السودان سوار من ذهب أم سوار من نار؟ !

رغم عدم ثقة قوى الحرية والتغيير في السودان بوعود العسكر لأنهم امتداد لنظام الحـكم السابق، إلا أنهم وافقوا على الشروع في إجراء مفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي الذي تم تشكيله بعد الإطاحة بالبشير، وذلك لتجنّب دخول السودان في دوّامة من العنف، إلا أن المجلس رفض الإصغاء لمطالب الشعب بأن يكون الجيش طرفاً في المرحلة الانتقالية المؤدّية إلى حكم مدني.

  • السودان سوار من ذهب أم سوار من نار؟ !

كان واضحاً منذ الإطاحة بديكتاتور السودان السابق عمر البشير في نيسان/أبريل الماضي أن ما جرى كان عبارة عن انقلاب قامت به قيادات عليا في الجيش والقوات المسلحة ، وبعض أذرع الأمن السودانية للالتفاف على مطلب الشعب السوداني بإقامة حكم مدني ديمقراطي، والاستعاضة عن ذلك بحكم عسكري جديد يُعيد إنتاج نفس سياسات النظام السابق، تحت عنوان مُضلّل وهو مرحلة انتقالية مؤقتة بقيادة العسكر تمهّد لانتخابات ديمقراطية ينجم عنها قيام حكومة مدنية.
ورغم عدم ثقة قوى الحرية والتغيير في السودان بوعود العسكر لأنهم امتداد لنظام الحـكم السابق، إلا أنهم وافقوا على الشروع في إجراء مفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي الذي تم تشكيله بعد الإطاحة بالبشير، وذلك لتجنّب دخول السودان في دوّامة من العنف، إلا أن المجلس رفض الإصغاء لمطالب الشعب بأن يكون الجيش طرفاً في المرحلة الانتقالية المؤدّية إلى حكم مدني، وأصرّ على قيادة المرحلة بمفرده كما واصل انتهاج ذات سياسات نظام البشير تحديداً في مجال العلاقة مع السعودية والإمارات، ورفض سحب القوات السودانية من تحالف العدوان ضد الشعب اليمني الشقيق..
وقد تعقّد الوضع بعد الزيارات المشبوهة التي قام بها مبعوثون سعوديون وإماراتيون إلى الخرطوم، وما واكب ذلك من حديث عن تقديم مساعدات مالية للسودان لمساعدة شعبها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية الشديدة التي يعاني منها البلد، وزاد تعقيداً بعد الزيارة التي قام بها رئيس المجلس العسكري السوداني إلى الرياض وأبوظبي والقاهرة ، حيث شرع، بناء على نصائح وتوجيهات استمع إليها، على ما يبدو في استخدام الرصاص الحيّ لفضّ اعتصام الجماهير السودانية من أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 130 مواطناً وجرح الكثيرين.
لقد أكّد إطلاق النار على المتظاهرين السلميين في السودان المؤكّد ، وهو أن الجيوش في الغالبية الساحقة من البلدان العربية هي قوّة محافظة وليست قوة تغيير ثوري كما يتوهّم البعض ، وبالتالي فإنه لا يمكن الركون لوعود تقدّمها قياداتها العليا بتنظيم انتقال سلمي وسلس للسلطة ، لأن جلّ ما يمكن أن تفعله وبعد مرحلة انتقالية قد تطول أو تقصر هو تهيئة مدني أو واجهة مدنية لكي تُدير الحُكم ، فيما يبقى الحاكم الفعلي من خلف ستار هو الجيش..
من هذا المنطلق فإن خشية كل مُحبي الشعب السوداني أن يستغل المجلس العسكري السوداني الوساطة التي يقوم بها رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد علي لنزع فتيل الأزمة مع قوى الحرية والتغيير الالتفاف على مطالب نقل السلطة بأسرع وقت لحكومة مدنية لها ما يبرّرها حتى لو وافق شكلاً على الشروط الأربعة التي وضعتها القوى لاستئناف الحوار مع المجلس وهي:
أولاً: اعتراف المجلس بارتكاب جريمة فضّ الاعتصام أمام مقر الجيش في الخرطوم.
ثانياً: تشكيل لجنة تحقيق دولية لبحث ملابسات أحداث فضّ الاعتصام.
ثالثاً: إتاحة الحريات العامة وحرية الإعلام ورفع الحصار عن الإنترنت.
رابعاً: سحب كل المظاهر العسكرية من الشوارع في كل أنحاء السودان لأن أعضاء المجلس لديهم خبرة طويلة في القمع والالتفاف على مطالب الجماهير عمرها عشرات السنين، وقد أضيف إليها مؤخراً خبرات أميركية وسعودية ومصرية وربما إسرائيلية ومتعدّدة الجنسيات. ما سيجعل التصلّب سيّد الموقف.
على كل حال وأياً كان جواب المجلس على تلك الشروط ، وبالتالي نتائج الوساطة الحالية التي يقوم بها رئيس الوزراء الأثيوبي فإن تمسّك قوى الحرية والتغيير بمطالب نقل السلطة بالكامل إلى حكم مدني وتعرية سقف المطالب برفض مبدأ وجود فترة انتقالية بالمطلق بمشاركة العسكر تبقى ضرورة ملحّة لعدم إجهاض ثورة الشعب السوداني عن طريق طغمة عسكرية جديدة أو بشير جديد حتى لو كلّف ذلك دماء غزيرة.
فالعنف الثوري في مواجهة العنف الرجعي يبقى هو القانون الناظم للثورات لأن الطبقات الرجعية لا تتخلّى عن تمسّكها بالسلطة السياسية ، وبالتالي عن امتيازاتها المالية وما تعتبره حقاً لها بسرقة خيرات وثروات الشعوب طواعية..
بقي القول إن سقوط ضحايا أبرياء من أبناء الشعب السوداني على يد عسكر السودان قد أفشل محاولتهم الهادفة لخداع الشعب السوداني من خلال إيهامه بأنهم حراس للديمقراطية أو سوار ذهب جديد ما سيعطي الثوار زخماً جديداً لاستكمال تحقيق أهداف الثورة السودانية حتى لو زعم حكّامها العسكريون الجُدُد بأنهم يحاربون ثورة يسارية لاستجلاب المزيد من البترودولار السعودي والإماراتي الملوَّث بدماء اليمنيين والسودانيين الأبرياء والحصول على دعم ترامب وأترابه في الغرب...
إنهم ليسوا سوار ذهب بقدر ما هم سوار نار والفرق كبير..

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً