عبّاس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

كيف تطوّر "الوعي الماروني " بقيادة الجنرال عون ؟

التحالف الذي أقدم عليه حزب الله مع "التيار الماروني"، يطال الأسس والتحالفات التي قام عليها الكيان الصهيوني. الجنرال عون نقل "المجتمع المسيحي" اللبناني من الخيار المُرتِهن للسياسات الغربية والمتحالف مع "إسرائيل" علناً، إلى الخيار المقاوِم الرافِض للهيمنة الغربية. هذا في المشهد العام الذي جسّده رئيس الجمهورية اللبنانية مؤخّراً بتبنّيه خطاباً مُعادِياً للتصرّفات السعودية ضدّ لبنان، والتي لا تخرج عن دائرة الرعاية الغربية، مهما حاول الفرنسيون تجميلها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

عون نقل "المجتمع المسيحي" اللبناني من الخيار المُرتِهن للسياسات الغربية والمتحالف مع "إسرائيل" علناً، إلى الخيار المقاوِم الرافِض للهيمنة الغربية

بين الحركة الصهيونية والمارونية، تاريخٌ طويل من التحالفات، منها ما هو ظهر إلى العلَن، ومنها ما بقيَ بين أوراقِ التاريخ وخارج أي تعاطٍ سياسي. خسارة "الموارنة" كحلفاء أو أقلّه كجانبٍ بعيدٍ عن الصراع العربي-الإسرائيلي، يُشكّل ضربة قوّية لـ"إسرائيل"، الأمر لا يتعلّق فقط بالغطاء الطائفي الذي تؤمّنه للمقاومة ذات البُعد "الشيعي"، بل في "إسرائيل" كـ"دولة" قابلة للتعايش في الشرق الأوسط.

الصهيونية كحركة تسعى إلى إنشاء "دولة" في فلسطين، بدأت بالتقاط الفُرَص للوصول إلى اللحظة المناسبة التي تخوّلها إعلان دولتها، حتى ما قبل العام 1890، أي وقت ظهورها كحركةٍ علنية بقيادة، تيودور هرتزل.

التقارُب "الصهيوني-الماروني"، بدأت معالمه تظهر في العام 1860، بعد التدخّل الفرنسي البريطاني لصالح الموارنة ضد الدروز. اللوبيات اليهودية، في كِلا البلدين، وعلى رأسها السير البريطاني اليهودي، موسى مونتفيوري، والفرنسي اليهودي أدولف كريمو، والمعروفان بثرائهما وعلاقاتهما السياسية مع صنّاع القرار في لندن وباريس، هبّوا لـ"إغاثة الموارنة" كما يذكر، دايفيد هيرست، في كتابه "حَذاري من الدول الصغيرة"، وكانوا في مُقدّمة الداعين إلى مساعدة الموارنة. حينها تصدّرت أخبار الحرب الأهلية اللبنانية، وما يتعرّض له الموارنة، صحيفة "التايمز" البريطانية، ليتم بعدها إرسال قوّة فرنسية، بذريعة دعمهم ضد الدروز.

حاييم وايزمان، أحد أشهر الشخصيات الصهيونية بعد تيودور هرتزل، وصف اليهود والمسيحيين، خلال لقائه بمطرانٍ ماروني في العام 1919 بأنهما "الشعبان التقدّميان في الشرق الأوسط" فيما كانت الدعاية الصهيونية تعمل على الترويج لما يُسمّونه بعلاقة المصالح والصداقة التي جمعت الملك سليمان، بالملك الفينيقي حيرام، حتى وصل الأمر ببعض الصحف والدبلوماسيات الأجنبية إلى وصف الموارنة بـ"الصهيونية اللبنانية". ليصعد بعد ذلك إلى الواجهة، ما سُمّي بـ"تحالف الأقليّات" بين الجانبين الماروني- واليهودي، بوجه التيار الإسلامي العروبي الساعي إلى إقامة "الدولة العربية" بعد انهيار السلطنة العثمانية.

ويُذكر في هذا السياق، ما اقترحه نجيب صفير وهو سياسي ماروني كان ممثلاً للبطريركية، على وايزمان في العام 1919، بتقسيم بلاد الشام. على أن يكون لبنان للمسيحيين، وفلسطين لليهود، وسوريا للمسلمين.

هذا الاقتراح تحوّل إلى اتفاق، إذ وقّع كلٌّ من صفير كمُمثّلٍ للبطريركية المارونية، ويهوشواع حانكين، أحد أعضاء الحركة الصهيونية، في العام 1920 مذكّرة، تعترف فيها البطريركية بحق اليهود في إقامة "وطن قومي" لهم في فلسطين لقاء دعم اليهود لانفصال المسيحيين عن سوريا والاعتراف بلبنان وطناً للمسيحيين.

الاعتراف الماروني هذا وفق ما يذكره  صقر أبو فخر، في كتابه "الأباتي بولس نعمان مشوّهاً تاريخ لبنان": "لم يكن سوى بنيّة إقامة دولة لبنانية ذات أكثرية مارونية خوفاً من غَلَبَة السنّة، في حال ضمّ لبنان إلى الجمهورية العربية المُفترضة حينها، ذات الأغلبية السنّية".

يهوشواع حانكين، إلى جانب كونه أحد أبرز أعضاء الحركة الصهيونية، كان ممثلاً أيضاً لما يُسمّى بـ"شركة تطوير أراضي فلسطين اليهودية"، وهو ما أسّس لوجهٍ جديد من التعاون بين الشخصيات المارونية والحركة الصهيونية، حول مسائل اقتصادية وسياسية، لا سيما موضوع شراء الأراضي للمنظمة الصهيونية. نجيب صفير الذي أصبح مساعداً للبطريرك الماروني أنطوان عريضة بعد العام 1932 عمل على تعميق صلاته بـ اليهود المُهاجرين إلى فلسطين، لشراء الأراضي لصالح العائلات اليهودية هناك، بالتنسيق مع رئيس الوكالة اليهودية، موشيه شاريت، في ذلك الوقت، إذ تؤكّد الوثائق أن 94% من الأراضي التي امتلكتها الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي في فلسطين حتى سنة 1947 باعها لبنانيون من عائلات بمعظمها مارونية.


مراقبون إسرائيليون كان لفتوا خلال انتخاب الرئيس عون، إلى أن "رئيساً لبنانياً، هو حليف لـ"حزب الله،" سيُنتخَب وهذا ما يُبهِج إيران

التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، الذي وقّعه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله ورئيس التيار الجنرال ميشال عون في كنيسة مار مخايل، يُشكّل لحظة تاريخية فارِقة ستظهر نتائجها تباعاً. إذ أنه، ليس المطلوب منها أو حتى المتوقّع، أن تظهر خلال عشر سنوات، مع أن ما تحقّق خلال السنوات العشر في الوعي "الماروني" بقيادة الجنرال عون، يفوق التوقّعات المبنية على قرن ونصف القرن من "تحالف الأقليات" بوجه المسلمين.

التحالف الذي أقدم عليه حزب الله مع "التيار الماروني"، يطال الأسس والتحالفات التي قام عليها الكيان الصهيوني. الجنرال عون نقل "المجتمع المسيحي" اللبناني من الخيار المُرتِهن للسياسات الغربية والمتحالف مع "إسرائيل" علناً، إلى الخيار المقاوِم الرافِض للهيمنة الغربية، هذا في المشهد العام، الذي جسّده رئيس الجمهوري اللبنانية مؤخّراً بتبنّيه خطاباً مُعادِياً للتصرّفات السعودية ضدّ لبنان، التي لا تخرج عن دائرة الرعاية الغربية، مهما حاول الفرنسيون تجميلها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بناءً عليه، فإن المارونية الحديثة في لبنان يمكن اختصارها في تصريحٍ للجنرال عون خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة CBC المصرية، في شباط 2017، يؤكّد فيه "على ضرورة وجود سلاح المقاومة معتبراً أنه مُكمّل للجيش اللبناني، وأنه ليس مُناقضاً لمشروع الدولة وهو جزء أساسي من الدفاع عن لبنان".

الإنجاز التاريخي الذي حقّقه الجنرال عون، بانتقال تيّاره وقاعدته الشعبية، إلى مُقدّمة العداء لـ"إسرائيل"، بعد أن كانت "المارونية" إحدى أهم حلفائها. هذا الأمر، يمكن مُلامسته في جميع المحطات "المارونية" التي تلَت شباط 2006، بدءاً من العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز من العام نفسه، وليس انتهاءً بالعدوان السعودي السياسي الأخير.

مراقبون إسرائيليون كان لفتوا خلال انتخاب الرئيس عون، إلى أن "رئيساً لبنانياً، هو حليف لـ"حزب الله،" سيُنتخَب وهذا ما يُبهِج إيران ويُشكّل هزيمة إضافية للموقف السعودي اقليمياً"، فيما علّقت صحيفة "إسرائيل اليوم"، في 31 تشرين الأول من العام 2016، أي يوم انتخاب الجنرال عون رئيساً، بأن "الزعيم الأكثر شعبية بين الموارنة في لبنان، فرض تحوّلاً في الخيارات المارونية في لبنان". الصحيفة المُقرّبة من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو اعتبرت أن العماد عون، ربط مصير الموارنة بمصير حزب الله وإيران، بعد أن كانت آمال الموارنة لعقود مُعلّقة على فرنسا وإسرائيل"، حسب تعبيرها.

تصدّر الجنرال ميشال عون قبل انتخابه رئيساً للجمهورية وبعد انتخابه، المشهد الاقليمي والدولي كحليفٍ للمقاومة، وتبعه في ذلك، جمهوره وقاعدته الشعبية. من هنا يجب الإدراك، أن كل خطوة يُقدِم عليها حزب الله، موجّهة ضد "زوال إسرائيل" وعلى طريق التمهيد لذلك، مهما اعتبرها البعض "تافهة" أو آنيّة أو ذات مصالح شخصية سياسية. التعويل كبير جداً على ورقة التفاهم الموقّعة في شباط/ فبراير 2006 والتي ستغيّر في المُعادلات الاقليمية. ولعلَّ التحوّل الجذري في الوعي "الماروني" يمكن إيجازه، من الاحتفال باحتلال القدس و"هزيمة الـ 67" في كسروان، تحت قيادة "الانعزالية"، إلى الاحتفال بانتصار المقاومة في حرب الـ2006، تحت قيادة الجنرال عون، وصولاً إلى الموقف التاريخي لرئيس التيّار الوطني الحر، جبران باسيل، في الجامعة العربية ردّاً على القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال. باسيل قال بوضوحٍ تام، أمام جَمْعٍ من وزراء الخارجية العرب: "إن شرف القدس من شرفنا".

 


 

التعليقات