أحمد الزهاوي

كاتب مصري

أبعاد الاقتتال بين المسلّحين في إدلب

تدور منذ عدة أيام اشتباكات مسلحة ضارية بين هيئة تحرير الشام التي كانت تسمّي نفسها جبهة النصرة سابقاً، مع حركة أحرار الشام المدعومة مباشرة من الحكومة التركية، فما هي أبعاد الاقتتال الداخلي الشرس بين تلك الجماعات المسلحة المناهضة للدولة السورية في الشمال السوري و بالتحديد في محافظة إدلب و أريافها؟

أبعاد الاقتتال بين المسلّحين في إدلب
أبعاد الاقتتال بين المسلّحين في إدلب

إن الإشتباكات بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام ليست وليدة اليوم، إذ حدثت مواجهات عسكرية بينهما عام 2017 للسيطرة على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، انتهت تلك الإشتباكات بسيطرة هيئة تحرير الشام على معبر باب الهوى بشكل كامل وانسحاب حركة أحرار الشام إجبارياً منه، فالصراعات المسلحة في حد ذاتها ليست وليدة اللحظة بين الطرفين، لكن الصراع المسلّح الذي يجري بينهما حالياً مختلفاً من حيث دوافعه، حيث كانت الصراعات السابقة تهدف إلى السيطرة على قرية هنا و بلدة هناك وسرعان ما كانت تنتهي بمصالحات عبر ما يسمّى الشرعيين في الحركتين، لكن الإشتباكات هذه المرة يتّضح من حدتّها وشراستها وكثافة استخدام السلاح الثقيل فيها وعدم المبالاة من طرفي النزاع بسقوط قتلي وجرحي مدنيين من سكان البلدات المؤيّدين لطرفي ّهذا النزاع المسلح، يدلّل على أن الهدف من الصراع المسلح استراتيجي بعيد المدى يتعلق بالسيطرة على جميع المواقع الاستراتيجية في محافظة إدلب من أجل فرض حكم ذاتي أو إدارة ذاتية تجبر القوى الإقليمية و الدولية الفاعلة في الملف السوري على الاعتراف بها إن لم يكن بدافع شرعيتها، يكون بدافع الأمر الواقع الذي لا مفر منه، و بالتحديد إجبار طرفيّ إتفاق سوتشي روسيا وتركيا على إدخال الطرف المسلح الذي يسيطر على تلك الموّاقع الاستراتيجية في إدلب في أية مفاوضات حول مستقبل محافطة إدلب و مصيرها، فإذا كان هدف الكرد تأسيس دويلة في الشرق السوري مُعترف بها دولياً، فإن هدف هيئة تحرير الشام هو تأسيس دويلة مستقلة في محافظة إدلب يتم حكمها عبر الإدارة الذاتية للهيئة لإجبار الطرفين الروسي و التركي على التعاطي معها إذا أرادا تنفيذ مخرجات اتفاق سوتشي بينهما.

فهيئة تحرير الشام تسعى للسيطرة على بلدة جدرايا تحديداً لأنها تربط بين سهل الغاب وسهل الروج وجبل الزاوية، وترصد أتوستراد حلب - اللاذقية، الوارد نصاً في إتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، فالإتفاق ينصّ على إعادة فتح الأوتوستراد الدولي حلب - اللاذقية، وهو ما يعني في حال السيطرة عليه من قِبَل هيئة تحرير الشام، أن روسيا وتركيا ستكونان مجبرتين على التعاطي مع الهيئة إذا رغبتا في فتح أوتوستراد حلب - اللاذقية، وهنا الهيئة تحاول استغلال تناقض روسي تركي جوهري يصبّ في مصلحتها في النهاية، لأن روسيا تدعم إتفاق سوتشي كمرحلة مؤقتة تؤدّي في نهاية المطاف إلى سيطرة الدولة السورية على كامل محافظة إدلب و أريافها، أما تركيا فهي تسعى لإستخدام اتفاق سوتشي من أجل كسب الوقت و إطالة أمد سيطرة المسلحين الموالين لها على محافظة إدلب، فروسيا ترى اتفاق سوتشي وسيلة للسيطرة على إدلب من دون أية خسائر بشرية، بينما تركيا ترى الإتفاق وسيلة لتثبيت نفوذها في إدلب عبر الفصائل المسلحة الموالية لها لأطول فترة ممكنة.

