ربى يوسف شاهين

كاتبة وإعلامية سورية

السياسية الأميركية تجاه دول الجوار السوري

أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب على الحبال، تُناور كل من تركيا والكرد، فمسألة الشمال السوري حيث تواجد قوات "قسد" المدعومة أميركياً ما هي إلا محاولة من ترامب لتعطيل أيّ حل سياسي تمّ الاتفاق عليه في أستانا أو سوتشي، و بين التركي والكردي محاولات أميريكية لاستمرار التصعيد و الذي بدروه سيُعطل أيّ حل سياسي مُرتَقب في سوريا.

أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب على الحبال تُناور كل من تركيا والكرد (أ ف ب)
أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب على الحبال تُناور كل من تركيا والكرد (أ ف ب)

ما شهدته الساحة السورية خلال الحرب عليها سواء على الصعيد السياسي أو العسكري كان متفاوتاً، وذلك وفقاً لمجريات مخطّط الحرب على سوريا، حيث ركّزت هذه الحرب على الشأن الميداني، والذي شهد معارك كثيرة وتحرّكات على الأرض، بفعل أدوات الحرب العسكرية التي اختارتها واشنطن، و مع تصاعد الأحداث في كثير من بُقع الجغرافية السورية، ابتداء من تحرّك بعض المجموعات المسلحة، والتي عمدت إلى خلق الفوضى و زعزعة الأمن، كما حدث في مدينتي حمص وبانياس في البدايات، لتتطوّر المشاهد على الساحة السورية وخصوصاً بعد انتصار الجيش السوري والقيادة السورية في أكثر المناطق المفصلية كالغوطة وحلب ودرعا، لتبدأ موجة من الحملات السياسية المختلفة، لأنه وكما ذكرنا فإن الجيش السوري أجبر الأعداء على التراجع عسكرياً، وبالتالي أصبح حتمياً على الدول صاحبة العدوان على سوريا التحرّك سياسياً لعلّهم يستطيعون تحقيق مكاسب لهم على الساحة الإقليمية و الدولية.

أبرز الدول التي تحرّكت سياسياً لجهة الحل عبر تغيير مواقفها، والتي كانت تأخذ بعضاً منها أسلوب الصمت السياسي كالأردن ودول الخليج، وحتى تركيا التي في بادئ الأمر لم تعلن دورها في الحرب على سوريا، لتظهر في ما بعد باحتلال أراضي عفرين و جرابلس متذرّعة بحماية أمنها القومي من الكرد السوريين، كثيرة هي الذرائع التي تحاول تركيا إيجادها لتبرئة نفسها من أنها دولة غازية، و لتحمل مواقفها السياسية تغييراً واضحاً لجهة الحل في سوريا، ففي تصريح للرئيس التركي رجب طيب  أردوغان خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في وقت سابق،  تحدّث عن آليات التعاون مع روسيا لحل مسألة إدلب ومدينة منبج وإيجاد حوار سياسي لتسوية الأزمة السورية عبر حل سياسي.

تغيّر الموقف التركي لا ينفي عنه صفة المُحتل، وما يجري على الأرض يدحض هذه المزاعم جميعها، وخصوصاً ما قاله أردوغان أنه عازِم على شنّ حملة عسكرية شرق الفرات ليلقِّن الكرد درساً كما فعل في عفرين  وجرابلس إبان عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات.

أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب على الحبال، تُناور كل من تركيا والكرد، فمسألة الشمال السوري حيث تواجد قوات "قسد" المدعومة أميركياً ما هي إلا محاولة من ترامب لتعطيل أيّ حل سياسي تمّ الاتفاق عليه في أستانا أو سوتشي، و بين التركي والكردي محاولات أميريكية لاستمرار التصعيد و الذي بدروه سيُعطل أيّ حل سياسي مُرتَقب في سوريا، و بالتالي فإن أية تصريحات سواء تركية أو كردية متعلّقة بالشأن السوري، ما هي إلا ترجمة للسياسية الأميركية الرامية لخلط الأوراق في الشمال السوري، لأن ما يجري في الشمال هو احتلال تُركي و تعنّت كردي، صحيح أن هناك تعاوناً روسياً تركياً لحل الأزمة في إدلب ومنبج  وعموم الشمال السوري، ولكن لا شيء حتى الآن على الأرض يشي بأن تركيا ماضية بتنفيذ وعودها، فاهتمامها مُنصبّ الآن على شرق الفرات، حيث التواجد الكبير للمجموعات الكردية، رغم عِلمها بأن أميركا تقدّم الدعم لهم وأنهم الورقة الرابحة لهم، لحين تنفيذ مخططهم في العراق.

التوتّر بين أميركا وتركيا شهد تصاعداً وهبوطاً عبر تصريحات كلا الجانبين، فهما شركاء في حلف الناتو، وتركيا تُعدّ بالنسبة لأميركا الدولة الأوروبية الشرقية التي ستكون إحدى أهم قواعدها في الشرق الأوسط لحماية إسرائيل، و بالتالي فإن أميركا تفتعل التصادمات السياسية لكل بلد يُجاور سوريا حسب التأثيرات الجيو-عسكرية الحاصلة، لتُشغل الرأي العام بتفاصيل هي أبعد عن الحقيقة، وتعتمد سياسة الإشهار بعد تحقيق مكاسبها السياسية، وهذا ما فعلته مع مسألة الخليج العربي والدول المُطبّعة مع إسرائيل، وانتقلت بعدها إلى مصر لتضع يدها بالكامل على الساحة السياسية عبر التفاف سياسي بالإشادة بحُكم عبد الفتاح السيسي، ومدى أهمية علاقته العسكرية و الاقتصادية مع إسرائيل.

أميركا التي انتقلت سياسياً إلى لبنان في محاولة لكسر شوكة هذا البلد، الذي ظل يُقاتل الكيان الصهيوني طيلة 35 سنة، و ذلك عبر زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إليه ليُملي إملاءاته على بعض مَن يُقدّمون الولاء لأميركا، محاولين الضغط على شركائهم في لبنان واتباع سياسة النأي بالنفس، وخاصة في مسألة اللاجئين السوريين و منعهم من العودة إلى سوريا عبر ذرائع إنسانية، و في جانب آخر فإن مسألة تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية من قِبَل أميركا، ما هو إلا لإسكات الصوت الحقيقي للمقاومة التي تدافع عن لبنان أولاً وفلسطين ثانياً وسوريا ثالثاً.

الأردن ومواقفه التي تباينت منذ اليوم الأول للحرب على سوريا استقرّت سياسياً بعد الانتصار السوري، لتأخذ شكلاً مؤيّداً وخصوصاً في مسألة اللاجئين وفتح المعابر، ولكن ذلك يتمّ عبر مستويات سياسية تُكلف للتواصل مع القيادة السورية من أجل البحث في القضايا التي تهم كلا البلدين، ونحن نثمّن كل ما من شأنه أن يُعيد لسوريا حقها، رغم أن أميركا لم تُفعّل أية عقوبات اقتصادية على الأردن نتيجة تغيّر مواقفها من الدولة السورية، وهنا لابدّ من وضع علامات استفهام عديدة، و ضمن هذه المعطيات،  تكون الولايات المتحدة قد أحاطت بالدول التي تجاور العمود الفقري للمقاومة ألا وهو سوريا.

الحرب السورية كشفت المستور، وأرغمت الجميع على رمي أوراقهم فوق الطاولة للتباحث، فهي كانت و ما زالت البلد العربي الوحيد الذي لم يطعن أحداً في الظهر، و ما يحدث من إرهاب سياسي واقتصادي ما هو إلا ورقة أخيرة لقلب الطاولة على المنجزات السورية المتعلّقة بالشأن العسكري.