زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين.

بسبب أفغانستان أصبح الأمن الإقليمي هشّاً للغاية

إن مُستقبل الدبلوماسية بين أيدينا ولطالما شدّدنا على أهمية الحفاظ على احترام الذات المُتبادل وعلى الاحترام الوطني لكُل من بلدينا وعلى الكرامة الوطنية لكُل من بلدينا، ونحن مُستعدون دوماً لإجراء الحوارات ومستعدون للحوار حول كُل القضايا. لسوء الحظ، فإن الهند هي دوماً مَن يرفض المُحادثات.

  • بسبب أفغانستان أصبح الأمن الإقليمي هشّاً للغاية

لعلَّ كلَّ ما ينبِئُ بالجغرافيا السياسيةِ يمكنُ العثورُ عليه في مَنطِقةِ جنوبِ آسيا بحسَبِ مركزِ ستراتفور الأميركيِّ للدراساتِ الإستراتيجيةِ والأمنيةِ وذلك في استشرافِهِ السنويِّ لعامِ 2018. ومن المؤشّراتِ على هذا الأمرِ التحدياتُ الديموغرافيةُ، والتنوّعُ الجغرافيُّ، والحدودُ الخلافيةُ غير المحدّدة. ولعلَّ الهندَ هي البلدُ المُسيطرُ في المَنطِقة، وهي موطِنُ الاقتصادِ الأسرعِ نمواً في العالم. لكنَّ التنافسَ معَ جمهوريةِ باكستان المجاورة، وهي قوةٌ نوويةٌ زميلةٌ وسوقٌ استهلاكيةٌ مُتنامية، جعلَ من جنوبِ آسيا واحدةً من أكثرِ المناطقِ النوويةِ خطورةً في العالم. والمَنطِقةُ خيرُ دليلٍ أيضاً على الكيفيةِ التي يمكنُ أن يؤدّيَ بها التشدُّدُ والعسكرةُ إلى تقويضِ التكامُلِ الإقليميِّ اللازمِ لإطلاقِ النموِّ الاقتصاديِّ الأعلى. اليومَ، وبحسَبِ ستراتفور، فإنَّ الولاياتِ المتحدةَ الأميركيةَ وباكستان تقبعانِ على مُفترقِ طُرقٍ في ما يخصُّ الحربَ في أفغانستان حيث تدهورتِ الشراكةُ الأمنيةُ بين البلدين إلى الأسوأِ هذا العام، إذ وفي مطلَعِ العامِ الحاليِّ أعلنتْ إدارةُ ترامب أنها ستُخفِّضُ المساعداتِ إلى باكستان بأكثرَ من الثُلُث.

أما الجيشُ الباكستانيُّ، المُهيمنُ في السياسةِ الخارجيةِ الباكستانيةِ واللاعبُ القويُّ في الشؤونِ الداخلية، فستكونُ على جدولِ أعمالِه عامَ 2018 تحدياتٌ أكثرُ من الصراعِ في أفغانستان.

الفريقُ المُتقاعد ناصر خان جانجوا، مستشارُ الأمنِ القوميِّ الباكستاني، الذي قادَ عمليات SWAT و Baluchistan والذي كان له إسهامٌ رئيسيٌّ في عمليةِ التكامُلِ في البلادِ، وفي أوّلِ إطلالةٍ إعلاميةٍ له منذ تبوُّوئِهِ هذا المركزَ منذ 2015، يُحدِّثُنا من الداخل عن الأوضاعِ الجيوسياسيةِ المحيطةِ بباكستان من إرهابٍ وتطرّفٍ وتجارِبَ نوويةٍ في المحيطِ الهنديِّ وسواه وتداعياتِ تلك التطوّراتِ في مَنطِقةِ جنوبِ آسيا على باكستان اليوم. و كيف تتطوّر حالياً العلاقات الباكستانية الأفغانية؟ وأيّ تأثيرٍ سيكون لهذه العلاقة على الأمن الإقليمي؟