وهيئة تحرير الشام تدرك الفجوة الروسية التركية في هذا الشأن، فتعمل على السيطرة على إدلب وأريافها بشكل كامل حتى تحصل على الدعم التركي المالي واللوجيستي الذي كانت تحصل عليه أحرار الشام من تركيا، فتركيا لا يهمّها أي طرف تدعم في إدلب، فما يهمّها هو ولاء المسلحين لها وتنفيذهم لأجندتها، ولهذا السبب لم تنتقد تركيا ولو بتصريح واحد المذابح التي ترتكبها هيئة تحرير الشام بحق مسلّحي أحرار الشام، لأن تركيا تريد تبعيّة الكيان المسلح الذي يسيطر على إدلب لها بغضّ النظر عن ماهية هذا الكيان سواء كان هيئة تحرير الشام أو احرار الشام أو غيرهما، فالمحدّد الرئيسي للموقف التركي مما يجري حالياً في إدلب هو بقاء إدلب منطقة نفوذ تركية عبر سيطرة مسلحين موالين لها عليها، لذلك فتركيا لن تخسر هيئة تحرير الشام أو تعاديها حتى لو أبادت بشكل كامل أحرار الشام التابعة لتركيا مباشرة، ما دامت تدين بالولاء لها، وفي حال اكتملت سيطرة تحرير الشام على إدلب وبالتالي على الأتوستراد الدولي حلب - اللاذقية ودعم تركيا المتوقّع لها، فإن هذا سيؤدّي إلى فشل إتفاق سوتشي بشكل كامل ، فتركيا بموجب تفاهمات أستانا ستغطّي فصيلاً إرهابياً في هذه الحال ، و عندما تختار تركيا بين الالتزام بإتفاق سوتشي أو دعم تحرير الشام وبقاء نفوذها في إدلب، فإنها حتماً ستختار الخيار الثاني، وهيئة تحرير الشام تدرك ذلك لذلك تضرب أحرار الشام بلا هوادة، فالموقف التركي سيدعم أي فصيل يسيطر على إدلب حتى لو كان هيئة تحرير الشام.

وبوادر الخلاف الروسي التركي بدأت تتجلّى من الآن، فالصمت التركي على تمدّد هيئة تحرير الشام قابله قصف من الطيران الروسي على بعض المواقع التي سيطرت عليها الهيئة، وهو ما يدلّل على أن روسيا ترسل رسالة واضحة لتركيا مفادها، أنه إذا تم الانقلاب على إتفاق سوتشي بشكل فجّ، فإن ضرب المسلحين في إدلب لن يكون موضع تأنٍ أو دراسة، بل سيتم البدء بعملية عسكرية في إدلب بشكل سريع، وقصف الطيران الروسي لبعض مواقع هيئة تحرير الشام يؤكّد هذا الخيار ويؤكّد الفطنة الروسية لعمل تركيا على كسب الوقت وجعل سيطرة المسلحين على إدلب كأمر واقع بمرور الوقت.

ختاماً، ما يحدث حالياً من إقتتال بين هيئة تحرير الشام  وأحرار الشام ليس من أجل قرية هنا وبلدة هناك كما كان يحدث في المرات السابقة، بل الإشتباكات تحدث حالياً من أجل أهداف استراتيجية بعيدة المدى، وضراوة الإشتباكات في بلدة جدرايا دليل على ذلك، لأن تلك البلدة ذات موقع حيوي فهي تربط سهل الغاب وسهل الروج وجبل الزاوية وترصد أتوستراد حلب - اللاذقية الوارد نصاً في إتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا، فالتطوّرات الجارية في إدلب ستؤدّي إلى إحداث تغييرات جوهرية في العلاقات الروسية التركية، إذا دعمت تركيا هيئة تحرير الشام الإرهابية وهذا الدعم كفيل بنسف تفاهمات آستانا وإتفاق سوتشي وحتمية دخول الجيش السوري عسكرياً للسيطرة على إدلب، التي تراها تركيا منطقة نفوذ لها داخل سوريا.