ميشال كلاغاصي

كاتب سوري

بريطانيا لاعبٌ بديل في الوقت الضائِع

دائماً هي الجزيرة البريطانية التي اختفت حدودها البرية فصبَّت كامل جهودها على حدودها البحرية، وطوَّرت أساطيلها ومدافعها وانطلقت قرصاناً يجوب البحار والمحيطات بحثاً عن النفوذ وأموال الغير ، وبالمال الصهيوني تحوَّلت إلى أكبر القراصنة الذين عرفهم التاريخ، ودُعيت "جحافلها" وأساطيلها البحرية بـ "قرش البحر القاتِل".

بريطانيا لاعبٌ بديل في الوقت الضائِع
بريطانيا لاعبٌ بديل في الوقت الضائِع

هكذا أصبحت بريطانيا القوّة العُظمى التي حَكَمَت وتحكم العالم بوجهيها الظاهر والمُستتر، وتراجعت إلى ما وراء الستار بعد اكتشاف وبلورة قوّة القارة الأميركية وسيطرة الحركة الصهيونية عليها ، واقتصر دورها الظاهري على استمرارية العَبَث بدول القارّة العجوز وحيث تصل أياديها ، لكنها حافظت على دورها الخفّي واستمرت بحياكة كافة المؤامرات حول العالم وتحديداً حِيال الشرق الأوسط ، فقد تبنّت دور أمّ "الصبي – الشرّير" في احتلال فلسطين وتشريد شعبها لإطلاق الوعود ودعم تنفيذها لإقامة "الكيان الغاصِب" على أرض فلسطين ، مُستغلّة الأموال الصهيونية وتفوّقت على كافة دول قارّتها وأقرانها من المُستعمرين واللصوص والقراصِنة.
هكذا يُهلّل الإسرائيليون لكل مَن يحكم بريطانيا سواء كان ماي أو كوربن أو هانت أو جونسون ، وهكذا تندفع حكوماتها بعكس مصالح شعبها لخدمة سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية والداخلية، والتي تُمسِك بخيوط اللعبة وتدفع بكافة المراكب نحو المصالح الصهيونية في مواجهة إيران والصين وروسيا ، وفي المواجهة الدولية على الأرض السورية وفي مواجهة الجيش العربي السوري الذي أكَّد ومن دون أدنى شك أنه يدافِع عن سوريا وفلسطين والهوية العربية والإنسانية للبشرية جمعاء.
هي بريطانيا اليوم التي لم تنفكّ يوماً عن لعب دور القرصان البحري في مياه الخليج والمتوسّط وحيث تتواجد البحار والمحيطات ، هي بريطانيا التي احتجزت الناقلات والسفن الإيرانية بالقرب من مضيق هرمز وفي مضيق جبل طارق، عبر ذرائِع سخيفة لقُرصانٍ يدَّعي تطبيق القانون الدولي ..!
وفي وقتٍ تحتاجه الولايات المتحدة والرئيس ترامب لتمرير الانتخابات الأميركية ، تطفو مراكب القرصان البريطاني لشغل الساحة وللمحافظة على سخونة التصعيد العسكري ، وتؤكِّد دورها كأداة مُسخَّرة لخدمة المشروع الصهيو-أميركي, وأنها لاعبٌ بديل في الوقت الضائِع من دون أن تحظى بأدنى احترام أو حماية أميركية.
في وقتٍ يتحدَّث فيه البعض عن توريطٍ أميركي – صهيوني للحكومة البريطانية ، عبر مُستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون الذي هلَّل للقرْصَنة البريطانية ووصف عملية الإحتجاز بـ "الخبر الجيِّد"... يلبس الساسة البريطانيون ثوب العفّة ويتحدَّث البريطاني جيرمي هانت عن استياء ورفض بلاده لاحتجاز إيران ناقلة تحمل العَلَم البريطاني ، ويؤكِّد على ضرورة الحفاظ على حركة السفن البحرية "بأمان وبحرية في المنطقة"... مُتجاهلاً قرصَنة بلاده في مضيق جبل طارق في الرابع من تموز الحالي بذريعة انتهاك الناقلة الإيرانية للعقوبات الأوروبية التي تمنع نقل النفط إلى سوريا ، ضارِباً عرض الحائط بالقواعد والقوانين الدولية الناظِمة لحركة ومرور السفن التجارية في المضائق والممرات الدولية.
ومع تهاوي كافة الادّعاءات والأكاذيب التي ساقتها الحكومة البريطانية لتبرير قرصَنتها البحرية ، يتبيَّن ومن خلال عشرات الأدلّة ، ومما تناقلته الصحافة البريطانية والعالمية أن ما قامت به بريطانيا ليس سوى جزءاً من مُخطّط كبير يتمّ تحضير مسرحه بالتنسيق الكامل مع إدارة الرئيس ترامب لتشديد الحصار والضغوط على الاقتصاد الإيراني والحد من قدرته على التصدير وبطلبٍ من الولايات المتحدة الأميركية.
يبدو أن الأميركيين سعوا إلى تنفيذ عملية القرصَنة عبر بريطانيا ، ليس بهدف تطبيق عقوبات الإتحاد الأوروبي على سوريا فقط ، بل للدفع للمزيد من استعداء إيران وخنق شريان الحياة فيها بغية استفزازها ورفع احتمالات شنّ الحرب المباشرة عليها... الأمر الذي لن يُقدِّم للبريطانيين سوى انهيار ما تبقَّى من سمعتهم الدولية ، وما تبقَّى من الثقة الإيرانية – الأوروبية في وقتٍ كان فيه الأجدر ببريطانيا أن تدعم الإتفاق النووي وأن تقف إلى جانب شركائها الأوروبيين ... وكلها أمورٌ تؤكِّد بمُجملها عمَالة العرش البريطاني وتبعيتّه للشرّ الصهيو –أميركي في إشاعة الفوضى وتهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز وغير مكان.
بات من الواضح أن التصعيد العسكري والحروب التجارية التي تسوقها الإدارة الأميركية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت ذريعة تعديل الإتفاق النووي الإيراني الذي تراه إدارة ترامب غير عادلٍ وغير مُنصِف ، ما هو إلاّ كلام خيالي يسعى إلى ذرّ الرماد في العيون ، ولم يعد خافياً على أحد الدور الهدَّام الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية كثورٍ جريحٍ تمَّت إزاحته عن قمّة العرش الدولي في عالمٍ مُتعدِّد الأقطاب لن تكون فيه السيّد والشرطي واللص في آنٍ واحد.
ولحين تبلور ملامح النظام العالمي الجديد تسعى كافة الدول بما فيها الدول العُظمى والكُبرى إلى تقديم ثبوتيات هيمنتها ونفوذها على أوسع نطاق، في وقتٍ تسعى فيه الدول التي تستشعر الهزيمة أو التراجُع لإشاعة الفوضى والتهديد بالحروب، وما "أسَعَد" العالم بوصول بوريس جونسون إلى سدَّة حُكم المملكة المتحدة ، وهو الشبيه وربما النسخة الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب ويحقّ للعالم أن يتوخّى الحَذَر وأن يشعر بالخطر القادم من حقبةٍ قادمة يجتمع فيها ترامب وجونسون وعشرات المُتطرّفين اليمينيين الذين أخذوا يحتلّون غالبية سدّات الحُكم حول العالم.