"دعيني أؤكّد لك بأن قصة أفغانستان لهي قصةٌ مليئةٌ بالأحزان.إنها قصة جِراح. إنه جُرح العالم وجُرح المنطقة الذي يجب أن يبرأ بأسرع وقتٍ مُمكن. بقولي هذا دعيني أؤكّد أن مأساة أفغانستان قد بدأت عندما جاء الاتحاد السوفياتي السابق إلى أفغانستان مُنذ ذلك الحين، فإن السنوات الـ 40 الأخيرة عانى خلالها الكثيرون من الأبرياء على وجه الخصوص في أفغانستان وكذلك الأمر في باكستان، حتى يومنا هذا فإن هناك 3 ملايين لاجئ أفغاني في باكستان. كما أودّ القول أنه وفي عام 1979 عندما جرى اجتياح أفغانستان ما الذي فعلته باكستان؟ لقد وقفت باكستان جنباً إلى جنب مع أفغانستان وكذلك مع العالم. أعتقد أن الحرب الأفغانية بعد الـ 11 من أيلول/ سبتمبر كانت حرباً انتقامية حيث جرى تفكيك نظام "طالبان" وبعد ذلك فإن كُل استثمار جرى توظيفه بهدف الفوز بالحرب لسوء الحظ، فإننا لم نستثمر في الفوز بالسلام في أفغانستان وهكذا فإن أكثر من 40 % من أفغانستان مُسيطرٌ عليه من قِبل "طالبان" بالتالي فإن هذا هو نتاج هذه الحرب، وتكثر الاتهامات الموجّهة ضد باكستان في كوننا ندعم "طالبان" وندعم شبكة "حقاني" إنها فترةٌ غريبةٌ في تاريخنا أن الولايات المُتحدة وآخرين يلوموننا في كوننا ندعم "طالبان" في الوقت الذي تلومنا فيه "طالبان" لكوننا ندعم الولايات المُتحدة أو غير المُسلمين، بالتالي فإن كلا الطرفين يلوماننا، من المُحق؟ حيال اتهامات كهذه من كلا الجانبين؟ تعلمين بأننا خسرنا 60 ألف حياة في هذه الحرب على يد أولئك الذين يلوموننا سنوياً في كوننا نقف إلى جانب الولايات المُتحدة أو غير المُسلمين، إذاً من المُحق؟ هل الولايات المُتحدة هي المُحقة؟ إن كُنّا ندعم حركة "طالبان" الأفغانية وشبكة "حقاني" لِمَ لا نستطيع استخدامهم للتأثير على حركة "طالبان" الباكستانية بحيث لا تُقاتلنا؟

ويشرحُ الفريق المُتقاعد جانجوا في الجزء الأول من اللقاء معه من الداخل في مقر رئاسة الوزراء الباكستانية في إسلام أباد حول ما يعلنه مسؤولون باكستانيون عن أنّ دورَ الهند غيرَ المُباشَرهو السببُ الرئيس وراء العَلاقاتِ المتوتّرةِ ما بينَ إسلام أباد وواشنطن، وفي أنّ الهند كذلك تستخدمُ الأراضيَ الأفغانية ضِدَ باكستان وبالتالي معَ التورّطِ الهندي داخل أفغانستان ونموِ التحالفِ ما بينَ واشنطن ونيودلهي، و كيف يقيّمُ الدينامية َ وموازينَ القِوى في المنطِقة معَ الآثارِ المُحتملةِ على باكستانَ اليوم؟

لقاء قمّة هندي - باكستاني على مستوى مستشاري الأمن القومي

في الـسادسِ من ديسمبر 2015 سافرَ الفريقُ المتقاعدُ ناصر خان جانجوا مستشارُ الأمنِ القوميِّ الباكستانيِّ إلى تايلندا في أولى مَهماتِه في هذا المنصبِ لإجراءِ مُحادثاتٍ على مستوى الأمنِ القوميِّ معَ نظيرِهِ الهنديّ، حيث ناقشا مسائلَ تتعلقُ بالإرهابِ وحلِّ الصراعاتِ في ما يخُصُّ جامو وكشمير وقضايا ثُنائيةً أُخرى، واتفقا على المُضيِّ قُدُماً في المُشاركةِ البنّاءة. في هذا السياق يشرح السيّد جانجوا إلى أيِّ مدى يعتقدُ أنَّ هذه الشراكةَ كانتْ بنّاءةً حتى الآن؟ وما هو مُستقبلُ هذه الدبلوماسية؟

"في الواقع، فإن مُستقبل الدبلوماسية بين أيدينا ولطالما شدّدنا على أهمية الحفاظ على احترام الذات المُتبادل وعلى الاحترام الوطني لكُل من بلدينا وعلى الكرامة الوطنية لكُل من بلدينا، ونحن مُستعدون دوماً لإجراء الحوارات ومستعدون للحوار حول كُل القضايا. لسوء الحظ، فإن الهند هي دوماً مَن يرفض المُحادثات.

لكن بالحديث عن المُحيط الهندي ومسألة تحويله إلى منطقةٍ نووية، فإن هذه مسألة بالغة الأهمية ويجب علينا فهمها تماماً. إنْ نظرنا إلى خارطة العالم فإن 60 % من سُكان العالم يعيشون في آسيا، والمتصلة بـأوروبا التي تحوي على 10 %من سكان الأرض، بالتالي فإن المنطقة تضمّ 70 % من عدد سكان الأرض هنا في أوراسيا. ثاني أعلى عدد سكان هو أكثر من 16 % في إفريقيا. ومن ثمَّ الولايات المُتحدة الأميركية وأخيراً أُستراليا التي تحتويان على مجموع سُكان يبلغ 0.5 % من سكان الأرض. وكما يُقال "الحب يكمن في القلب" لذا وببساطة أين يكمن العالم؟

حيث يتواجد أكبر عدد من السُكان بالتالي فإن 70 % من عدد سكان الأرض موجودون في آسيا أو بالأحرى أوراسيا العالم التالي في إفريقيا. إنْ حاولنا وصلهما ببعضهما بعضاً فإن المُحيط الهادئ بعيد جداً والمحيط الأطلسي يصل فعلياً أوروبا وحسب بالأميركيتين، بالتالي فإن هذا الجزء الهائل من العالم وهذا الكمّ الهائل من السُكّان موصولٌ عبر المُحيط الهندي، لهذا السبب أعتقد أن عملية تحويل المُحيط الهندي إلى منطقةٍ نووية يُعدّ لُعبةً كبيرة، إنها سياسة القوة إنه مسعى للتلاعُب بالتوازنات في المحيط الهندي والسيطرة عليه من قِبل الولايات المُتحدة والهند. إنها مسألةٌ حساسةٌ أُخرى وهي لعبةٌ تتطوّر بشكلٍ خطير جداً ولهذا تأثيرٌ حاليّ ومُستقبلي على الاستقرار الإقليمي بشكلٍ كبيرٍ جداً".

"إصلاحات المدرسة الدينية" و استراتيجية مُكافحة الإرهاب

الكثير من العمل أُنجز في ما يتعلق بـ"إصلاحات المدرسة الدينية" إذ هناك 38 ألف "مدرسة دينية" في باكستان حيث يتلقّى 3.5 مليون تلميذ تعليمهم.

مستشارُ الأمنِ القوميِّ الباكستانيِّ الفريقُ المتقاعدُ ناصر خان جانجوا يعمل على "إصلاح المدرسة الدينية" في باكستان اليوم، ويتحدث عن هذا البرنامج الإصلاحي وعملية تقدّمه، وكيف لهذا أن يؤثّر في استراتيجية مُكافحة الإرهاب؟

"لقد طُرح عليّ هذا السؤال بشكلٍ مُتكررٍ وقد جرى إلقاء اللوم على باكستان في هذا الأمر. أولاً، دعيني أُشير إلى أن مؤسسة "المدرسة الدينية" هي قديمةٌ قِدم الديانة الإسلامية نفسها، لكن عندما تربطين "المدرسة الدينية" مع

هذه المنطقة ومن ثمّ مع باكستان بشكلٍ أساسي فإنها في 1979 عندما جاء الاتحاد السوفياتي السابق إلى أفغانستان ، كما ترين فإن أحداً لم يُرسل جنوده ليُقاتلوا هنا. لم تُرسل الولايات المُتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أيّاً من مُقاتليها. مَن قاتل في أفغانستان؟ الشعب الأفغاني ومَن سانده؟ باكستان. إذاً كيف كان الوضع؟

فعلياً فإن السيّدة هيلاري كلينتون أيضاً قالت هذا في أننا نحن كُنّا من رفع تلك "المدارس الدينية" مَن كان تلامذة تلك "المدراس الدينية"، ولماذا؟  لأجل "الجهاد" بالتالي لم تجرِ فحسب إساءة استخدام شعبيّ أفغانستان وباكستان بل إن مفهومنا لـ "الجهاد" جرت إساءة استخدامه أيضاً".

يرى جانجوا أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول \سبتمبر جاءت الولايات المُتحدة وهاجمت أفغانستان ، إذاً ما الذي كان يحدث فعلياً؟ الأصدقاء في ما مضى تحوّلوا إلى أعداء هذا الوقت. بالتالي فإن "المدارس الدينية" تقع في مكان ما في خضّم هذا الالتباس، ولهذا السبب يُلقى اللوم على "المدارس الدينية".  هناك بعض "المدارس الدينية" الرائعة والجيّدة جداً في باكستان ولا يُمكن إلقاء اللوم عليها كُلها. مرّ زمن حيث بُذلِت فيه الجهود لاستغلال تلاميذ "المدارس الدينية" اليوم لا يُريد طُلاب تلك المدارس أن يجري استغلالهم على هذا النحو.

مستشارُ الأمنِ القومي الباكستاني الفريقُ المتقاعد ناصر خان جانجوا يُحدّثـُنا في الجُزءِ الثاني من الحوار من الداخل عن الوضع الأمنيِّ المُتغيّرِ والديناميةِ وموازينِ القِوى في منطِقةِ جنوبِ آسيا، والآثارِ المُحتمَلَةِ على إسلام أباد  في ظلِ تطوّرِ الممرِّ الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يُعَدُ بحسَبِ الخبراءِ وضعاً مُربحاً للمنطِقةِ برُمّتِها، وماذا عن  مُعارضةِ الولاياتِ المُتحدةِ الأميركيةِ لهذا الشريانِ الاقتصادي الحيوي؟  

لمن يريد أن يعرف أكثر تابعوا هذا الحوار في جزءين من الداخل:

http://www.almayadeen.net/episodes/873499/من-الداخل_الأمن-القومي-الباكستاني-والتحديات-اليوم

http://www.almayadeen.net/episodes/875096

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً