محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

اشتداد صِراع الإرادات والمشاريع في سوريا

بينما يرتفع منسوب التفاؤل بالإعلان عن تحقيق خرقٍ على مستوى المشهد السياسي السوري مُتمثلاً بولادة وتشكيل وانطلاق عمل اللجنة الدستورية خلال محادثات أستانة القادمة، تزداد في الضفة المقابلة حِدَّة الصراع داخل الجغرافية السورية عاكِسة بشكلٍ واضحٍ دور وتدخّل الأصلاء في تحقيق مصالحهم وإراداتهم المُتناقِضة.

من درعا جنوباً وصولاً إلى المنطقة الشمالية الشرقية وإدلب ومشروع ما يُسمَّى "المنطقة الآمِنة" مروراً بالتنف والحدود المشتركة (العراقية السورية الأردنية)، يبدو أن أدوات الصراع التي ينتهجها محور واشنطن  تختلف بتطوّر المراحل التي يشهدها الملف السوري، ولكن مضمونها هو ثابت ويصبّ في التأثير على مخرجات العملية السياسية وإحياء مسار جنيف وتغيير السلوك السوري ومواقفه، وتقليص النفوذ الإيراني وإيجاد كيانات مستقلّة بمقوّماتها عن الدولة تكون قابلة للانفصال وتفرض نفسها كأمرٍ واقعٍ من خلال الهشاشة البيئية التي تسعى واشنطن وأنقرة وتل أبيب لإيجادها في سوريا، رغم تناقض التحالفات مابين الوكلاء والأصلاء كما هي الحال بين قسد وتركيا.
هذه الصراعات المُتمثّلة بالمشاريع المُتعدِّدة أو ما يُسمَّى بالخطط البديلة، برز تسارُعها مع ارتفاع وتيرة الصراع الذي يشهده النظامان الإقليمي والدولي، وبخاصةٍ في ظلّ الكباش الإيراني الأميركي الذي حَبَسَ أنفاس المجتمع الدولي لمرتين متتاليتين في أقل من شهر، وكاد أن يسقط الجميع من حافة الهاوية التي يقف عليها جميع الفاعلين الإقليمين والدوليين من دون استثناء، نظراً لتداعيات أية مواجهة مباشرة وفُقدان القدرة على التحكّم بها، فضلاً عن الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُصيب كلاً من تركيا وإسرائيل والتوظيف السياسي للملفات الخارجية ضمن الحملة الانتخابية القادمة للرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، والتي تُحتِّم على هذه القوى نقل ضغوطها الداخلية نحو الساحات المُتأزِّمة _ والتي تعتبر سوريا أحداها_ أما للإبقاء على الصراع قائم ولكن بتأثيرٍ محدودٍ ومضبوط، أو للهروب من الضغوط الداخلية، أو لتحقيق تحسّن في التموضع السياسي واستثماره بالحصول على مكاسب تتعلّق بالنفوذ والتحالفات والمصالح.
وضمن هذا الإطار يمكن مُلامَسة تطوّر أدوات هذا الصراع من حيث التوقيت السياسي له في ما يتعلّق بالحرب على سوريا عبر ثلاثة تطوّرات مُتزامِنة:
_ مع اقتراب الذِكرى الأولى للتسويات الكبرى التي شهدتها المنطقة الجنوبية من سوريا، تصاعدت وتيرة الخروق الأمنية، وبلغت ذروتها قبل أيام من خلال استهداف حافلتين للجيشين الروسي والسوري  في مدينة درعا، وتصاعُد هذه الخروق يُعبِّر عن دائرةٍ من الاحتمالات، أهمّها:
عودة التأثير الاستخباراتي الإسرائيلي الأميركي للعَبَث بتسويات الجنوب بعد فشل الاجتماع الثلاثي الذي جمع رؤساء أركانها مع الجانب الروسي في الأراضي المحتلة منذ قرابة الشهر، تزامُناً مع توافر معلومات تفيد عن عودة نشاط غرفة "موك"، ووصول شحنات من الأسلحة النوعية الأميركية إلى الإردن، التي تشهد جغرافيتها الشمالية تدريباً لمسلّحي ما يُسمَّى جيش المغاوير الذي ترعاه واشنطن.

_ بينما يُمثِّل التهديد التركي بشنّ عدوانٍ جديدٍ على الأراضي السورية، تطوّراً لافِتاً بتوقيته وجديّته، وبخاصة بعد تهديد رئيس النظام التركي أردوغان "بإنشاء منطقةٍ آمنةٍ في بلدات سوريّة خارجة عن النفوذ التركي حالياً مثل تل رفعت وتل أبيض" وفق وصفه.

فهذا التهديد يُصنَّف بين ثلاثة احتمالات:
الأول أنه يأتِي في إطار التجاذب الأميركي التركي بعد تسلّم الأخيرة دفعات من منظومة الصواريخ (S400) وتوجّه الأولى نحو فرض المزيد من العقوبات على تركيا.
أما الاحتمال الثاني فيتمثّل في تحسين شروط التفاوض من أجل "السلام الدائم" الذي ترغب واشنطن إقامته بين قسد وتركيا قبل أيلول القادم، ويتولّى المبعوث الأميركي للشأن السوري "جيمس جيفري" هذه المهمة.
أما الاحتمال الثالث فهو يتضمَّن جدّية السلوك العدواني التركي للقيام بعملٍ عسكري، وهذا الاحتمال قد يكون السبب في دفع أنقرة لما يُسمَّى رئيس الائتلاف المُعارِض للاجتماع بقيادة المجلس الوطني الكردي لجذب تأييدهم ودعمهم لأيّ عدوانٍ تركي، ويُفسّر بذات الوقت  مُسارعة "جيفري" لزيارة أنقرة بعد يومين من الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية التركي مع نظيره الأميركي ومستشار الأمن القومي لواشنطن، فهذه الزيارة المُستعجَلة والتي لم تكن على جدول أعمال جيفري وإن حملت عنوان استكمال التنسيق في لجنة العمل المشتركة، هي تعبير عن استشعارٍ أميركي بمدى جدية السلوك التركي والذي ترافق مع تحرّكات وتحشيدات عسكرية على أكثر من نقطة لاجتياح الشمال السوري بشكلٍ لايتوافق مع المصالح الأميركية، لاسيما أن مثل هذا السلوك العدواني وفق الرؤية الأميركية من شأنه تعميق الخلاف الأميركي التركي وانعكاس ذلك بتصدّع الناتو، ويضعف حلفاء واشنطن الكرد، ويزيد من الدور الروسي سواء في التأثير على تركيا أو على القوى الكردية.

_أما التطوّر الثالث والذي يُشكّل توصيفاً حقيقياً لطبيعة الصراع بشكلٍ مُصغَّر، فيتمثّل بمشاريع واشنطن المُتعدّدة في الشمال السوري وصولاً للتنف.
وهذه المشاريع أنْ كانت تتضمَّن في بعض جوانبها استنزافاً لسوريا ومحاولة فرض تقسيمها كأمرٍ واقعٍ وإحكام طوق الحصار عليها، فإنها ببعض جوانبها الأخرى تتضمَّن صورة عن صراع مُصغَّر بين محور المقاومة وأميركا ومن خلفها إسرائيل ودول الخليج، وأصرار واشنطن على إقامة المنطقة الآمِنة بوجود قوات مُتعدِّدة الجنسات وبحمايةٍ محلية، والاعتماد على الشركات الأمنية الخاصة لحماية المناطق الحيوية، والتوجّه نحو المزيد من التطبيع الكردي الإسرائيلي والعودة إلى برامج تدريب المسلحين في منطقة التنف هو خير دليل على ذلك.
من الواضح أن سوريا اليوم بجغرافيتها وفاعليتها السياسية والعسكرية تتأثّر وتؤثّر على شكل الصراع الدائر على مستوى الخارطة الإقليمية في ظلّ تراجع مؤشّرات الصِدام المباشر، ليس فقط انطلاقاً من أهمية موقعها الجغرافي بل لمواقفها التي لطالما شكَّلت العامِل المحوري إلى جانب عوامل أخرى في تكوين أسباب الحرب عليها، واشتداد هذه الصراعات من شأنه أن يؤجِّل الحلول السياسية.