عبد السلام الريماوي

كاتب فلسطيني

ما رأيته في زيارة الجولان

استذكِر هاتين الرحلتين لتلك البقعة العزيزة من أرضنا العربية وأنا أتابع مجريات الحراك الشعبي العارِم والموقف الوطني الرافِض المشاركة في الانتخابات المحلية التي تنظّمها دولة الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك قرى الجولان السوري المحتل الأربع مجدل شمس، مسعدة، بقعاتا، عين قنيا.

  • من أجل كل هذا وذاك صمدت وانتصرت سوريا رغم القتل والدمار وفداحة المؤامرة

في العام 1999، كان من المقرّر أن تكون وجهة الرحلة التي نظّمها زملاء العمل إلى يافا صعوداً إلى حيفا وعكا، غير أن سوء التخطيط وعدم العثور على حافلةٍ بلوحةِ تسجيلٍ إسرائيلية صفراء دفعنا إلى تغيير مسارها إلى اتجاه مُعاكس، إلى غور الأردن صعوداً إلى بيسان عبر طريق ترابية تتخطّى الحاجز الإسرائيلي- وإن كان أمام نظر الجنود- ومنها إلى بحيرة طبريا وهضبة الجولان السوري المحتل.

مررنا بأطلال القرى التي دمّرتها إسرائيل بعد العام 1967 وعبرنا حقول التفاح حتى وصلنا مدخل بلدة مجدل شمس، فتوقّف الرّكب وقصد البعض منزلاً طلباً لماء الشرب، وعندما عَلِمَ صاحب المنزل الشاب إننا قادمون من رام الله، خرج بنفسه وأصرّ أن يستضيف الجميع في بيته، وبدأ على الفور وزوجته بإعداد وليمة سريعة من السندويشات و"عرايس اللحمة- والمشروبات، لأكثر من أربعين ضيفاً، وغمرانا بدفء الأخوّة السورية الفلسطينية والاستقبال والترحاب والكرَم المعروف عند أبناء معروف سكان الجولان والسوريين بشكلٍ عام.

زيارتي الأولى للجولان السوري المحتل كانت في صيف العام 1993 ضمن المشاركين في المخيم الصيفي الدولي بجامعة بيرزيت، حيث استُقبلنا بذات الحفاوة من قِبَل الفعاليات الوطنية ومشايخ هضبة الجولان، حيث أولموا لنا الطعام والتفاح الأحمر الشهيّ، واستمعنا لندوة حول الأوضاع السياسية والمعيشية وكفاحهم وأدوات صمودهم في أرضهم في ظلّ الاحتلال، وسرنا في زفّة عروسين في بلدة مسعدة، وزرنا النصب التذكاري لقائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش، ووصلنا تلّة الصرخات، نقطة التواصل المباشر والحيّ مع باقي الجسد السوري، واستطعنا أن نتواصل بصوتٍ عالٍ مع مَن يقف في الجهة المُقابلة. السلك الشائك الذي قسّم الأرض لم يفلح في فصل الهواء والهوى ولم يُزعزع انتماء أبناء الجولان المحتل وإيمانهم بحتميّة العودة لوطنهم الأمّ سوريا.

استذكِر هاتين الرحلتين لتلك البقعة العزيزة من أرضنا العربية وأنا أتابع مجريات الحراك الشعبي العارِم والموقف الوطني الرافِض المشاركة في الانتخابات المحلية التي تنظّمها دولة الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك قرى الجولان السوري المحتل الأربع مجدل شمس، مسعدة، بقعاتا، عين قنيا، وقيام أهالي مجدل شمس بإحراق بطاقات الترشّح الانتخابي في ساحة سلطان باشا الأطرش والشعارات التي عادوا لرفعها مثل: "ما بدنا انتخابات محلية.. هويتنا سوريّة"، مُكرّرين ما فعلوه قبل ستة  وثلاثين عاماً بإضرابهم الشهير في شباط 1982 رفضاً لقرار الضمّ الإسرائيلي في كانون الأول 1981، ومبادرتهم إلى حَرْق الهوية الإسرائيلية.

من أجل كل هذا وذاك صمدت وانتصرت سوريا رغم القتل والدمار وفداحة المؤامرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً