غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

السودان والطريق إلى "صفقة القرن"

الجولة الحالية في السودان والتي كان هدفها تحديد الفائز الأول في الوصول إلى خط النهاية في لعبة "صفقة القرن" ، كانت جولة لتقوية الذراع الأميركية اليمنى مُمثلة بالسعودية ومَن معها، على الذراع اليسرى مُمثلة بتركيا ومَن معها، وبانتظار نتائج الجولة الثانية في ليبيا. 

السودان والطريق إلى "صفقة القرن"
السودان والطريق إلى "صفقة القرن"

واهمٌ مَن يعتقد أن توجّهات وسياسات الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" تختلف عن توجّهات وسياسات أيّ أميركي آخر يصل إلى رئاسة البيت الأبيض، فالجميع سياستهم واحدة ومطبخهم السياسي واحد ولكن تختلف أساليب تنفيذ هذه السياسات بين رئيسٍ وآخر وذلك بحسب طبيعة هذا الرئيس أو ذاك.

ومُخطئٌ مَن يعتقد أن ما يُسمّى "صفقة القرن" هو مشروع خاص بالرئيس الأميركي الحالي، لأن المطبخ الأميركي بطبّاخيه الصهاينة يعتقدون أن هذا المشروع إن لم يتم تمريره في هذا الظرف العربي والإسلامي المُتردّي فسيكون من الصعب أن يمرّ في وقتٍ آخر.

ومُلتبسٌ مَن يعتقد بأن الأحداث التي عصفت بالمنطقة وما زالت هي أحداث منفصلة عن "صفقة القرن" بما فيها ما سُمّي زوراً "الربيع العربي"، لأن كلّ المؤشّرات والدلائل تقول بأن أمن إسرائيل هو الهدف الأول لهذا "الربيع" المزعوم وما تلاه..

ما يدفعنا لهذا الكلام هو الانقلاب العسكري على الرئيس السوداني عمر حسن البشير ، فالرجل أدّى ما عليه لكي ينال رضى الولايات المتحدة الأميركية، إذ أنه قام بتقسيم السودان مانِحاً إسرائيل نفوداً واسعاً في إقليم "دارفور"، وأرسل جنوده لمُحاربة اليمنيين تحت القرار السعودي، كما أنه كان عدواً شرساً للدولة السورية خلال الحرب التي تخوضها ، وهنا يكفي أن نتذكَّر تهديده للرئيس السوري بشّار الأسد حين خاطبه مُغرِّداً " إما أن ترحل عن سوريا أو سنرسل لك جيشاً عرمرماً أوله في دمشق وآخره في الخرطوم وقد أعذر من أنذر".

صحيح أن كل خدمة قدّمها البشير كانت مقابل مكسب مُعيّن، فقبوله تقسيم السودان كان مقابل تغاضي المحكمة الجنائية الدولية عن المطالبة بتسليمه لها كونه ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم "دارفور"، وقبوله إرسال قواته لقتال الشعب اليمني مقابل كَسْب الودّ الأميركي وكَسْب المال السعودي، بينما كان تهديده للرئيس السوري لإثبات ولائه المُطلَق للإخوانية العالمية ممثّلة بالرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، ولكنّ الخطأ الذي أسقط الرجل هو أنه ترك قدمه الثانية في تركيا تلبية لانتمائه الإخواني، صحيح أن سياسته نجحت بعض الوقت ولكن الآن وفي ظلّ المراحل الأخيرة من فرض القرار الأميركي على مَن تستطيع من الدول للسير قُدُماً بما يُسمّى "صفقة القرن"، وذلك لفرز الدول التي تسير مع تلك الصفقة بلا تلكؤ عن تلك التي قد تحتاج جهداً إضافياً للسير فيها، ومع الجنوح التركي نحو روسيا كان لزاماً على الولايات المتحدة الأميركية أن تستبدل النفوذ التركي في السودان بنفوذ خليجي خالص، لا ننكر أننا وقعنا في بعض الحيرة عندما تنطّح الفريق عوض بن عوف وهو نائب البشير ووزير دفاعه لكي يقوم بهذا الانقلاب الذي بدا وكأنه مسرحية ضعيفة الإخراج، كون بن عوف هو نسخة عن البشير ولكن زالت تلك الحيرة وتوضّحت الأمور مع تنازل بن عوف عن منصبه لصالح المفتش العام للقوات المسلّحة السودانية الفريق عبد الفتاح البرهان، الرجل الخليجي في الجيش السوداني ومهندس المشاركة السودانية في الحرب على اليمن وقائد القوات السودانية المشاركة في هذه الحرب ، والذي أمضى سنواته الأخيرة مُتنقّلاً بين مدينة عدن اليمنية وبين الإمارات العربية المتحدة. وبهذا الشكل تكون السودان قد خرجت من تحت القرار التركي وصارت بشكل مُطلَق تحت القرار الخليجي الذي يُبدي استعداداً كاملاً للسير في صفقة القرن.

وقد يكون أحد أهداف ما جرى في السودان ويجري في كل من ليبيا والجزائر هو المزيد من الضغط على القيادة المصرية التي تُبدي تقارُباً مُتنامياً مع روسيا ، والتي حتى الآن ترفض السير في "صفقة القرن"، لأن هذه الصفقة وبغضّ النظر عن موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يمكن لأيّة شخصية مصرية السير بها في ظلّ وجود رأي عام مصري رافِض لها بشكل مُطلَق، فشعب عروبي لم يقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم مضيّ عشرات السنين على توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين كل من مصر وإسرائيل ، لن يقبل أن يُنتزَع جزء من وطنه لكي يكون وطناً بديلاً للفلسطينيين الذين سيتمّ طردهم من الضفة الغربية أو الذين سيعودون من بقيّة الدول.

ختاماً نستطيع أن نقول إن الجولة الحالية في السودان والتي كان هدفها تحديد الفائز الأول في الوصول إلى خط النهاية في لعبة "صفقة القرن" ، كانت جولة لتقوية الذراع الأميركية اليمنى مُمثلة بالسعودية ومَن معها، على الذراع اليسرى مُمثلة بتركيا ومَن معها، وبانتظار نتائج الجولة الثانية في ليبيا.