دلالات إسقاط إيران طائرة التجسّس الأميركية

إنّ إسقاط هذه الطائرة الأميركية المتطوّرة بل الأكثر تطوّراً والأعلى تكلفة في سلاح الطيران الأميركي المُسيَّر سوف يضعف الأطراف المنادية باللجوء إلى خيار الحرب في التعامل مع إيران داخل الإدارة الأميركية ولن يقويها كما يعتقد البعض.

إن إسقاط هذه الطائرة المُتطوّرة بصاروخ أرض جو من شأنه أن يُبرّد الرؤوس الحامية في واشنطن
إن إسقاط هذه الطائرة المُتطوّرة بصاروخ أرض جو من شأنه أن يُبرّد الرؤوس الحامية في واشنطن

اعتراف القيادة العسكرية الأميركية الوسطى بصحة الخبر الذي وزّعته العلاقات العامة في الحرس الثوري الإيراني فجر أمس الخميس عن تمكّن القوة الجو فضائية التابعة له من إسقاط طائرة استطلاع أميركية مُسيَّرة من طراز (غلوبال هوك) فوق هرمزجان جنوبي إيران، بعد ادّعاء الجيش الأميركي لبعض الوقت، بألا عِلم له بأن طائرة من هذا الطراز كانت تُحلِّق في الأجواء الإيرانية سيكون وقعه ثقيلاً جداً على إدارة ترامب.

فهذا النوع من الطائرات الأميركية هو الأكثر تطوّراً في الترسانة الأميركية وتبلغ تكلفة إنتاج الطائرة الواحدة منه 222 مليون دولار وبإمكانه الطيران على ارتفاعات شاهقة ويُستخدَم لأغراض المراقبة والتجسّس، حيث بإمكانه مسح مساحة من الأرض تزيد مساحتها عن المئة ألف كيلو متر مربع في اليوم الواحد.

وأهمية هذا الحدث المهم والخطيرة في دلالاته أنه جاء على مبعدة عدّة أيام فقط من اعتراف الجيش الأميركي عن تمكّن الحوثيين في اليمن بمساعدة إيرانية حسب قوله من إسقاط طائرة أميركية مُسيَّرة من طراز (أم كيو9) فوق مدينة الحديدة اليمنية. فهذا الطراز من الطائرات الأميركية من دون طيَّار يتمتَّع هو الآخر بمواصفاتٍ تكنولوجيةٍ عاليةٍ، ويستخدمه الجيش الأميركي بكثرة بضرب أهدافٍ في العديد من الدول ومن ضمنها أفغانستان واليمن وسوريا والعراق، ويطير أيضاً على ارتفاعاتٍ شاهقةٍ، وتبلغ تكلفة إنتاج الطائرة الواحدة منه 56 مليون دولار أميركي، ويوصَف نظام تشغيلها بالمُفترس لأنه يمكنها من القيام بأكثر من مهمة في آنٍ واحد.

ورغم أنني لست خبيراً عسكرياً، إلا أنه يمكنني القول بأن إسقاط الحرس الثوري الإيراني لطائرة (غلوبال هوك) في هذا الوقت هو رسالة ردع عسكرية لأميركا بعد الرسالة السياسية القوية والمهنية التي وصلتها من المرشد الإيراني علي خامينائي برفضه لعرض التفاوض الذي حمله له رئيس الوزراء الياباني مضمونها أن التهديد بالحرب لا يُخيف إيران وهي مستعدّة لتخوضها والانتصار فيها فيما لو فُرِضت عليها.

إن إسقاط هذه الطائرة المُتطوّرة بصاروخ أرض جو من شأنه أن يُبرّد الرؤوس الحامية في واشنطن، لأن مَن أسقط هذه الطائرة المُسيَّرة التي تُحلِّق على ارتفاعٍ شاهقٍ جداً يستطيع أن يُسقِط الطائرات المقاتلة التي يقودها طيّارون بواسطة ما يمتلك من منظومات دفاع جوي متطوّرة جداً وفاعِلة جداً، بعضها قد يكون معروفاُ للأعداء وبعضها الآخر قد لا يكون معروفاً وهذا ما يُعرَف في العِلم العسكري بمفاجآت الميدان. وغني عن القول في هذا المجال بأن إسقاط هذه الطائرة سيكون له ما بعده لأن مَن اتّخذ القرار السياسي بإسقاطها امتلك شجاعة سياسية ومعنوية لا يتمتّع بها إلا العُظماء.

ولكي أوضح ما أقصده هنا فإن طائرة من نفس طراز (غلوبال هوك) التي أسقطها الإيرانيون أمس حلّقت مؤخّراً فوق أجواء جزيرة القرم الروسية لبعض الوقت ، واكتشفها الروس ولكنهم لم يسقطوها الأمر الذي يؤكّد على حقيقة مهمة جداً وهي أن إيران باتت أحد الأقطاب المهمين في المعادلة الدولية.

على ضوء ما تقدَّم يمكن القول أن إسقاط هذه الطائرة الأميركية المتطوّرة بل الأكثر تطوّراً والأعلى تكلفة في سلاح الطيران الأميركي المُسيَّر سوف يضعف الأطراف المنادية باللجوء إلى خيار الحرب في التعامل مع إيران داخل الإدارة الأميركية ولن يقويها كما يعتقد البعض، لأن ترامب الذي تؤشّر آخر استطلاعات الرأي العام الأميركي وآخرها الاستطلاع الذي أجرته شبكة (فوكس نيوز ) الأميركية قبل يومين إلى أن المرشّح الرئاسي جو بايدن يتقدّم عليه بأكثر من عشر نقاط فيما لو جرت انتخابات الرئاسة المقبلة ال 59 المُزمَع إجراؤها في الثالث من نوفمبر عام 2020، اليوم قد صُعِق من هذه الأخبار السيّئة ولن يغامر بالذهاب إلى حرب تدعمه نهائياً، وهو الذي تلاحقه الفضائح ومُطالبة الديمقراطيين ليس بعزله فقط وإنما بسجنه أيضاً، بالبقاء في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى.

فحال ترامب سوف تصبح بعد إسقاط الإيرانيين لطائرة الاستطلاع والتجسّس الأميركية مثل حال نتنياهو عاجزاً عن التحرّك ضد إيران أو كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني (واوي بلع منجل) لا يستطيع بلعه ولا يستطيع هضمه.

بكلماتٍ أخرى فإن إسقاط طائرة التجسّس الأميركية هو رسالة أيضاً لإسرائيل والسعودية مضمونها لا تلعبا بالنار، وهذا ما عبَّر عنه العميد حسين سلامي قائد الحرس الثوري الإيراني عندما قال تعقيباً على هذا التطوّر بأنه نموذج لتعامل إيران مع أعدائها.أي على طريقة اضرب القوي يخشاك الضعيف.

وبقي القول فإن إيران بما فعلته أمس قدَّمت مساعدة لا تُقدَّر بثمن للروس والصينيين الذين يتصدّون للحرب الاقتصادية التي يخوضها ضدهما ترامب، ويسعيان للرد عليها بكَسْر هيمنة الدولار عل اقتصادات العالم في إطار النضال لبناء عالم مُتعدِّد الأقطاب.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً