ميشال كلاغاصي

كاتب سوري

فصلٌ جديد للصراع... والتحدّي الإيراني للعقوبات الأميركية

هل حقاً ينحصر الهدف الحقيقي للولايات المتحدة في تعديل بعض بنود الاتفاق النووي أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها؟ وهل للأمر علاقة بصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، والإعتراف الأميركي بالقدس عاصمة  للكيان الغاصِب، وبسيادته على الجولان السوري المحتل، وبالضغط على مسار الحرب على سوريا وعلى كل أطراف محور المقاومة بما فيها إيران؟

  • التحدّي الإيراني للعقوبات الأميركية

لازال العالم يدفع ثمن الاستراتيجية الأميركية التي دعتها بـ "الفوضى الخلاّقة"، والمسؤولة بشكلٍ رئيس عن حال عدم الاستقرار وزعزعة أنظمة العديد من الدول وحروب "الربيع العربي" الإرهابية والتي أدّت إلى تدمير الدول وإفقار الشعوب وسفك الدماء، وزعزعة الأمن والسلم الدوليين في المنطقة والعالم، وأفضت إلى تغيّرات جوهرية في التوازنات الدولية، ودفعت بالاصطفافات والأحلاف الدولية إلى البحث عن موطئ قدمٍ أمّن يقيها شظايا الفوضى، ودفعت بغالبية دول العالم للبحث عن الملاجئ العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية ولم يعد العالم مكاناً آمناً لصمود الحدود والحكومات وحياة الشعوب... فقرّر البعض المواجهة والتمسّك بكرامة وسيادة وطنه وشعبه، وفيما فضَّل البعض الآخر الاستسلام والإنصياع لقوانين الفوضى الأميركية.

ومع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت لعبة الخلافات بين الرئيس ودولته العميقة، وبدأ العَبَث الأميركي يطاول كافة الاتفاقات والتفاهمات والمعاهدات الدولية التي وقّعتها الدولة الأميركية بنفسها، وتصاعدت وتيرة سقوط القوانين والأعراف الدولية والقرارات الأممية واحدة تلو الأخرى بتوقيع الرجل الأحمق.

فقد قدَّم نفسه المُنقِذ ورجل الصفقات، وتعهَّد بصبِّ جهوده نحو الداخل الأميركي، ورفع شعار "أميركا أولاً"، لكنه في الحقيقة، اختار أن يكون ذلك على حساب كافة دول وشعوب الأرض، وأراد انتشال بلاده من حضيضها الاقتصادي الذي أرهقته الديون والعجز التجاري، بعدما وصل إلى مستوى قياسي تاريخي الذي قارب ال 900 مليار دولار.

فأطاح وألغى عديد الاتفاقات الدولية دونما تمييز بين الحلفاء والخصوم أو الأعداء، واختار بعناية فائقة المنطقة العربية الغنية بالثروات والأموال وبمَن يُطيعون ويدفعون، كذلك بفضل موقعها الذي يتوسّط المنطقة الحيوية لمجال مخطّطه الجيو- سياسي، بما يُتيح له العمل على منحيين، الأول يمكّنه المحافظة على أمن ووجود الكيان الإسرائيلي، الذي يضمن له الدعم الشخصي والحزبي المُطلَق عبر اللوبي الإسرائيلي القوي في أميركا، والثاني يمكّنه من الإقتراب جدياً  من الدول الأدوات والتابعة ، ومن الخصوم والأعداء الإقليميين والدوليين كروسيا والصين وإيران والدول الأوروبية الهامة ، بما يضمن له الدخول الفعلي والمؤثّر على كافة ملفات الصراعات الدولية ، فكان اختياره لجغرافيا وساحة الصراع دقيقاً  ، ومن البوابتين العراقية حيث تتمركز قواعده العسكرية والبوابة السورية حيث يقود تحالفه الجوي وبعض جنوده وأتباعه وجيوش الإرهاب على الأرض, كي يتمكّن من التحكّم بيوميات الصراع ، ويعمل على قَطْع التواصل الجغرافي بين طهران ودمشق وصولاً  إلى لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى مقربة من حدود حلف الناتو في تركيا.

وعليه قام بإلغاء الاتفاق النووي والصاروخي الإيراني، وطالب باتفاق جديد بدواع واهية وذرائع الاتفاق غير المنصف مع إيران، ومع الرفض الإيراني والأوروبي والدولي عموماً، استخدم لغة التصعيد والوعيد والتهديد، ولجأ إلى فرض شريحةٍ واسعة من العقوبات الإقتصادية على الدولة الإيرانية، وخصوصاً على الصادرات النفطية التي تعتبر مصدراً رئيساً هاماً  للاقتصاد الإيراني، وحدَّد مهلة للإعفاءات والاستثناءات لبعض الدول الأكثر تضرّراً  وفق حساباتٍ مُعقّدة، وسمح لبعض الدول أن تُثبّت عقود استجرارها للنفط الإيراني قبل تاريخ 2 أيار الحالي....

ويبقى السؤال، هل حقاً ينحصر الهدف الحقيقي للولايات المتحدة في تعديل بعض بنود الاتفاق النووي أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها؟ وهل للأمر علاقة بصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، والإعتراف الأميركي بالقدس عاصمة  للكيان الغاصِب، وبسيادته على الجولان السوري المحتل، وبالضغط على مسار الحرب على سوريا وعلى كل أطراف محور المقاومة بما فيها إيران؟

ومع صبيحة الثالث من شهر أيار/ مايو، انتهت مهلة الإعفاءات، وكان من المفروض – أميركياً  - أن يتوقّف معها تصدير النفط الإيراني، ولكن الواقع أكّد تصدير الدولة الإيرانية حوالى 400 ألف برميل من النفط.

وعلى الرغم من التصعيد الأميركي واللجوء إلى لغة التهديد العسكري، إلا أنه ومن الواضح أن أيدي واشنطن تبدو مهزوزة  وتتملّكها الخشية من المواجهة العسكرية المباشرة، الأمر الذي يعزِّز إمكانية صمود الدولة الإيرانية في وجه العقوبات وخرقها، إذ تدرك واشنطن أنها لا تستطيع كَسْر الإرادة الإيرانية إقتصادياً  أو عسكرياً ، وأن إيران تعني ما تقول وتؤكّد على لسان الرئيس حسن روحاني بأنه لا يمكن لأحد أن يمنع الصادرات النفطية الإيرانية، وإلاّ "فلن يكون هناك تصدير نفطٍ في المنطقة"، وبأننا " سنتجاوز العقوبات ولن نتأثّر بها".

من الواضح أن الدولة الإيرانية حسمت خياراتها، واتخذت كافة التدابير للحد من تأثير قرار العقوبات على الصادرات النفطية التي دخلت حيِّز التطبيق، لإثبات أنه سيكون قراراً  بلا أثر وأنه ولِدَ ميتاً ، وهذا ما يمكن الإستدلال عليه من خلال الرفض الرسمي لبعض الدول كروسيا والصين وتركيا والإتحاد الأوروبي، إذ تستورد الصين وتركيا ما يتجاوز بمجموعه أكثر من 700 ألف برميل يومياً ، وبالتالي لن تكونا مستعدتين للإلتزام بالقرار الأميركي، بالإضافة إلى تزايد الإصطفاف العالمي الواسع والرافِض لهذا القرار.

في وقتٍ أعلنت فيه كل من السعودية والإمارات عن استعدادهما لتعويض النقص في سوق النفط العالمي نتيجة الخروج الإيراني المتوقّع أميركياً ، ولكن يبقى هذا الإعلان موضع شك الكثيرين من الخبراء والنفطيين العالميين، ولن يكون بمقدورهما ملء الفراغ وتعويض الكمية اليومية التي تنتجها إيران، ولا بد للأسواق العالمية من أن تتأثّر بخفض الإنتاج وسينعكس إرتفاعاً مباشراً على الأسعار، وسيتسبّب بأضرار إضافية على الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

وفي ظلّ تصريحات الرئيس الإيراني بأن بلاده ستواصل تصدير نفطها، وأنها قادرة على الإلتفاف على العقوبات الأميركية، وبتأكيد وزير الخارجية محمّد جواد ظريف ، فكما هو معروف أن لإيران أصدقاء كثراً في المنطقة والعالم ، بما فيها بعض الدول الخليجية كسلطنة عُمان والكويت وقطر ، إضافة  إلى امتلاك الجمهورية الإسلامية حدوداً  مفتوحة مع العديد من دول الجوار ، وأهمها الدولة العراقية التي أعلنت أنها لن تلتزم تطبيق العقوبات الأميركية على إيران ، بالإضافة إلى المحاولات التي يقوم بها بعض حلفاء واشنطن المتضرّرين من القرار ككوريا الجنوبية واليابان بهدف البحث عن سُبُل وقف تطبيق القرار الأميركي ، وعليه يبقى من المتوقّع استمرار تصدير النفط الإيراني إلى العالم ، والأهم من كل هذا الإصرار الإيراني على تصدير ما لا يقلّ عن مليون برميل يومياً .

ومع قناعة الدولة الإيرانية بإمكانية الإعتماد على أصدقائها وعلى الإتحاد الأوروبي وعلى بعض الدول الأوروبية، إلاّ أنها تُدرك تماماً  بأنها دولٌ باتت تعاني من الضعف والوَهن، ولن تستطيع الوقوف في وجه الضغوط الأميركية، على الرغم من تصريحات فريدريكا موغيريني: بأنه "لدينا مصالِح اقتصادية وأمنية مع إيران ولن نتخلّى عنها" ، لذلك سبق للمرشد الأعلى السيّد علي خامنئي أن طرح ما عُرِفَ بالشروط السبعة، لضمان الحقوق الإيرانية، وللحدّ من المراوغة والخداع الأوروبي – إن حصل -، ويبقى التعويل الإيراني الأساسي على الصين وروسيا والهند وتركيا ودول أخرى.

من الواضح أن العقلية والذهنية الأميركية المُتغطرِسة، تجعلها تعتقد أن الدول والشعوب ، تقبل تحت الضغوط والتهديدات الأميركية مُقايضة حقوقها وسيادتها وحريتها وكرامتها ببعض الرفاهية وبعض المال ، وتخشى المُجابهة ، في وقتٍ يغيب عن إدراكها أن الدول والحكومات والشعوب المُناهِضة والمقاوِمة للمشروع الصهيو -أميركي في المنطقة والعالم ، هي شعوبٌ عزيزة وكريمة تأصّلت في نفوسها ثقافة المقاومة ، وتستلهم قوّتها من إيمانها بالله تعالى وبحقوقها وبسواعد أبنائها المقاومين الأشداء الذين لن يبخلوا على أوطانهم بأرواحهم ، كما يغيب عنها أن الدولة الإيرانية وشعبها المقاوِم سبق وتحمّلوا وصبروا وناضلوا لأربعة عقودٍ تجاوزا فيها أصعب الأزمات والحصار والعقوبات الأممية ، وأنهم لن يحيدوا قَيْدَ أنملة عن أهدافهم في التمسّك بحقوقهم ، وبكَسْر أيادي الشر التي تمتد إليهم  ، ولن يقدّموا أية تنازلاتٍ يحلم بها أو يتوقّعها الأميركيون.

إن تخفّي واشنطن وراء إلغاء الاتفاق النووي والمطالبة بإتفاقٍ جديد ، هو الهراء بعينه ويشي بأن العين الأميركية على البرنامج الصاروخي الإيراني ، الذي تخشاه ربيبتها "إسرائيل" ويُهدّد وجودها ، ولم يعد خافياً  أن الضغوط الإسرائيلية على الرئيس الأميركي وإدارته هي المسؤول الأول عن هذا التصعيد والتهويل الإعلامي – السياسي للرئيس ترامب، وما تحدّث عنه الوزير بومبيو حول "تغيير السلوك الإيراني" يشكّل كشفاً صريحاً  للغايات والأهداف الأميركية ، التي تسعى للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة عبر تقليص تأثيرها الفعلي والكبير في دعم الدولة السورية والمقاومة اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية ، ما يُسهّل – بإعتقادهم - المهمة الأميركية وقدرتها على إجبار الدولة الإيرانية على الجلوس على طاولة التفاوض ، ويجعلها على أتمّ الإستعداد لتقديم التنازلات... وهذا بإعتقادهم سيفتح أفقاً  واسعاً  أمام تقدّم المشروع الصهيو –أميركي في المنطقة من دون أية عوائق ، وبالتأكيد ستبقى الغطرسة والقناعات والحسابات الأميركية الخاطئة حبيسة رؤوس مُبدعيها، ولن ترى النور أبداً ، وإن غداً  لناظره قريب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً