حازم الشهابي

كاتب عراقي

العملية السياسية والواقع العراقي

إن حقيقة ما يُثار حول جدليّة نجاح العملية الديمقراطية وتقدّمها في العراق من عدمه، يجب أن يخضع كما غيره بطبيعة الحال للقواعد العقلية والمنطقية والاستقراء الواقعي المُنضبِط والمُقايَسة المُجرَّدة المُنسَجِمة مع مُتطلّبات المرحلة، والنتائج الملموسة المُتحقَّقة خلال أكثر من خمسة عشر عاماً من تاريخها.

  • العملية السياسية والواقع العراقي

لا يمكن الخلاف من الجانب النظري، على أن التجربة الديمقراطية في العراق تُعدُّ من أقوَم التجارب السياسية في المنطقة لما تتمتَّع به من حرية اختيار الشعب لمُمثليه في السلطة التشريعية (البرلمان) من خلال انتخابات حرّة نزيهة تُدار من قِبَل هيئة مهنية مُستقلّة بمُراقبة الأمم المتحدة وعدد من منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والناشطين.

إما من الجانب العَمَلي الممارساتي، وما يتبعه من نتائج واقعية، فهو ما يزال محط ّخلاف وشدّ وجَذْب لدى معظم المُتابعين للمشهد السياسي العراقي، نتيجة لعدم تحقّق الغاية المرجوَّة للنهوض في بناء دولة مؤسّساتية ترتقي إلى مصاف الدول المُتقدّمة، فضلاً عما يشهده البلد من تراجُعٍ خطيرٍ في العديد من الملفات الخدمية المهمة. في حين يرى البعض الآخر أن التجربة السياسية في العراق؛ تجربة فتيّة، وهي بحاجة إلى المزيد من الوقت لتأصيل جذورها وإرساء مبادئها الديمقراطية والوطنية في صُلب المجتمع والمُتصدّين للعمل السياسي على حدٍ سواء، ومن الطبيعي جداً ونظراً لحَدَاثتها يشوبها بعض المشاكل والمُنغصّات.

إن حقيقة ما يُثار حول جدليّة نجاح العملية الديمقراطية وتقدّمها في العراق من عدمه، يجب أن يخضع كما غيره بطبيعة الحال للقواعد العقلية والمنطقية والاستقراء الواقعي المُنضبِط والمُقايَسة المُجرَّدة المُنسَجِمة مع مُتطلّبات المرحلة، والنتائج الملموسة المُتحقَّقة خلال أكثر من خمسة عشر عاماً من تاريخها.

بعيداً عن التحليل المُؤدَلج والقراءة النمطية لواقع العراق السياسي وأداوته البالية نخلص، أن العراق يمرّ في أسوأ مراحل تاريخه السياسي نظراً إلى غياب الوازِع الوطني لدى أغلب الكتل السياسية، وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العليا للبلد، إذ كان ذلك جلياً من خلال ما شهدناه مؤخّراً من استماتة بعض الكتل حول المناصبِ الحكومية والاستحواذ عليها بشكلٍ يدعو إلى العَجَب، في حين أنها ذات الكتل قُبِل تشكيل الحكومة صدعت رؤوسنا بتخلّيها عن كافة المناصب الحكومية ومنح رئيس الحكومة حرية اختيار كابينته! محاولة بذلك التظاهر بزهدها للمغانم، بما يتّسق وإرادة ما يُقارِب 80% من الجماهير الناقِمة على العملية السياسية وعدم اشتراكاتها  في الانتخابات الأخيرة ، هذا بالإضافة إلى التناحُر والنزاع المستمر للمكوّنات السياسية في داخل التحالفات الواحد، حيث حصل الكثير من الانقسامات والانشقاقات نتيجة لتغوّل بعض الأطراف وتفرّدها، كما هي الحال في تحالف الإصلاح الذي يُعدّ أحد أكبر التحالفات السياسية في العراق، ما حدا بتيار الحكمة للتخلّي عن التحالف والذهاب نحو خيار المعارضة، وقد يلتحق به الكثير من مكوّنات التحالف للسبب ذاته.

الأكثر غَرابة من كل ذلك، هو أن بعض الكتل السياسية أسقطت الاعتبارات وتجاوزت أخلاقيات العمل السياسي، وذهبت نحو التنكيل بحلفائها والإطاحة بهم! كما حصل لمُحافِظ واسِط قبل بضعة أشهر، حيث تعرَّض لهجمةٍ شرسةٍ للإطاحة به من قِبَل أعضاء مجلس المحافظة المُنتمين إلى ذات الكتلة التي يأتلف معها التيار المحافظ في تحالف الإصلاح! 

في ذات السياق، نلاحظ أيضاً أن تحالف البناء  هو الآخر لم ينجُ من غياب الانسجام بين مكوّناته وتفرّد أطرافه، فإتلاف الفتح ما زال يمارس ذات السياسة التي تمارسها كتلة سائرون، وخير مصداق على ذلك، ما أفضت إليه النتائج الأخيرة  بعدم استطاعته _تحالف البناء_ من تمرير مُرشّحه لوزارة التربية المطروحة من قِبَل المحور الوطني (خميس الخنجر) لأربع محاولات فاشلة بسبب عدم تصويت أغلب أعضاء تحالف البناء بمَن فيهم البعض من الفتح لصالح المُرشّح! 

بالتالي فإن الاحتمال الأقرب إلى الواقع، هو تشظّي معظم التحالفات الكبيرة وانقسامها إلى مُثنى وثلاث ورباع، ما سينعكس سلباً على معادلة التوازن السياسي الذي بالتالي سيؤدّي إلى ضعف وتراجع القرارات والتشريعات البرلمانية إلى ما هو أسوأ بكثير مما كانت عليه في الدورات السابقة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً