم ولطيفة المغربي وهنا عودة بالسجن ما بين 5 و7 سنوات بتهمة حيازة السلاح. في حين اقتصر نشاط نساء المدن على الأعمال الخيرية والمؤتمرات الشعبية والعربية والقيام بالتظاهرات". وأسهمت الحركة النسائية في فضح السياسة الانتدابية وطالبت بتأييد الشعب الفلسطيني؛ مثل البرقية التي أرسلتها جمعية الاتحاد النسائي في عكا إلى الحركة النسائية في مصر تلوم فيها شعب مصر لعدم فعل شيء لفلسطين في محنتها وخاصة بعد توصيات لجنة بيل لتقسيم فلسطين. جاء في البرقية: « أتتركونا وحدنا وفيكم لسان يتكلّم وقلب ينبض؟ أتتهوّد الأرض المقدسة وفي مصر خمسة عشر مليوناً من المسلمين؟".

وخلال  ثورة  1936 أيضاً، قامت الطالبات في مدينة نابلس بتظاهرة جابت شوارع المدينة دعماً للإضراب العام، وفي القدس نظّمت جمعية السيّدات العربيات عدداً من التظاهرات، وهكذا جرى في يافا حيث تمّ هناك جمع تبرعات للمنكوبين جراء أعمال البطش الهمجية التي قامت بها القوات البريطانية في القرى. ولعل أهم هذه التظاهرات كانت التظاهرتان اللتان قامت بهما النساء في حيفا وعكا في 24/5/1937 حيث قامت النساء في حيفا بالاعتصام أمام سرايا الحكومة حتى يتم إطلاق سراح المعتقلين المُضربين عن الطعام في سجن المزرعة في عكا ما اضطر حاكم لواء حيفا إلى استقبال وفد عن المتظاهرات في مكتبه، كما تظاهر الشباب والنساء ووجهاء عكا وأرسلوا مذكرة احتجاج إلى المندوب السامي يطالبونه فيها بإطلاق سراح المعتقلين، وقد وعد المندوب في أعقاب ذلك بإطلاق سراح مئة من المعتقلين والنظر في أمر الآخرين.- د.محمد عقل- خاص بـموقع عــ48ـرب: 26/10/2013 - .

وعندما كانت تنشب معركة بين الثوار والإنكليز كانت النساء القرويات يقمن بإمداد الثوار بالماء والطعام والذخيرة، وقد حدث ذلك في معركة وادي عاره الكبرى في 20/8/1936 وغيرها من المعارك، كما اعتدن أن يزغردن وينشدن الأغاني ليلهبن حماس الرجال، والعار كل العار لمن ينسحب من ساحة القتال، أو يتقاعس. وقد أثنى القائد فوزي القاوقجي على المرأة القروية حيث يقول: "كانت النساء في معركة بلعا ينجدننا بالماء والطعام ونقل العتاد ويثرن الشعور بالزغاريد الوطنية وأناشيد البطولة، وحين حاصرت قوات الإنكليز قوات الثورة كانت النساء تمدّنا بكل ما نحتاج إليه وبتأثير تحميسهن انتصرنا". في أيام الثورة انتشرت بين النساء في منطقة وادي عاره هذه الأنشودة-المصدر السابق نفسه-

عَطَّاف عيني عَطَّاف إسبوعه يا رجال الخطاف

إسبوعه يا أهل عارا ما  فيكم  واحد   بيخاف

عَطَّاف يا أمّ المنديل عَطَّاف  عيني عَطَّاف

وغلبنا قوات الانجليزواحنا  العراعره ما نخاف

اعتمد الثوار على نظام الفزعة وهو أن يقوم رجال من قرى مجاورة بمساعدة ثوار قرية في المعركة، وقد كانت النساء تلهبن حماس الفزعات القادمة من تلك القرى بالمهاهاة والزغاريد حيث غنّت جدّتي للفزعة القادمة من يعبد-المصدر السابق نفسه-:

هذول  أهل يعبد ومين  يقدر  يحاصركو

يا حاملين البارود والخناجر في خواصركو

سألت  ربّ  السما  من  فوق   ينصركو

نصرة  عزيزة  وما  يغلث   خواطركو

وفي 27 أيلول عام 1936 حكمت المحكمة المركزية برئاسة المستر ايفانس منفرداً على السيّدة صبحة الجلاد من طولكرم بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة حيازة بندقية، وسيقت إلى سجن النساء في بيت لحم وكان يدافع عنها المحامي عثمان البشناق. أجرى الباحث عبد العزيز أمين عرار مقابلة مع السيّدة فاطمة خاصكية زوجة المناضل محمّد أبو دية في طيرة بني صعب فقال عنها: "واحدة من النساء المناضلات كانت تشجّع وتدفع زوجها وتشاركه النضال والكفاح في ثورة 1936-1939 وحرب 1948، عرفت باستخدامها الجيّد لأنواع عديدة من الأسلحة، وفي واحدة من أعراس كفر ثلث عام 1956 أطلقت الرصاص بدلاً من الزغاريد-المصدر السابق نفسه-.

وفي 7/10/1936 حكم حاكم لواء القدس على المجاهدة فضية خليل (القدس) بالسجن ثلاثة أشهر لأنها تحرّض على المقاطعة، فتلقّت الحكم برباطة جأش وسيقت إلى السجن مرفوعة الرأس. وفي 21/2/1938 حكمت المحكمة العسكرية في حيفا بالسجن عشر سنوات على السيّدة هنية علي الأحمد بتهمة حيازة سلاح ناري، وقد صدرت أحكام مشابهة ضد عدد من السيّدات الأُخريات.

وعندما اشتدت نار الثورة أخذ الجنود الإنكليز يُعذّبون الرجال وينسفون البيوت، وفي عدد من القرى قاموا كذلك بضرب النساء وبإطلاق النار عليهن ما أدى إلى جرح واستشهاد عدد كبير منهن. وقد وردت في الأدبيات الفلسطينية أخبار كثيرة عن مثل هذه الممارسات الوحشية، فعلى سبيل المثال في 6/8/1938 عمّم أكرم زعيتر على الصحف العربية البيان التالي: "ننعى إلى الأمّة العربية السيدتين العربيتين سعاد العلي وآمنة الحاج ياسين اللتين قُتلتا برصاص الجند البريطاني في قرية قباطية (جنين)، وذلك حين فتّشت القرية بعد هزيمة الجند ولم تجد رجالاً فأطلقت النار جزافاً على النساء في خدورهن فاستشهدت السيّدتان المذكورتان، وجرحت السيّدة عائشة حسن والسيّدة حورية سليمان بجراح خطرة". وقد كان القائد يوسف أبو درّة يندد دائماً في بياناته بانتهاك الإنكليز حرمة المرأة العربية ويرى في ذلك مسّاً بكرامة العرب-المصدر السابق نفسه-.

وفي 12/12/1938 وقعت مأساة عتيل حيث داهمت القرية قوة كبيرة من الجند، فقتلت عدداً من رجالها واغتصبت إحدى نسائها ثم قتلتها. وفي 26/9/1938 عذّب الجند رجلاً واغتصبوا زوجته في قرية السميرية الواقعة على بعد عشرة كيلومترات من عكا وكان بجوارها معسكر للجيش.

إن هذه الحكايات  ماهي الا غيض من فيض. لقد سطّرت المرأة الفلسطينية بعرَقها ودمها أسمى آيات البطولة والبسالة، وما أشبه اليوم بالأمس.  لقد أبدعت المرأة الفلسطينية في الانتماء والعطاء من أجل فلسطين، إذ روت ترابها الطاهر بعرَقها وهي تفلح الأرض مع الرجل، وفي كثير من الأحيان لوحدها عندما كان يتعرّض زوجها أو ابنها للاستشهاد أو الاعتقال، حيث لم تدع الأرض تبور أو تجف.. كما أبدعت في عطائها الفلسطيني وهي تقدّم صيغتها وحليتها من أجل شراء البندقية ليذود بها المناضل الفلسطيني عن أرضه وعرضه.. وأبدعت كذلك حينما كانت تحمل البندقية لتتصدى لعمليات الاستيلاء على الأراضي وتخريبها من قبل الغزاة الصهاينة منذ بداية موجات الغزو الاستيطاني الصهيوني لفلسطين.

لقد كانت المرأة الفلسطينية جنباً إلى جنب مع الرجل في كافة  مراحل ومواقع النضال الوطني الفلسطيني، وقد وصل عطاء المرأة الفلسطينية ذروته عشية وخلال نكبة 1948، حيث شاركت الرجل عملية النضال والتصدّي، في الوقت الذي شاركته في التضحيات الكبيرة التي قدّمتها بأشكال مختلفة تتراوح ما بين القتل والذبح بدم بارد.. مروراً بالتنكيل والإذلال والاغتصاب.. وصولاً إلى التشريد واللجوء إلى خارج الوطن.

ولكن، مع النكبة الفلسطينية اندثر الكثير من الجمعيات والاتحادات النسائية، وتحوّل نشاط النساء، ولا سيما في الشتات الجديد، إلى السياسة، علاوة على الأعمال الخيرية والإنمائية، وبدأ عصر جديد في تاريخ النساء الفلسطينيات.

ولعلّ انتقال المرأة الفلسطينية من الميدان قبل النكبة إلى العمل السياسي بعد النكبة، انعكس إلى حد كبير في مشاركتها-المرأة- في المجلس الوطني الفلسطيني، فبلغ عدد النساء الفلسطينيات اللواتي حضرن المجلس الوطني الفلسطيني الأول في 28/5/1964 في القدس أربعاً وعشرين امرأة من بين 422 عضواً هن: صفية الشقيري، أمينة الحسيني، بسمة فارس، سميحة ثابت الخالدي، عصام عبد الهادي، عندليب العمد، فايزة عبد المجيد، لميا صلاح، ليديا الأعرج، هدى عثمان الخمرة، يسرى شاور، زليخة الشهابي، وديعة خرطبيل، سميرة عزام، ألكسندرا ظريفة، سلوى ناجيا، صبا الفاهوم، يسرى البربري، زينب ساق الله، عايدة بامية، فدوى طوقان، سلمى الدجاني، سميرة السقا و تمام الأكحل شموط. لكن، في الدورة الرابعة للمجلس لم تشارك في المجلس إلا امرأة واحدة مـن أصل مـئة عضو، وفي الـدورة الخامسة شاركت امرأة واحدة أيضاً من أصل 105 أعضاء، وفي الدورة السادسة شاركت امرأتان من أصل 112 عضواً.